رواية أسرار المعطف الأبيض

رواية أسرار المعطف الأبيض

حضور أصبع الأمل الذهبي برغم الأوجاع

وجدان عبدالعزيز

عاشت الكاتبة الدكتورة حنان المسعودي صراعا حقيقيا في روايتها (اسرار المعطف الابيض)، بين ذاتها كطبيبة، عاشت الوسط وتلمست كل اسراره، وبين الارشيف الذي تركته اختها العاملة بنفس المجال، وكانت من الذكاء بمكان، ان عاشت مع الارشيف مبتعدة قليلا عن ذاتها، بحيث حركت خيوطه باتجاه كشف بعض الخفايا، ونصبت نفسها كمراقب للاحداث وفي فترة عراقية صعبة جدا من الحصار الاقتصادي، والسلطة الدكتاتورية المهووسة في انتصارات قومية مزعومة على حساب المواطن المغلوب على امره، وفتحت خزينة اسرار ارشيف اختها الطبيبة المتوفاة بلغة غاية في الاناقة والاختيار، حملت الكثير من التشويق والدهشة، ورغم انها تكتب رواية وقد يتسطح الكلام افقيا للتعبير عن الاحداث المتشعبة، الا ان الكاتبة وهذه حقيقة كانت بالمرصاد، بحيث قدمت لوحة من الاحداث تلونت بمشاهد ليس لها احصاء .. فالرواية فنٌ نثري أدبي جميل، تقومُ على طرح قضايا أخلاقية واجتماعية مختلفة بهدف معالجتها أو محاولة البحث فيها، وكذا هي قصة خيالية نثرية طويلة تستمد وقائعها من الواقع، أوالخيال والواقع معاً، وتشمل صورا للحياة بكاملها وتستغرق جلسات طوال دون أي تحديد، وكانت مهنة الطب محور الرواية ، تقول الرواية : (الطب ليس رداءا ابيض وحسب، انما علاقات انسانية متوترة، تكون فيها انت اللولب المحرك، وعليك تحويل مسار الاحداث بما يضمن صحة وسلامة مريضك، لانك بكل بساطة تتعامل مع الجنس البشري وهو في اضعف حالاته، حالة الالم المبرح، اليأس او الخوف، ونموذج كهذا يكون هشا جدا وقابلا للعطب وبامكان نظرة منك ان تتلاعب بمشاعره وحتى صحته الجسمانية …)، هذا النص رسم لنا اعباء مهنة الطب وشخصها مما جعل هذا مرتكزا لمسارات احداث الرواية، بحيث اخذت مسارين : الاول الوجع الجسدي المتمثل بردهات المرضى، والثاني الوجع النفسي المتمثل بالطبيبة الراوية والمروي عنها .. ثم تتسع الاحداث وتتشعب في (13) فصلا، بين الراوي /الكاتبة، وبين المروي عنها/صاحبة الارشيف، وهنا نجد ان الكاتبة حنان المسعودي، قد انحازت تماما الى أرشفة يوميات الإنسان بمختلف مستوياته الاجتماعية أو الفكرية وصولاً إلى تفاوت مستوى الفجيعة بشكل روائي متقن جدير بالقراءة والتأمل، ناقلة تجربة انسانية ليست بالعابرة، انما جاءت بوعي قصدي تماما، حيث استطاعت الكاتبة من خلال لغة الكشف الجريئة اظهار بعض الخفايا ضمن مسار مهنة الطب وعوالمها الانسانية وما يكتنفها، حالها حال المهن الاخرى .. تقول الكاتبة في الفصل الاول من روايتها : (لم اكن ادرك مدى انتشار الوساطات والمحسوبيات في العراق خلال تسعينيات القرن الماضي ولاازعم ان واقعنا الحالي بافضل حال … سابقا كنا فئتين فقط مع او ضد القائد ..فئة تمتلك وساطة واخرى لاتمتلكها واليوم اصبحنا مائة فئة .. تمتلك تسعة وتسعون منها الوساطات وواحدة فقط لاتمتلكها، ولشدة استغرابي فقد كنا نحن من لا نمتلكها في الحالتين .. لماذا؟)،

لغة سلسة

فهنا مست الواقع وقبل ان تسهب زرعت تساؤل، ثم راحت تتابع احداث الارشيف، وبلغة سلسة منسابة مازجة بين الحوادث الواقعية وبعضا من خيال خصب باثة تلك الحوادث عبر هذه اللغة، بين الرفض والقبول، واقع الحصار الاقتصادي في التسعينيات، وواقع تخبط الدكتاتور انذاك، حتى انه قام بحملته الايمانية، التي انتجت سلبيات افرزتها رواية (اسرار المعطف الابيض)، وهناك سلبيات جاءت تالية لها .. وما ادراك ما الحصار الاقتصادي .. تقول الرواية : (فبسبب الحصار كانت المستشفيات عبارة عن جدران مليئة بالشقوق)، ثم تقول : (اتذكر انني كلما اقتربت للمس احد المرضى ـ خاصة لوكان الفحص للصدر او البطن ـ كنت ادعك يداي ببععضهما وببنطالي عسى ان امنحهما بعض الدفء الذي يمنع المريض من القفز ساعة ملامسته، كانت ايدينا المتجمدة تلك افضل محفز للمرضى فاقدي الوعي، فهي اشبه بألواح الثلج التي تلامس الجسد فجأة، فتخرجه من غيبوبته قسرا.)، هذه المعاناة رسمتها الكاتبة بالكلمات، فجعلتها ذات تأثير في ذهن المتلقي، رغم انها محتشدة ومتداخلة الاحداث وذات حمولة من الالام والاوجاع على المريض والطبيب معا، وهكذا تسرد الكاتبة وتروي حكايات كانت بمثابة اسرار مهنة، او اسرار شخصية، بيد ان الكاتبة جعلت هذه الحكايات تتضافر فيما بينها، تعميقا لعنونة الرواية او اظهارا لذلك الارشيف، الذي قررت الكاتبة اظهاره من اجل رسم ملامح ذلك العصر الموشوم بالالم والمعاناة، كما حدث لصديقة اختها المصلاوية من الفصل الرابع للرواية، وكانت احداث الرواية تعبر عن معاناة الانسان المتوزعة بين السلطة الدكتاتورية المتعسفة وسلسلة الحروب اللاجدوى منها، فالحرب كشكل منظم للعنف المسلح بين جهتين متواجهتين لايقف عند هذا الحد, فهو يطال بشكل أوسع كل ميادين العمل الإنساني, من السياسة إلى الحقوق, مروراً بالاقتصاد, والثقافة والفن وكل اوجه الحياة الاخرى، ثم انها شكل من اشكال التراجع والتدني الانساني .. فكانت رواية الدكتورة حنان المسعودي تؤسس على انسان من صنع الصبر والمطوالة، ليتخرج من مصنع الوجع العراقي معافى، لهذا بقيت انسانية في كل مواقفها، من هذا اقتطع من الرواية هذه الحالة : (كانت (س) امرأة في ريعان الشباب لم تتجاوز السابعة والعشرين، طاغية الجمال، طويلة القامة، ممتلئة نسبيا، حمراء الشعر، كانت عيناها السوداوين تطلعاني بتحد، ولكن بعد ان جالت في وجهي ولمست ابتسامتي المرحبة هدأت قليلا وحل محل تلك النظرات الوقحة نظرات منكسرة خجلى. فتحت الملف المرفق معها وقرأت على اوراق احالتها من مستشفى اخر كلمة واحدة، كتبت وختمت ثم ارسلت المريضة على عجل وكأنها مصابة بالطاعون، كانت الكلمة هي شاذة جنسيا. راقبتْ (س) تعابير وجهي وانا اقرأ تلك الكلمات محاولة ان تستقريء الانطباع الذي بدأ عليّ، لكني بدوتُ خرساء كالشمع، اقفلت الملف وطلبت اليها ان تتحدث … تتحدث وحسب بأي شيء حتى لو تترنم بأغنية فقط)، تتساءل الراوية : (لا ادري كيف تكنت من كسب ثقتها، فشرعت تخبرني بقصتها …)،

اشتداد الاوضاع

هذا النص يخبرنا ان الكاتبة المسعودي حرصت، رغم اشتداد الاوضاع المحيطة، الا ان رسالتها كطبيبة كانت توجب عليها سبر اغوار المريض وترويضه، كي تجره الى منطقة مكشوفة محاولة منها لتشخيص مرضه، ليكون الشفاء قاب قوسين ..فالاحداث التي تضمنه الارشيف الذي اصبح رواية، كان بمثابة رسالة انسانية من العراق الى العالم، بان الانسان العراقي عنقاء يتحرك باوجاع ليصنع الحياة من جديد ..فكان الارشيف وكانت الرواية القضية الانسانية كما هي مهنة الطب (في ظروف لابشرية كان يتطلب من العراقيين ان ينجزوا تقدما فوق بشري فكيف يتم هذا؟!)، وتختم الكاتبة المسعودي قائلة : لقد غيرت تلك الاوراق حياتي، وسقتني الصبر، وغرفت منها الحكمة، فلم اعد انظر الى مرضاي كعناوين ومصطلحات كما لو اني اتصفح كتاب (دافيدسون) الطبي، بل بت اعامل كل مريض كقضية، مريضي هو قضيتي التي اشعر بها، أؤمن بها واستميت لاجلها)، وبالتالي التقت بالدكتور عبداللطيف وكانت الخاتمة امل جديد اخر …