
ما يضيئه الظلام ويطفئه الضوء لحمدان طاهر المالكي
شعرية تجاذب الأضداد
احمد الشيخاوي
إنّ الخلفية العامة التي تسبح في خضمّها أجدد مجاميع الشاعر العراقي حمدان طاهر المالكي، نظام نور/ظلام بما الإشكالية صراع وجود تحاول عبره ومن خلاله ذات المبدع رسم صيرورة مشرعة على تحديات جمّة في المراوحة ما بين بعدين إنسانين ينزعان صوب أدلجة أو أسطرة بؤر الإثارة في اليومي القابل لصياغات تضمن له الخلود والرسوخ في سجلّ الكونية.
دفع بالتجربة صوب الأفضل على أنقاض تفاصيل حياتية منهكة ومستميتة إزاء زحف البهيمية الآدمية وما تسعى إليه من خراب آخذ في التفاقم على نحو هستيري طامس للهوية الإنسانية ومهدد للوجود إجمالا.
فخاخ الكمون
ما بين نقطة مطفأة وأخرى تشعّ نورا ،تنسج قصائد حمدان خطوها عاملة على تثوير واستفزاز فخاخ الكمون فينا، تبعا لتراتيل الصوت الخفي المدغدغ،المانح لذة القشعريرة بل الرعشة حتى يكون التوصيف ألطف، والسخي بتجليات الولادة الثانية داخل تخوم أبشع صور الدّمار والموت.
إذ الكتابة، لا يمكنها أن تحمل رياح التغيير، دونما توقيع برامج القصدية القادرة على الهدم والفوضوية بغرض البعث والبناء وإعادة الترتيب، إنها ثقافة فوقية لا تستلهم إلاّ من رؤى عمالقة الأدب في مقاربتهم السير ذاتية للواقع والحياة، ولا تُستنبت إلاّ من معالجاتهم العميقة المشدودة إلى إنسانية الكائن وقيمة عناصر الطبيعة والأشياء كنواة للخيرية والتوازن والارتقاء.
ثقافة قلب المعايير المجتمعية البالية والقشيبة هذه، هي التي بمقدورها تغطية العراء الممتد ما بين الروح ومراياها من جهة ، والذات في طقوسيات اغتنامها لفرص تدارك ما قد تتجاوزنا به العالمية في تسارع رحاها الطاحنة والمتقمّصة على الدوام، لمكامن عجزنا وعوزنا وافتقارنا إلى الكمال والطاقة المثالية كبشر.
[ أنا قديم جدّا
لا أعرف متى بدأت,
سمعت حواء
تقول لآدم
كُلْ يا رفيقي
لننعم بالخلود.].
الذاتية في انخطافها الصوري
لا يقيم شاعرنا في الصورة طويلا، حدّ الرتابة والملل، إذا سرعان ما تنزلق سيرته وخفت صوته الوامض ،وتنقشع أنويته، انسحابا أنيقا ودمثا من الصورة الثرية بحمولات حياتية وإن لم تبرح مربض الحكي النرجسي المثقل بتفاصيل التجربة الشخصية ، يصدق عليها القول بأنها لامّة ومستنفرة لحياتية مشتركة ووجع وجودي. بحيث لا تفضل سوى البياضات المترعة بامتدادات وعري الذات. وهي مقامرة حاصلة في نصوص من الوفرة بمكان، على سبيل المثال لا الحصر، صعود،الشذرة التي تربطنا بجذر قضيتنا الوجودية ،وتنقر قلوبنا بغواية الأصل ،نجن كفصية ما تفتأ تنشدّ إلى مشهدية القداسة، ننحني طواعية ونسلّم بالفطرة والناموس الأزلي: رباط الكمال والمثالية بين النوعين وكيفة خلخلة الذاكرة ، وفق عرض بطيء يبثّ أبرز محطات ذلكم الانزلاق الطفيف والمتواطئ مع إمكانية أو تأهيلنا المسبق واستعدادنا الفزيولوجي لتقبل بضع هفوات ،كما تنقشها تاريخانية إيقاظ جوانب الضعف فينا تمكينا لوقوعنا في الخطيئة، إنه ضلوع الفاكهة المحرمة هاهنا، بما المناخ في النهاية لبوس من رمزية فاضحة لعجزنا الوجودي.
وأيضا نص ” دفعت حياتي بعيدا” والذي يصور لنا موتا من طراز آخر، من حيث هيمنته وانقلابه إلى عدوى دوارة كأنها تضع آخر ملامح انقراض النسل.
وفي قصيدة ” ركضت طويلا” بحيث نعيش جنائزية اللحظة الشاهدة على تسرّب يد الرّدى إلى الظلال البشرية الهاربة والأحلام حتّى.
ذاكرة الرموز
تفرض سياقات إقحام الرموز في منجز شاعرنا،غائيتها وعلو كعبها الجمالي، كونها تأتي متلاقحة ومتداخلة وبلا حواشي أو ضفاف بحيث تذوب بينها علامات الديني والايديلوجي والوجداني حتى، كي تستقرّ داخل الفلك الإنساني وتسري في شرايينه مقصية جدلية الذات والزمن ،ومترنّمة بسرمدية الصلاحية والدمغات العابرة لاشتراطات الآني في تخطّيه إلى الوجودي واللانهائي واللامحدود.
وبخاصة على حزام جرد أخطاء راهننا الملغوم بشهوة الفتك وعبثية ومجانية الموت.
خطوط سير ذاتية مسعفة في دندنة مأساة وفجيعة القرن، لا تتلاقى إلاّ لتحدث زلزالا يوم تنويمنا قدر المستطاع وملء أعين كشف عورها مدى تجاهلنا لتدفق الأحداث التي ليست في صالح لا الإنسان ولا العالم.هو خدر ترغبه منّا قصيدة حمدان، تعقبه يقظة واعية، مثلما يمليها قلب مفتوح وبصيرة عادلة، علينا ألاّ نتغابى أو نتقاعس في الاتكاء على جوهريتها ونحن نحلم بتباشير فجر نعاود فيه لملمة إنسانيتنا وترتيب هويتنا المتناثرة أشلاء.
فلنتملّى كأنضح ما تكون الذات بكأس المرارة في واقع البهيمية والاضطراب.. إإلى هذا الحدّ أضحى القتل ديدنا مقبولا؟ لا يخيف ولا يرعب، مرحّبا به في كل بيت .
هي حمّى الفجيعة ما تلبث تلبس كامل الجسد العربي المتغنّي بقشور اللحظي وفقاعات وزبد الغيرية.
سياحة إبداعية لا تناغي أدهاننا إلاّ بالاحتكاك مع تمظهرات الموت الأسطوري الذي تشتعل به صفحات جيل ممزّق الهوية ، ومبرقع بندوب غدر الزمان.
والحمولات الدلالية المتدلية بهكذا قطوف نابض بلب ما أسلفت كثير وطؤها ووقعها على نفسية المتلقي ،وهو يغوص في خبء الأضمومة الوارفة بتهويماتها ومراوغاتها المسايرة لشعرية تجاذب الأضداد والاغراق بالمفارقات الصارخة الوقف على المختزل في نظام نور/ ظلام تماما مثل الوارد في الأسطر المتضمذنة لما فذلكنا له، ومن قبيل ما نستحضر ها هنا جملة من قصائد مهداة إلى أسماء ومعادن أثّرت في شاعرنا وغذت مخياله، فمال إلى الاحتفاء بها تبعا لخطاب إستطيقي مائز،يصون الذاكرة خارج حدود الزمن الذي ليس يعترف أو يغترف من عدا النبع الإنساني الشافي والوافي على مرّ تعاقب وتواتر الأجيال .
مثل ” أنا ريشة” الرامية بحظوظ النرد العبوس في مصائب وخطوب الحياة، شعرية ترتبط بكلمة الحظ التي تركها الإله المتجسّد في بشريتنا المفقوءة بزلاّت غير متوقّعة قد لا تعادل الخطيئة الآدمية الأولى:
[أنا ريشة
تركها طائر ومضى,
لا الطائر يتذكرني
لأعود إليه
لا أنا أهبط
فأستريح.].
ونصوص : حذر، الوصول إلى الله، وصية الغريق، إلخ…
خطاب قِناعي يحتفي بالعزلة والاغتراب
فيما يتزمّل سائر ما فضل من قصائد، تقريبا ، ويندرج في قوالب اللعبة الهذيانبة التي تحاول تبرير فعل الكتابة والإبداع بشكل أوسع، في زمن زئير الموت ،وصولة آلهة الخراب.
عزلة واغتراب إبداعيين ، تزدان بهما الذات إكراها لا بطولة، مبدية تحت لوائهما، انشغالاتها بهموم تبصم شخصية جيل بأكمله، وتحاول أن توثق لمرحلة برمّتها، تأمّما لشتى ما قد يثمر ما هو إيجابيا وغير منقزص تجاه الآخر وكل ما في الكون من عناصر لا يحدث تصالح واتزان عالمي بدونها.
[أفكرُّ كثيرًا في المقبرةِ
لا أعرفُ لماذا
هل هي صورةُ أخي
التي تطلُّ كلَّ يومٍ عليَّ
من جدارِ الغرفةِ ,
هل هي صرخةُ المرأة
حينَ وجدتُ يدَ البقّالِ .
على اليدِ كانتْ
رائحةُ البرتقالِ والدّمِ تتعانقانِ ,
فكّرتُ في يدِ البقّالِ
بالأمسِ أرجعتْ إليّ
ما تبقّى من النّقودِ
لكنّها الآنَ مفتوحةٌ
مثلَ بئرٍ مهجورةٍ ,
أفكّرُ كثيرًا في السّوقِ
لكنّ يدَ البقّالِ
تشيرُ إلى المقبرة..].
وفي الحقيقة هو منجز أنسنة لدوالي الذات،قلّما أفلح في بلورته شعرنا الحداثوي، وحتّى الزوائد هاهنا تحضى بشرف كهذه مقاربات تنمّ عن وعي ونضج ودربة ومراس في الكتابة المنجذبة إلى حقول الاستثنائي والمغاير والمختلف والمنكفئ على مغامرات التجريبية وتبني أدبيات تضع القصيدة فوق الحياة والأشكال والحدود الأجناسية الضيقة.



















