
جوهرتا مهرجان الهيئة العربية للمسرح العاشر في تونس
رائحة حرب في قلب بغداد
سعد عزيز عبد الصاحب
عبرت المشاركة العراقية في مهرجان الهيئة العربية للمسرح عن انعكاس اصيل للوقائع واليوميات العراقية عبر عرضي رائحة حرب وفي قلب بغداد لعماد محمد ومهند هادي على التوالي باليات فنية متعالية وفهم لجوهر المشكلات والعلل الاجتماعية والسياسية التي تمر بها بلادنا .. وما أخذ على العرضين في صفحات المجلة اليومية للمهرجان يعكس مدى الانسداد في افق العلاقة بين بعض المثقفين المسرحيين العرب وما يحصل في بلادنا من قدرة فريدة على الافصاح عن ما هو مسكوت عنه ومحرم من مشكلات بنيوية واسئلة كبرى وصغرى بشكل ديمقراطي حر على الصعيد الفني ..واحيانا ـ كما يعبر نيتشه ـ (لا يرغب الناس في سماع الحقيقة .. لانهم لا يريدون ان تتحطم اوهامهم ) فيشرعون في انتاج دلالات وتوصيفات مطلقة عن ان العرض العراقي هو عرض كاب تؤطره فكرة الموت ويحرث فيه عزرائيل باذرا بذاره لينبت بكائين ولطامين ودموع حرى وابطالا ناستالوجيين مرضى … وهذه الاراء للاسف تعزز فكرة الانقطاع التاريخي والسياسي والثقافي بين ما حصل ويحصل في بلادنا من وقائع مرة وحلوة وبين الذائقة الدوغمائية العربية التي لا ترى سوى لونا واحدا ولا تريد ان تنفتح على انواع والوان مسرحية تكمن فيها الحقيقة دامغة والبرهان اوسع من ان يحجب بغربال .. لتطل علينا المجلة اليومية للمهرجان وعلى غلافها الرئيسي بعنوان صادم يثير الاستغراب يفصح عن قريحة ملتاثة مغرقة بأدنى مستويات الاداء والمهنية الصحفية النبيلة : (رائحة حرب) تفاهة (الديجتال) ام مسرح بلا دم) عنوان ملتبس موارب لا يقيم وزنا للامانة النقدية وعلميتها في تدبيج العناوين التي هي عتبة وثريا للنص كما يشير (جاك دريدا). واستكمالا تبدأ المفارقة الكبرى في ان العنوان الانف لا نجده ماثلا في متن النص النقدي الذي خرج علينا به الناقد التونسي (حاتم التليلي محمودي) اذن العنوان قادم بفواعل النفس الامارة والروح التسقيطية التي ارادت ان تطيح اعلاميا بالعرض وتقلل من حظوظه في المنافسة ..
تقنية رقمية
وجاء متن المقال معبئا بمقولات (بودريار)و(اولاد احمد)و(ليوتار) التي لا تعبر عن اي مستوى فكري وجمالي له تماس بعرض مسرحية (رائحة حرب) وحتى نقد الناقد للتقنية الرقمية في العرض بوصفها قد حيدت الانسان وانها لم تشكل اية اضافة تذكر لجماليات الخشبة .. نقول ان الانصهار والمزج الذكي بين فعل الممثل والتقنية الرقمية وصهرها في بودقة واحدة من قبل المخرج عماد محمد حال دون الفصل بين الوسيطين السينمائي والمسرحي في لحظة العرض وهذا مالم يكتشفه الناقد الغيور بل ان فعل الممثل كان يكمل عمله مع الشاشة وبالعكس مولدا فضاءا مسرحيا موحدا بتغايرات مستمرة .. يقول (محمودي) في موضع اخر: (ان الجنرال القاتل الضحوك رجل لا يمكن ان يطاق بأطلاق على مستوى انساني نتيجة شغفه بالدم ، يباغتنا بشكل مفاجئ ليجعل من سرديته الدينية ترحل نحو افق مغاير اذ كثيرا ما يخترق حقائقها اليقينية ليرحل الى نوع من التجلي الصوفي ….!) هنا يفصح العرض عن القناع الذي يلبسه الجنرال ولم يفك طلسمه الناقد الحصيف ـ والى التباس جديد من التباسات السلطة في الحياة العربية فحواه ان الشكل الديني سلفيا كان ام صوفيا يمثل احدى حالات التنكر واللبوس الذي يتبدى به الدكتاتور في حالات هلعه من الاخر او لتقوية طرف او تيار على حساب اخر فيتمسك بالعقائدي لاغراض سياسية وهذا ما حصل في عنوان (الحملة الايمانية) التي خرج بها علينا النظام المقبور في نهاية عهده .. ان العرض المسرحي وعملية تفكيكه نقديا لا يمكن ان تختصر بهذه الطريقة في ان يتم اخذ عنصر واحد من العرض ونسج معظم سجادتنا النقدية من خلاله انما هي عملية متداخلة مركبة تتداخل فيها العناصر ومركباتها ليتم خلطها في دورق واحد مجتمعة .. فأين النص الدرامي وتجلياته خصوصا وهو المقتبس من متن سردي ـ رواية التبس الامر على اللقلق للفلسطيني اكرم مسلم ـ مؤلف من قبل مؤلفين مثال غازي ويوسف بحري ، واين تجليات الاداء التمثيلي التي ادار لها ظهره الناقد (محمودي) وظل ينوع على (سلبيات) التقنية الرقمية وكأنها وحدها التي كانت على الخشبة ولم يغره الاداء التمثيلي المميز للمقتدر عزيز خيون في اداءه لدور الجنرال المتقاعد او المتجددة (عواطف نعيم ) في اداءها لدور (الجدة) بشجن عراقي شفيف وتمظهرات (اللقلق) الذي اداه بتميز (يحيى ابراهيم) في واحد من افضل ادواره …ويكتب الناقد التونسي (وليد احمد الفرشيشي) بعنوان صبغ باللون الاحمر القان:( مسرحية في قلب بغداد … الموت يحدث مصادفة ولا يحتاج الى اذن …!) ويردف (في قلب بغداد لم تخرج عن خط الموت بل تعيدنا الى دائرة المتشابه وكأن الموت اصبح (نشرة عاطفية ) لدى المثقف والفنان العراقي في العقد الاخير ..) هكذا وبكل لا مبالاة وتهميش لجهد المسرحي العراقي في عكسه لمشكلات وعلل بلاده من ارهاب دموي وطمس للهوية الوطنية والتراث الرافديني ضارب الجذور .. هكذا وبكل انواع البرود النقدي يصبح الدم العراقي والحكاية التراجيدية المحلية عندما يروم الفنان مسرحتها (نشرة عاطفية) .. يا للمهزلة .. نحن ياسيدي لا نأتي بالموت وثيمه لاجل الموت بل لتمسكنا بالحياة .. فقد ذهب (مهند هادي) في نصه التراجيكوميدي المتفرد الى العالم الاخر بمرآة الوقائع اليومية الساخنة لانه يؤمن بالحياة ويحتج على الموت المجاني الذي ساق ابطال مسرحيته الى اتونه ، انه خطاب احتجاجي تحريضي صارخ ضد الموت القادم من الحدود ..وليس نشرة دعائية عاطفية كما يعبر كاتب المقال ..
نبرة فاقعة
في العرض نبرة فاقعة من الكوميديا السوداء جعلتنا نضحك وننقلب على ظهورنا من(شر البلية مايضحك) برؤية بصرية بالغة الفطنة نفذت مخططها المونتاجي بأسلوب (سلايدات) الشريط السينمائي المتنافذ والمتنوع اللقطات من هنا استطاع العرض ان يكسر حجب الموت وصمته لتدب الحياة في صالة الجمهور ضحكا وتصفيقا ودمعا .. وياللغرابة وكأن الحديث عن الوقائع العراقية هو حديث عن مادة محظورة او مارد ابدي عليه ان يظل حبيسا في قمقمه مدى الدهر لا يجرؤ على تحريكه احد ، ان خطورة هذا النوع من المقالات يكمن في رد التجارب المسرحية العراقية الى نوع وشكل ومضمون واحد وجعلها متشابهة مستنسخة باطلاقية غريبة لانها تتنفس اليومي والمتحرك بوصفها شاهدا على ما جرى ويجري برؤى تنفتح على السخرية والغروتسك والكثافة العاطفية والخطاب الملحمي المسكون بالعقل والعاطفة .



















