موقف سارتر من الفلسفة الماركسية

موقف سارتر من الفلسفة الماركسية

 مؤيد جواد الطلال

          يحدد الفيلسوف والأديب ( جان بول سارتر ) في بحثه عن طريق جديد للفلسفة خارج إطار الماركسية موضعاً آخر للوجودية من شجرة الفكر المثالي الغربي في إجابته على دراسة لوكاتش [ جورج لوكاتش: ماركسية أم وجودية ترجمة جورج طرابيشي – دار اليقظة في دمشق ]، وأسئلة المجلة البولونية عام 1957 بعنوان (( مسألة منهج ))، والتي أصبحت بمثابة المدخل لكتابه نقد العقل الجدلي؛ حيث أبدى سارتر في تلك الإجابة تنازلات وتغييرات على مواقعه ومواقفه، بيد أنه لازال ينهل من الفكر المثالي للفلاسفة الكلاسيك الكبار.

          يَعتبر سارتر الوجود مجرد عقيدة ونظام طفيليي يعيش على هامش العِلم، على الرغم من أن ( كيير كيغارد )، الأب الروحي للوجودية، ينقض هذا العِلم الموضوعي: (( إنّ الإنسان الموجود لا يمكن أن يُمثّل بنظام أفكار .. والألم الإنساني يفلت من العِلم. بالطبع، إنه الدين الذي يريد ( كيير كيغارد ) الدفاع عنه. إنه يضع بين الإنسان والإله مسافة لا متناهية. وعلى هذا فإنه مقود إلى المطالبة بالذاتية الخالصة، المتفردة، ضد شمول الماهية الموضوعي عند ( هيجل ). وبالإيمان ضد البداهة العلمية، فالحياة الذاتية، بقدر ما تكون مُعاشة، لا يمكن أن تكون موضع عِلم. إنها تفلت، من حيث المبدأ، من المعرفة. وهذه الذاتية هي ما أطلق عليه ( كيير كيغارد ) اسم [ الوجود ] –  المرجع المذكور أعلاه )).

يعترف سارتر، إذن، بأنّ الوجود الوجودي ليس إلا الحس الداخلي، الشعور الذاتي المحض، في أن ألم الإنسان وتفرده لا يستطيع العِلم تجاوزه. ولذا فهو بحاجة إلى صبوة ذاتية نحو المطلق اللامتناهي، نحو الله .. ويعتبر سارتر إنّ المذهب الذاتي، الديني والمثالي، يُعّد تقدماً على ( هيجل ) نحو المذهب الواقعي (( لأنه يلح قبل كل شيء على أن هناك واقعاً معيناً يستحيل على الفكر إرجاعه، ويلح على أولوية هذا الواقع – ص 21من ذات المصدر )).

          هل يا ترى هذه عقيدة تعيش على هامش العِلم ( أي عِلم ؟؟! ) أم على هامش لا أدرية وقدرية بلهاء ؟

هامش الماركسية

          بيد أن سارتر يعتقد أن ثمة وجودية أخرى قد تطورت على هامش الماركسية لا ضدها. حيث كانت الماركسية، باعتبارها فلسفة، أصبحت عالماً مُعاشاً بواسطة (( البروليتاريا ))، وأخذت تنتزع الوسط الطلابي من الثقافة المتوفاة لبرجوازية تعيش عيشة الكفاف على ماضيها. ويتساءل سارتر: لِمَ احتفظت الوجودية إذن باستقلالها الذاتي ؟ لِمَ لم تنحل في الماركسية ؟!

          يجيب سارتر على سؤاله بتناقض غريب: (( إننا كنا مقتنعين، في الوقت نفسه، بأن المادية التاريخية تقدم التفسير الصحيح الوحيد للتاريخ، وبأن الوجودية تظل الاقتراب العيني الوحيد من الواقع / نفس المصدر – ص 35 )). وهذا التناقض لا يخفى على سارتر نفسه؛ غير أنه يبرره بوجود مفارقة موضوعية: ففي الوقت الذي انتزعته فيه الماركسية، وزمرة الطلاب البرجوازيين الصغار المثقفين، من طبقته وبلبلت أفكاره، تركته فجأة أثناء التنفيذ. فهي لم تُشبِع حاجاته إلى الفهم، وباتت لا تملك جديداً تعلمه إياه؛ لأنها كانت قد توقفت على حد تعبيره.

ثم يكرر سارتر كليشهات وأسباب هذا التوقف المعروفة: انفصال النظرية عن التطبيق، وتحول النظرية إلى أفكار فيتشية مقدسة وإلى ((عِلم خالص))، إضافة إلى تخطيط البيروقراطية الستالينية التي لا تريد الاعتراف بأخطائها، متحولة إلى عنف موجه ومنظم .. الخ. وبعد أن ينتقد سارتر موقف التدخل السوفيتي في المجر(هنغاريا)، يصل إلى أن الماركسية باتت لا تعرف شيئاً (( فمفاهيمها مفروضة ومملاة إملاء، ولم يعد هدفها أن تكسب معلومات بل أن تجعل من نفسها قبلياً، عِلماً مطلقاً. وإزاء هذا الجهل المزدوج، استطاعت الوجودية أن تولد من جديد وأن تصمد؛ لأنها تؤكد واقع البشر    – كما كان ( كيير كيغارد ) يؤكد واقعه الذاتي الخاص ضد هيجل – وإنها على عكس الماركسية التي حولت الإنسان الواقعي إلى مجرد فكرة، تبحث عن الإنسان في كل مكان يوجد فيه بالرغم من أنه يفلت من المعرفة مؤقتاً، لأن المفاهيم الوحيدة التي تملكها لفهمه مأخوذة عن مثالية اليمين، أو عن مثالية اليسار – ص .((47

          مثالية اليسار تلتقي، إذن، حسب تعبير ومفهوم سارتر هذا، مع مثالية اليمين في تضييع الإنسان الواقعي وأبعاده عن المعرفة والفهم. والوجودية تأتي لتجاوز كلتا المثاليتين لتخلق طريقاً جديداً، ثالثاً، هو الذي يستطيع أن يُحدد موقع الإنسان ويعرّفه ( كذا .. !! ).

لقد بان الموقع الحقيقي للوجودية، بعد سلسلة من التحليلات والاستنتاجات المتناقضة. فكيف يمكن أن تتوقف فلسفة (( تقدم التفسير الصحيح والوحيد للتاريخ )) وتبين لا تعرف شيئاً، وتصبح مفاهيمها ((المفروضة والمملاة إملاءً )) عِلماً مطلقاً يسعى إلى (( تضييع الإنسان الواقعي، وإبعاده عن المعرفة )) ؟! وكيف تستطيع الوجودية أن تؤكد واقع البشر (( الذي يفلت من المعرفة مؤقتاً )) بمفاهيم مأخوذة عن مثالية اليسار واليمين في وقت واحد ؟!

          بعد هذا الاتهام الخطير للماركسية والقطيعة معها يطلب سارتر ودها، في رياء مفضوح، كاتباً (( لا بد لنا أن نتفاهم: إنّ هذا التصلّب لا يعني هرماً طبيعياً. إنه ناتج عن ظرف عالمي ذي طابع خاص. فالماركسية بعيدة عن أن تكون قد نضب معينها .. إنها تبقى فلسفة عصرنا؛ لأنّ الظروف التي أنجبتها لم تُتجاوز بعد –  ص 49 من ذات المصدر )).

          ما الذي تبغي الوجودية إذن، التي يعتبرها سارتر أنطربولوجيا (( عِلم الوجود الإنساني، كما جاء في ترجمة السيد طرابيشي)) بنيوية وتاريخية (*) تسعى إلى دراسة العمليات المختلفة للصيرورة / الموضوع، والتي تعلن الاتفاق العميق مع الفلسفة الماركسية وتحافظ مؤقتاً على استقلال العقيدة الوجودية في آن معاً  ص  64

          يقرر سارتر أن هناك صدعاً خطيراً في الماركسية بسبب استبعادها السائل(أي الإنسان) من تنقيبها، وجعلها من المسؤول (الشيء) موضوع عِلم مطلق ( !! ). فالوجودية إذن، تسعى إلى إعادة الارتباط المفقود بين السائل والمسؤول لتعيد إدخال تفرد المغامرة الإنسانية في قلب العالم ذاته، وفي شمول المفاهيم. واستبعاد الإنسان من العِلم الماركسي، كما يرى سارتر، هو الذي سبب نهضة الفكر الوجودي خارج التوحيد الكلي التاريخي للعِلم. فالماركسية ستنحط إذن إلى ((أنطربولوجيا لا إنسانية إذا لم تدمج بها الإنسان نفسه كأساس لها – ص (270  .

          وعلى هذا يشير سارتر إلى أن العِلم الماركسي حين يتناول الإنسان المُستلب لا يجب أن يكتفي بوصف تطور الرأسمال أو نظام الاستعمار، بل ينبغي للسائل أن يفهم كيف يوجد استلابه، وكيف يتجاوزه ؟ فالوجودية إذن، حسب ما يرى سارتر ، تعيش على سلبية الماركسيين وفقر دم مذهبهم، الذي يؤسس عمله على ميتافيزيقيا دوغمائية مثل (( جدل الطبيعة )) – كذا .. !! –  بدل من أن يقيمه على تفهم الإنسان الحي.

بعد انساني

          وستتابع الوجودية أبحاثها إلى اليوم الذي سيتخذ فيه البحث الماركسي البُعد الإنساني )أي المشروع الوجودي)  أساساً للعِلم الأنطربولوجي، وستكف عن الحياة لتذوب في حركة الفلسفة التوحيدية الكلية … وهكذا يعتمد سارتر، في تخبطاته وتناقضاته الفكرية السالفة، على تشويه مُتعّمد للفلسفة والحركة الماركسية.

          فأولاً:  إنّ التصلب المزعوم  للماركسية لا يخول الماركسي المدعي، كسارتر مثلاً، البحث عن حلٍ لهذا التصلّب خارج أطار الفلسفة الماركسية ذاتها. بل على الماركسيين الصحيحين البحث عن الوسائل القمينة بجعل فلسفتهم تتطابق وتتماشى مع روح العصر والابتكارات العلمية على كافة الأصعدة المعرفية والعلمية والتكنولوجية والاقتصادية، وحتى الأمور الروحية والأخلاقية وشؤون الأدب والفن والثقافة العامة؛ باعتبارها فلسفة عامة جامعة تمثل مصالح العمال والفلاحين وكل الفئات الشعبية المُستغَلة، إضافة إلى مصالح الشعوب عامة في الحرية والاستقلال وتقرير المصير .. أليس كذلك ؟؟

وثانيّاً: قد تجاهل سارتر حقيقة موضوعية لا سبيل لإنكارها فمن لا يعمل لا يخطأ ، وسيصيبه هوس العظمة وجنون النزاهة والنقاء، في صورة عصمة دينية زائفة. فالتصحيح الذي ينشده سارتر، والدماء الجديدة التي يبتغيها، لا تتسرب إلى الماركسية إلاّ من خلال النضال الدائب بين صفوف البروليتاريا والفئات المظلومة من المجتمع، البروليتاريا طليعة الطبقات المُستغَلة؛ ومن خلال ربط النظرية بالممارسة العملية في وحدة جدلية مناضلة .. دون أن يعني هذا نكران الأخطاء الكثيرة التي مرت بها الأحزاب الطليعية وكذلك التجربة السوفيتية، وخاصة في المرحلة الستالينية، ومرحلة التآمر على وحدة واستمرارية ذلك الإتحاد.

ثالثاً:  إنّ سارتر يكذب على الحقيقة والتأريخ حين يعتقد إنّ العِلم الماركسي يستبعد الإنسان السائل. فالماركسية ما خلقت وجاءت إلا لتحرير الإنسان من جميع ضياعاته الفكرية والروحية والاقتصادية على حدٍ سواء؛ إذ أن الإنسان حسب تعبير ماركس (( هو أثمن رأس مال )). والماركسية هي الفلسفة الوحيدة التي أشارت إلى استلاب الإنسان –  بالمفهوم الواقعي – ووسائل تجاوز هذا الاستلاب بطرق علمية صحيحة.

رابعاً:  إنّ الوجودية لا تعيش على سلبية الماركسيين وفقر دم مذهبهم، كما يذهب إليه سارتر، بل على تناقضات الفكر البرجوازي في مرحلته الامبريالية. والماركسية لن تذيب في حركتها الشمولية عقيدة انتقائية، في بعض أفكار روادها ومفكريها مفاهيم استعمارية،  ترفض (( جدل الطبيعة )) وتسم الماركسية العلمية بالميتافيزيقية الدوغمائية، وتجهد لإظهار ماركس كوجودي أضاع أصالته وفلسفة شبابه العميقة الخصبة نتيجة تأثير ( أنجلز ) التدميري، كما توحي به سطور سارتر.

إنّ سارتر يدعو إلى نظرية جديدة للوعي والمعرفة يسميها ((مكروفيزيائيه ))، حيث أن النظرية المادية هي بمثابة نقطة الضعف الرئيسة من الفلسفة الماركسية. وهكذا فأنه ينكر، في كتابه ( المادية والثورة )، أن يكون العقل، ثم التفكير ذا طابع مادي، متجاهلاً حقيقة المقولة الماركسية حول العقل باعتباره مادة راقية التنظيم؛ وإنّ الفكر ليس مادة بحد ذاته، بل هو نتيجة لفعاليات فيزيولوجية في أعلى مراحل تلك المادة الراقية والعالية التنظيم.

فإذا لم يكن العقل مادة، والتفكير هو حصيلة فعاليات تلك المادة العالية التطور والتنظيم، والوعي هو الانعكاس الموضوعي لوقائع العالم الخارجي المادي، فما هو إذن ؟؟ هل هو الصورة المشوهة الرديئة لعالم المُثل الأفلاطوني أم الهيولي المحايدة كما اعتقد ( برتراند راسل )، أم هو تجلي الله ونفحته السماوية كما يظن الفلاسفة المثاليون؟!

مسألة اساسية

إنّ سارتر لا يستطيع الإجابة عن هذا السؤال؛ لأن هذه الإجابة ستفضح مثاليته وميتافيزيقيته الفلسفية، بقدر ما تحدد موقعه من المسألة الأساسية التي قسمت الفكر والمفكرين إلى مدرستين متناقضتين ؛ ولذا فهو يكتفي بالتشكيك في صحة المفهوم الماركسي، ويذكرنا بحقيقة أقرتها الماركسية – بل هي جوهر الديالكتيك الماركسي – تفيد بأن الانعكاس لا يمكن أن يكون بصورة ميكانيكية؛ لأن العقل البشري ليس صفحة بيضاء كما اعتقد الفيلسوفان ( هيوم + جون لوك ) بل فعالية راقية ومغيّرة .. إنّ هذا لتحصيل حاصل !!

خامساً: إنّ سارتر حين يَسخر، في نقده العقل الجدلي ومفهوم الانعكاس، من نظرة ماركس الموضوعية للطبيعة وما يقابلها (نظرية الانعكاس اللينيني القريب من الضبط الموضوعي)، معتبراً إنّ الموقفين متناقضان من جهة ويحذفان الذاتية من جهة أخرى؛ لأنّ تصور ماركس (( نظري خالص )) وتصور لينين (( مجرد سلبية ))، معتبراً إياهما مضادين للجدل، ويجدان جذورهما اللاعقلانية وغير الإنسانية في مفهوم (أنجلز) لديالكتيك الطبيعة .. – فإنه يعمل على إساءة فهم متعمد للماركسية، واعتبارها مجرد تطوير وتجديد لفلسفتيّ ( هيوم ولوك) في مفهوميّ المعرفة الحسية الساذجة والصفحة البيضاء، متغافلاً عن العلاقة الجدلية الصميمة بين العقل والطبيعة، بين العاكس والمعكوس، ودور كل منهما في التأثير على الآخر. وبهذا يقطع كل الجسور والسبل التي يمكن أن تؤدي به إلى التفاهم المزعوم مع الماركسية.

سادساً:  إنّ هذا البعد الإنساني الذي يشير إليه سارتر، ناصحاً الماركسية بأن يكون أساساً لعملها الأنطربولوجي، هو عودة إلى ما قبل الماركسية. عودة إلى المثالية الذاتية، كما هي عند المفكر الألماني (( فيخته )). وهو بذلك قد ناقض نفسه حين قال، في بداية كتابه المذكور سابقاً، إنّ أي تخطٍ مزعوم للماركسية ما هو إلا عودة إلى فلسفة سابقة على الماركسية.

فالفلسفة الماركسية لا تستبعد الذات الإنسانية والنشاط الإنساني، بل تُبعّد وتحارب الدعوة الذاتية الفردية المريضة التي تناقض العمل الثوري الجماعي، وتغلق الإنسان في عزلة حساسة مرضية، كما هي حال أغلب المفكرين الوجوديين ابتداءً من ( كيير كيغارد ) وانتهاءً بكامو، مع المرور بكل من هيدجر و << ياسبرز >> و ( برديائيف ) وجبريل مارسيل .. الخ.

إنّ البشر، من خلال النشاط الكلي والجماعي، يصنعون تاريخهم بأنفسهم ضمن حدود وضع مُعطى. وقد أدرك سارتر هذه الحقيقة العينية، ولمسها لمس اليد؛ ولذلك غيّر الكثير من مواقعه ومواقفه المذكورة آنفاً، وذلك في سنوات لاحقة.

     _( * ) تتجسد وتتأكد، في هذه العبارة، الروح الانتقائية  التعسفية للمذهب الوجودي؛ إذ يجهد سارتر للمزاوجة بين أنطلوجية ( كيير كيغارد ) التي تؤكد وحدوية الذات وعزلتها أو صبوتها نحو اللامتناهي، وتجاوزها لمعطيات العلم وشمول الماهية الموضوعي .. وبين تاريخية خالية من المجموع الإنساني ( !! ) ومنهج بنيوي حديث يدرس بناء وتركيب (( الشيء – موضوع الدراسة )) في حالته السكونية وبمعزلٍ عن علاقاته وتناقضاته، توسطاته، اتجاهاته .. الخ.