حوار مع الشاعر والناقد علي شبيب ورد :التجريب النهج الأمثل للتواؤم مع عصر التحولات

حوار مع الشاعر والناقد علي شبيب ورد :التجريب النهج الأمثل للتواؤم مع عصر التحولات

أحمد ثامر جهاد

يرى الشاعر والناقد علي شبيب ورد ان فعلَ الكتابة عموما والشعر تحديداً، لا تعد ممارسة لهوايةٍ ساذجة، ربما يكون هذا في البدايات الأولى لكل كاتب. غير انه يتحول مع مرور الزمن الى مشروع ابداعي، والمشروع مسؤولية، تتطلب من المنتج تحسّبا قبل الشروع في أي فعلٍ كتابي، من هنا على الشاعر أن يكتسب مهارات أخرى تمنح مشروعه الشعري رحابة مشغل وجرأة انزياح وحسنَ تطلّع، وبهذه الفكرة التجأ (الورد) الى كتابات نقدية للمنجز الشعري العراقي والعربي. وعن النتاج الشعري، وهموم المثقف العراقي..

كان لنا هذا الحوار مع (الشاعر علي شبيب ورد) في متن نص المقابلة الاتية:

ثوابت ومحددات

{ عرفتك الأوساط الثقافية العراقية شاعراً، لكنك تواصل من جانب آخر كتاباتك النقدية للمنجز الشعري، هل تجد ان الشعر والنقد ممارستين إبداعيتين متوافقتين؟

– إن ممارستنا للشعر لا تنطلق من ثوابت أو محددات ما، بل من قلق متواصل مبعثه الظن، هذا الفعل الإنساني السحري، المفضي للاكتشاف. وعلى هذا فنحن نراه ممارسة إنسانية للتحرر من قيود الفائت على المستويين الوجودي والإبداعي. ومبدأ الظن يستبطن أسئلة عن كنه الوجود المحصور بين لغزي الولادة والفناء، والعمل الإبداعي- ومنه الشعر- هو سعي أبدي للإجابة عن تلك الأسئلة.

وطالما أن العالم من حولنا في تغير مستمر، لذا تتغير الأسئلة، وبدورها تتغير حتما محاولاتنا للإجابة عنها. وعليه ليس من المعقول أن تعمل دهشتنا بالمنجز الفائت،على تعطيل محاولاتنا للاكتشاف، وهي مهمتنا التي تؤدي حتما الى تحريض محاولات القادمين. ولأن الكتابة الشعرية تتضمن محاولات اكتشاف متواصلة في مشغل الشاعر، فهي بحاجة الى متابعة لتجارب مشاغل الآخرين. إن التنقيب في المشاغل الشعرية المحاذية يوفر للشاعر فرصة إجراء مقاربة بين مشغله ومشاغل غيره، كي يبتعد قدر الإمكان عن التشابه. كما أن كتابة قصيدة ليس بالأمر اليسير، ربما تمر عليك مدة طويلة نسبياً لا تتمكن خلالها من كتابة قصيدة. وعليه ليس من المناسب أن تنتظر لحظة الإمساك بقصيدة، لذا ومن أجل المران الكتابي، لابدّ من القراءة أو الكتابة في مجالات أخرى ومنها النقد. وأنا أمارس الكتابة النقدية في حقلي الأدب والفن، ولي مشروع نقدي رؤيوي واجرائي، أسميته (كولاج تأويل) وتتضح ملامحه في كتابي النقدي الذي يحمل هذا المسمى.

{ هل تعتقد ان الممارسة النقدية بمنهجياتها وكشوفاتها تخدم مشروعك الشعري وتتوافق معك؟

– لا أعدّ فعلَ الكتابة عموما، والشعر تحديداً، ممارسة لهوايةٍ ساذجة، ربما يكون هذا في البدايات الأولى لكل كاتب. غير انه يتحول مع مرور الزمن الى مشروع إبداعي، والمشروع مسؤولية، تتطلب من المنتج تحسّبا قبل الشروع في أي فعلٍ كتابي. من هنا أجد على الشاعر أن يكتسب مهارات أخرى تمنح مشروعه الشعري رحابة مشغل وجرأة انزياح وحسنَ تطلّع. ولعل ممارسة الشاعر للكتابة في حقول أخرى،تفتح أمامه آفاقاً أرحب لولوج مناطق اشتغال أكثر وعورة، تضيف لمشروعه متانة ورفعة. والممارسة النقدية بكل متطلباتها، بقدر ما تضيف للمشروع الشعري مكتسبات مهارة، فإنها في الوقت ذاته، تقدم إضافات محتملة للمشهد الشعري عموما. كونها تكتنز على كشوفات منجز صادرة عن خبرة تجريب ميداني في الحقل الشعري، مما يكسبها سمة المصداقية.

 من جانب آخر، العمل النقدي، ليس بالممارسة السهلة، كونه يستدعي توفر الناقد على قدر من الثقافة يمكنه من التعامل مع المنجز المفحوص(النص) بكفاءة متوخاة. لأن النص ينطوي على شبكة إحالات وبشتى المستويات،تحتم على الناقد استحضار خزينه المعرفي لمتابعة مسارب الإحالة التناصّية، لإنتاج شبكة نصوص ما بعد القراءة. والخزين المعرفي لا يجدي نفعاً، ما لم يتوفر الناقد على لغة نقدية مكتسبة عبر المران ومعززة برؤية منهجية ثاقبة. لهذا فليس كل مبدع في حقل ما، يمكن أن يكون ناقداً، فالنقد عمل صعب يتطلب فطنةً وحسن قراءة وتدبّر، لأنه يتحرك على أرضٍ رملية. وذلك لسرعة التحولات في المنجز الإبداعي الذي تطأه كل يوم بل كل لحظة ولادات جديدة بفعل جدلية النقض التي لا تعرف التوقف.

{ بعض النقاد يذهبون إلى ان الثقافة العراقية قد توقفت منذ سنوات عن إنتاج شعراء كبار، رغم غزارة إنتاجها الشعري؟

– القراءة الواعية والمحايدة لذاكرة الثقافة العراقية، تكشف لنا بجلاء، عن آليات تشكل هذه الذاكرة وسبل توريثها عبر العصور. فهي ذاكرة أنتجتها وفرضتها قسراً، ثم كرّست خطابها الصارم، قمة الهرم الاجتماعي التي تمسك بزمام شبكة الانصياع والولاء للفرد. هذا الفرد المهيمن على ما هو ديني ودنيوي في المجتمع، تمكن من شرعنة وترسيخ أيديولوجيا الاستبداد، بشتى مؤسساتها الموجهة. ومن أهم ملامح هذه الذاكرة أنها دونت بأمر الحاكم المستبد، لتتغنى بمجده الشخصي، الذي شيد على جثث الشعب المسحوق.

لقد اثبت تاريخ الشرق الشفاهي والمدون، هذا الأمر، منذ أولى الحضارات وحتى الآن، ولنقرأ ما كتبه(الشاعر الكبير) الأول، وبرعاية الكاهن الأعظم، عن الملك السومري كلكامش(هو الذي رأى كل شيء فغنى بذكره يا بلادي/ وهو الذي عرف جميع الأشياء، وأفاد من عبرها/ وهو الحكيم العارف بكل شيء/ لقد أبصر الأسرار، وكشف عن الخفايا المكتومة/ وجاء بأنباء ما قبل الطوفان..).

وتواصلت وظيفة (الشاعر الكبير) القريب من البلاط، وتنوعت ألقابه، وغيبت ايديولوجيا الاستبداد، حشوداً من الشعراء. غير أن التحولات الاجتماعية والشعرية أنهت هذه الوظيفة، وحتى إن وجدت في المجتمعات المعاصرة، فان المؤسسة الثقافية المركزية، لم يعد بامكانها الهيمنة على كل المشهد الشعري. الذي تعددت مشاغله وتعالت أصوات ممثليه وتنوعت أماكن حراكه، وخصوصا بعد ظهور قصيدة النثر التي خلصت الشاعر من تلك الوظيفة المشينة. وبهذا قل تأثير ثقافة السلطة المركزية، نتيجة منافستها بل مضاهاتها أحيانا،من قبل ثقافة المجتمع المدني، والتي زاد من نموها اقتصاد المتعة. كما أن اقتصاد السوق، ومجتمع الخصخصة، حجّمَ ليس من دور الشاعر فحسب، بل من دور الأدب عموما. فما عاد طقس التلقي التقليدي مجديا في مجتمع الصورة والثورة المعلوماتية، لأن وسائل الاتصال الحديثة لعبت دوراً خطيرا في تشتيت مجتمع التلقي.

{ هناك من يعتقد بموت الشعر، وانه أضر بالثقافة العراقية؟

–  الثقافة العربية عموما، والعراقية تحديدا، شكلتها تقاليد وقيم مجتمع القبيلة التي يخضع الجميع لخطابها الصارم المؤسَّسِ على مركزية طوطمية. والتي تهوّل من قبضة رأس القبيلة على جميع أفرادها، وتعزّز من سلطته الأبوية،وهو يدفع بها نحو سلسلة غزوات طاحنة. هذا الخطاب تنتجه منظومة ثقافية جوهرها العنف، ويقف في مقدمتها شاعر القبيلة الذي يثير الحماس وفق تقنينات مفاهيمية تقليدية مُدَجِّنة للرعية. فهذا شاعر المعلقات(عمرو بن كلثوم) يفتخر بالقتل:

(كَـأَنَّا وَالسُّـيُوْفُ مُسَلَّـلاَت         وَلَـدْنَا النَّـاسَ طُرّاً أَجْمَعِيْنَـا

يُدَهْدِهنَ الرُّؤُوسِ كَمَا تُدَهْـدَي    حَـزَاوِرَةٌ بِأَبطَحِـهَا الكُرِيْنَـا)

ولأن الشعر أسرع وأكثر تأثيرا في المتلقي، لذا نجد انتشاره وهيمنته على باقي الأجناس الأدبية، المكونة للثقافة العراقية. أما فقر الثقافة المعرفي والنقدي، فسببه تبعية الثقافة لموجهات مركزية منحدرة من رأس السلطة. تلك القامعة لحرية الرأي والتفكير والتأويل، والمتقنعة بلبوس شتى، لتمثيل دور الراعي للشرائع السماوية والأرضية. فالملك أو الرئيس، هو قائد الحملة الإيمانية والحربية والتربوية والثقافية والعلمية والتقنية والصحية وسواها من الأساليب الخادعة والمانعة لأية محاولة معرفية لقراءة الفائت.

ناطحات الخراب

{ انشغالك الملحوظ بالتجريب في شكل القصيدة، هل يمكن اعتباره تمردا على تقاليد قصيدة النثر؟

– التجريب هو نهج عصر التحولات العلمية والمعرفية، بمعنى عصر المتغيرات وعدم الاستقرار، وليس عصر الركون للقوالب والمحددات والثوابت. هذا العصر الاستهلاكي، المتسارع في عرض وتسويق مكتشفاته التقنية والمعلوماتية،لا يمكن أن تتواءم معه تجربة ما على طول الخط. وفق منطق العصر هذا،علينا أن نعيد النظر في تقنينات وضوابط مفاهيمنا الأدبية،والتي أنتجتها عصور ما قبل الهزات والصدمات العلمية والمعرفية. من هنا أجد في التجريب النهج الأمثل للتواؤم مع عصر التحولات، وفي مشغل التجريب تنصهر كل الأساليب الكتابية، ومنه يخرج النص، حاملا أسلوبه العصي على التقنين، بوصفه وليد زمن كتابته، وغير خاضعٍ لوصايا وتعاليم الأولين، النص الذي يأخذ من الشعر جوهره وتوتره، ومن النثر مرونته، لينبني وفق اشتراطات زمن انتاجه، ومدى فاعلية محرضات الشروع بانجازه.

ما يميز قصيدة النثر هو قابليتها على التطور مع الزمن، لأن سماتها الداخلية والخارجية، ليست قوانين ممنوعة من الخرق. لهذا كانت مشروعا لتجارب شعرية شتى، تقاطعت تماما مع قصيدة التفعيلة، وخاصة بعد النص المفتوح وما تلاه من تجارب.

أنا أكتب(قصيدة النثر الحرة) غير المنضبطة لناموس ما، المنصرفة لمغامرات صغيرة متنوعة المستويات، والحاضنة لتناقضات شكلية وايقاعية ودلالية. قصيدة شكلها يجمع الوسامة والدمامة، إيقاعها ينتظم ويرتبك، دلالاتها واضحة وغامضة، لا تعبأ بثوابت جعبة الذائقة، ولا تنتمي لسياق بعينه، سوى أنها من بنات قصيدة النثر.

{ في مجموعتك الشعرية”ناطحات الخراب” ثمة خروج ملحوظ عن فكرة النسق الشعري، هل نحن إزاء بنية نصية مغايرة أم تجميع نصي؟

– قصائد(ناطحات الخراب) تسلسلت وفق زمن انجازها، بيد أني استحسنت نسقها التتابعي المتفاوت، لأنه وفر محطات استراحة للمتلقي. غير أنه كشف وعورة تضاريس مشغلي الشعري، كما أنه فضح قلقي وارتباكي، وأنا أواجه عالما تتبارى فيه مؤسسات قامعة ومنتجة للخراب. من الطبيعي أن يكون النسق التتابعي لقصائد الكتاب مرتبكا ومضطربا، لا سيما أنه أنجز بتأثير محيط يمور بكوارث مدمرة للأمكنة ومربكة للحيوات ومحطمة للجمال ومغيبة للآمال. إن وعورة تضاريس الكتاب، تتساوق ووعورة تضاريس وجودٍ مشوه بفعل صراع مرير بين ارادات مهولة تبتكر الكوارث. وبهذا فالنسق الماثل في الكتاب، هو تمرد مفضوح على المفترض والمعقول بل ويتقاطع مع أية وصية فائتة، ولا أراه نسقاً بريئاً قط.

{ كيف ترى المشهد الشعري العراقي اليوم، شعراء الداخل، شعراء المنفى؟

– المشهد الشعري العراقي الآن، مازال محكوما بجملة مؤثرات، منها ما هو متأتٍ من خارج المشهد الثقافي، أي الراهن العراقي العام. حيث هيمنة الخطاب الحزبي غير البنّاء، وغياب الخطاب السياسي البنّاء. ومنها ماهو من داخل المشهد الثقافي، الذي يهيمن فيه الخطاب الاستهلاكي غير المنتج، على حساب الخطاب المعرفي المنتج. ويمكن لنا ان نتلمس تحولا جوهريا في المناخ العام للمشهد الشعري العراقي الآن، يتمثل في إمكانية ظهور تحولات اشتغالية، في بنية القصيدة على المستويين العلامي والدلالي.

ورغم توطد العلاقة الاتصالية بين الذائقة وتيار(قصيدة التفعيلة) بأنواعها المعروفة، إلاّ أن تيار(قصيدة النثر) وتحولاتها اللاحقة، توفرت له نوافذ اتصالية منتجة في ردم الهوة بينه وبين الذائقة. كما أن انهيار المؤسسة الشمولية المركزية، وزع الذائقة على بؤر اتصالية شتى، وهذا قلل بدوره من هيمنة شعراء المركز على حصة الأسد، وفتح آفاقاً جديدة أمام تجارب شعراء الأقاصي للمثول أمام الذائقة. بالإضافة الى ما توفر للمشهد عموما من فضاءات انفتاح على تجارب العالم، بفضل تقنيات الاتصال المرئية والأثيرية والرقمية. وفضاءات الانفتاح هذه وفرت فرصة كبيرة لتلاقح تجارب شعراء المشهد العراقي في الداخل والخارج. والمستقبل حتما سيطرد الكثير من الاوهام في تصورات الجانبين (الداخل والخارج) حول بعضهما، كيما يتآلفا إبداعيا ويستعيد المشهد حينها عافيته المتوخاة، بعيدا عن المزايدات الآتية من خارج المشهد.