العلاقات التصويرية في المعنيّ أكثر منّي

مجموعة الشاعر عبد السادة البصري

العلاقات التصويرية في المعنيّ أكثر منّي

علاء حمد

التصوير اللغوي ، صورة حية يتم نقلها من الواقع الى الخيال ، وهنا المختبر الخيالي الذي يدفعنا الى علاقات جديدة من خلال العلاقات اللغوية في التعبيرية .. الشاعر العراقي عبد السادة البصري أحد الشعراء الذين سخروا تلك الصورة ومكوناتها الفنية وعلاقتها باللغة التشكيلية  .. فالصورة عنصر مشترك بين الخيال الذهني الداخلي والخارجي ، وهي المشهد الوضاح في المشهدية الشعرية .. جميع الالتقاطات الخارجية المرئية ، هي تعبير تعييني للصورة قبل الكتابة ، وتبدأ الصورة الملتقطة بعبارة ، قبل أن تبدأ بكلمة ، والكلمة ماهي الا بداية تصويرية للحالة المرئية عند التلاقح الابداعي بين المنظور الخارجي والمنظور الداخلي للصورة التكوينية …

تحمل الصورة عند التكوين معاني عدة ، فمنها المعاني المتسترة بالمفردات ومنها المعاني الظاهرة بالالفاظ ، مما تتوالد نوعان من الدلالات ، نوع ظاهري يتماشى مع المفردات الشعرية الظاهرية ، ونوع متستر – ايحائي – ويحمل الدلالات الايحائية غير الظاهرة ، مما يزداد قوة الصورة بفعاليتها ومؤثراتها ، وهي تتغطى بعوامل لغوية عديدة ، فاللغة التشكيلية خير لغة متقاربة للصورة الشعرية ، فلو دخلنا الى المعاني التصويرية من خلال البصرية ، فسوف يرافقنا عنصر الدهشة عند النقل والتآلف الشعري ، وهذه الانسجامات التي تؤدي الى تضارب حركة النفس الراغبة الى المادة الخارجية وحركة المكان المتغير في نقل الذات ” ان كانت الذات شاعرة تبقى ملكية وغير قابلة للانقسام ” فحركة الذات تستوعب الاماكن المتنقلة مما تزداد الرغبة أكثر وأكثر بنقل الأشياء وتزاوجها بين المفردات .. الصورة الشعرية هي خير مدافع عن النصّ الشعري ، وهي الوجه الأمثل للتواصل الدلالي .. الصور الشعرية أمامنا طالما هناك إدراكات حسية ، فالمرآة عند أول الصباح خير صورة عاكسة للوجه ، وباب البيت خير مدخل للصورة وتقاسيمها بين خارج البيت وداخله ، وهنا يتطلب عامل التجسيد واللغة التي تنقل وتتحايل على تلك الصور المدركة ، الحية منها والمحتبسة في الذهنية ، فمكونات الصورة لاتبتعد عن الخيال اللزومي ، وألا أصبحت كلاما منقولا لافائدة منه سوى باللغة العادية .. فالصورة نتيجة من نتائج فعالية الخيال ، والخيال لايمكننا نقله ونسخه ، وإنما إعادة تشيكيلة من خلال اللغة ، وتجميع الظواهر المتسترة وكذلك العناصر المتضادة والمتباعدة ، اذن تقودنا الى التباعد والتقارب في الشعرية ، وهنا عامل التعامد ، والذي له حقيقته في الأبعاد ، فنحن ننظر للاشياء البعيدة ، مصغرة ، وتكبر هذه الاشياء كلما اقتربنا منها ، واللوحة في حالة تكبيرها تظهر الاخطاء والألوان غير المتجانسة ، وكذلك الصورة ، كلما كثفنا اللغة ، فهذا يعني هناك امكانيات لغوية في عملية الخلق الشعري ، فاللغة التفصيلية مرفوضة .. وهنا لايمكننا نقل الروابط بين العالم الخارجي والصورة دون دلائل رمزية تحمل لغتها ، اذن نحن نتكئ على لغة رمزية، لكي نتماشى مع الحداثة والوصول الى صورة لجسد النصّ الشعري بشكله الكلي .. (( حاول نقادنا المعاصرون الإفادة من نظرية الرمزيين في فهم حقيقة العلائق بين المفردات في الصورة الشعرية الحديثة وما تتصف به من طبيعة متغيرة وخصوصية أسلوبية قائمة على المفاجأة لا على التوقع حتى ليصعب أحيانا فكّ رموزها لما تتمتع به من قيمة ذاتية مستقلة . – ص 81 – الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث – د . بشرى موسى صالح – المركز الثقافي العربي )) . إذا اردنا مراجعة اللغات ، اصبحت لدينا ثلاث لغات ، اللغة التعبيرية واللغة التشكيلية واللغة الرمزية ، فالاولى تتماشى مع العلاقات التصويرية في النصّ الشعري والثانية ، هي محورية الصورة وتجانسها اللغوي في النصّ الشعري ، والثالثة وهي لغة مهمة عند نقل الصورة الخاطفة ورسمها في النصّ الشعري ، فتعتمد الصورة الخاطفة ( نظرة الطائر ) على تكثيف الكلمات أو العبارات والاعتماد على اللغة الرمزية ، وهي جزء من فلسفة الدهشة ومزاياها في النصّ الشعري الحديث :

أن تضرب البحر ألف عصا ..

تجد المرايا ..

تستحيل معابرَ للعشق

حدّ الاكتواء !!

يمم وجهك المعروق ..

شطر الدرب ،

والبس …

حلّة التيه الرخيصة وحشة

تجد الطريق …

يسمو …

بعوسجة النجيع لسكرة

ويميل ….

صوب العابرين !!!

من قصيدة : صرخة ص 16 – المعنى أكثر منّي

نص شعري

تراتيب هندسية في المشهدية الشعرية من خلال الصورة التي قادت النصّ الشعري ، وقد تم توزيع الصور لتشكل تراكمات متجانسة امتدادية وذلك من خلال اللغة التعبيرية في الصورتين التي نقلتهما من مجموعة الشاعر عبد السادة البصري ” المعنى أكبر منّي ” .. أن تضرب البحر ألف عصا .. + تجد المرايا .. +

تستحيل معابرَ للعشق – حدّ الاكتواء !! فالتواصل اللغوي لدى الشاعر ، تواصل تعبيري أراد أن يصل الى المعاني من خلال جملته الأولى بواسطة التناص ” أن تضرب البحر ألف عصا ” ليذكرنا بقصة النبي موسى ( ع ) وعصاه ، وعندما نقول النبي موسى ( ع ) نقول عصاه ، التي لازمته بمعجزاته النبوية ..

الأفعال التي رسمها في الصورة الأولى أراد منها أن تكون أفعالا تراكميّة ولكن ، تفريقها في المعاني ، مالت إلى  أن تحمل المعنى للشطر الواحد ، متخلية عن المجاورات الفعلية ، وذهبت بنا الى مجاورات لغوية ، لكنها رسمت للمرسَل اليه رسالتها التي كانت في تفكير الشاعر لايصال الفكرة ..

الصورة الثانية ساهمت في بناء القصيدة ، واعطت فكرة تواصلية من خلال اللغة التي كانت برقعا فعالا في البناء لظهور المعاني والتي تجددت من خلال عمق وطول الصورة عند تكوينها ، وقد شكلت اللغة انزياحا ، مما كان لعنصر الجمال ملاذه في التواصل الصوري والبناء ..

 تجزئ الصورة الى أجزاء في النصّ الشعري نحصل بالاخير على جسد الصورة والتي تمكن النصّ الشعري من التواصل ويحمل معه المؤثرات التي تقتحم المتلقي ، في طبيعة الحال ، هذه مؤثرات تحمل لمعان جديدة ، من خلال الالفاظ التي يعتمها الباث عادة ، والشاعر العراقي عبد السادة البصري ، يسعى من خلال التصوير البصري الى ايجاد امكانيات تمكينية لأجزاء الصورة ، وكل جزء يحمل من المعاني والتي تلتم في الجسد ، لتشكل محورا أساسيا في البناء الفني ..

الصورة الفوتوغرافية دائما تؤكد على زاوية معينة ، ومن خلال هذه الزاوية والتي تحوي على حركة واحدة ، يتم التقاط الصورة ، وبثها بالشكل الذي يحسه الفنان ، فالصورة التي بشكلها القديم (الأسود والابيض) تعتمد على الترتيش والظلّ ، بينما الصورة الحديثة (الملونة) فأنها تتخلى عن هذه العناصر .. المصوّر الشاعر عندما يلتقد الصورة يزرع فيها عدة حركات ، ومن خلال هذه الحركات .. اللغوية والزمنية ، وكذلك التباعد والتقارب بالمكانية ، يرسم الينا صورته الشعرية ، وهنا تختلف الحالة التصويرية وتكويناتها من جهة ، وحركة الصورة وتواصلها من جهة أخرى ؛ وتستمرّ الحالة بالتقاطات عديدة ، وكلّ لقطة لها نفاذها الشعري وتأثيراتها في المنظورين الداخلي والخارجي .. فالاشباع الجمالي للصورة ، يظهر لنا مناطق ضعفها ومناطق قوتها ، فالزوايا واللغة والاحلام الناقصة ” والتي يكملها الشاعر عادة ” والاحلام التامة ، وحالات الرعب التأثيرية وكذلك حالة الخيال ومدى اتساعه في المساحة التصويرية ؛ كلها عوامل وعناصر تمتد في الصورة لتكوينها لدى الشاعر ..

الجرارات …

 تخربش خريطة الأنغام

الفئران …

تحرث الساحل بحثا عن مأوى

العصافير …

تهاجر صوب الصحاري ،

لتقئ التغريدة فوق العوسج

القرى …

تسافر في الخيالات ،

نهرا من لبن رائب ،

يتأجج بالأحزان ، وأدعية النورس

من قصيدة : على الأنقاض … أدعوك للإحتفال – ص 18 المعنى أكثر منّي

القدرة الذهنية التي صنعت الخيال في الشرايين الدموية ، من الطبيعي سنكون أمام صور ، متقطعة وأخرى جزئية ، فحالة التعريفات التي انشدها الشاعر العراقي عبد السادة البصري من خلال قصيدة ” على الأنقاض … أدعوك للإحتفال ” ، فهي ليست منقولة بشكلها التصويري ، بقدر ماكنت تدور في المخيلة ونزلت علينا صورا مجزئة ضمن جسد القصيدة والتي رسمها بالتناوب مع لغته الوصفية والتي أضافت الينا بعض الرموز التي اعتمدها ، وعندما ندخل الى الرمزية بكل تأكيد نحتاج الى رامز ومرموز ، ونحتاج الى لغة خيالية تحدد هذه العناصر التي اعتمدها الشاعر في نصّه الشعري .. الجرارات … –  تخربش خريطة الأنغام – الفعل تخربش أضاف للرامز هيئته التواصلية مع الجررات التي رسم تعريفها الخيالي ، أما خريطة الأنغام ، فهي جملة إضافية مع الرامز ، لتصبح لدينا الجملة بكاملها مرموزة ، وقط ظهرت الدلالات من خلال النصّ الشعري والدال دائما يبحث عن المدلول ، فالرسالة التي وجهها الى المرسَل اليه تكفينا أن نقول أنها دلالة من الدلالات التي اعتمدها الشاعر في رحلته التشويقية .. لو نلاحظ الأفعال : تخربش وتحرث وتهاجر وتقئ وتسافر ويتأجج ، فأنها شكلت أفعالا تراكمية ، أراد منها أن يكون كلّ فعل امتدادا للجملة الشعرية في حالة تكوينها التصويري ..

 (( الخيال الشعري – بهذا الاعتبار – نشاط خلاق ، لايستهدف أن يكون مايشكله من صور نسخا أو نقلا لعالم الواقع ومعطياته ، أو انعكاسا حرفيا لأنسقة متعارف عليها ، أو نوعا من أنواع الفرار ، أو التطهير الساذج للانفعالات ، بقدر مايستهدف أن يدفع المتلقي الى إعادة التأمل في واقعه ، من خلال رؤية شعرية ، لاتسمد قيمتها من مجرد الجدة أو الطرافة ، وانما من قدرتها على اثراء الحساسية وتعميق الوعي . – ص 14 – الصورة الفنية – جابر عصفور )) . السذاجة في الشعرية لاتقود الشاعر الى التفاعلات الخيالية ، فالخيال والهروب منه ، يشكل احد الفرارات من الشعرية والابتعاد عن القصائدية ، وعنصر الخيال هو الأوردة الجارية في النصّ الشعري مع الالفاظ وتحديد المعاني وتعددها ..

تعالي ….

نجعل من ضياعاتنا المتلاحقة ،

أفراحا للغد ….

الغد …………

الغد …………

الغد …………

أراه يمدّ أصابعَ معروقة للبابِ ،

كي يطرقه

مسكين مَن لايفتح ، للوجه الناضح

بالخجل البصري ويطعمه الفرح !!!

نفس القصيدة

عندما تطرق اللحظة الشعرية ابواب المخيلة ، تحمل كلّ جزء منها خلية حيّة ، والخليّة هي الاتمام الحقيقي لها ، فالحياة والانسجام اليومي مع الألفاظ ، كلها تؤدي الى شاعرية التفكير ، وهنا العامل النفسي المفتوح ، والذي يستقبل هذه الخلايا المجزئة .. كمنظور خارجي ، حملت الصورة التي نقلتها من قصيدة – على الأنقاض … أدعوك للإحتفال – على المظهر العملي للالفاظ التي طاردت المنطق الوجودي للمعنى ، وهذا يعني أن الشاعر كان متحديا للحسّ والمعنى ، الحسّ الذي راوده وهو في لحظته المارقة والمعنى والذي هو محمولا في المخيلة ، فهنا ظهر النسيج من خلال تحدّي الباث لهذا الوجود التفاعلي مع الخيال أولا ، ومع العنصر الجمالي ثانيا ، فالعنصر الجمالي هو المسبب الرئيسي بفائض قيمة الصورة ومدى تكاملها – الالفاظ والمعاني – وكذلك ميول تلك الالفاظ الى لغة معينة ، كلغة تعبيرية أراد منها أن تتجاوز الوصف ، بل الدخول الى متاهات المعاني المحمولة في المخيلة .. تعالي …. – نجعل من ضياعاتنا المتلاحقة ، / الفعل تعالي هنا ليس بلهجة آمرة ، بل دعوة الى بيان المستتر لدى الباث ، فهو يدعو الاخر – هي – الى تبيان حالات الضياع المتلاحقة ، فالاستمرارية في الصورة ، استمرارية متلاحقة أيضا ، وهو يؤكد على كلمة الغد ، ويكررها عدة مراة ، مما اعطى للشكل الهندسي للصورة تقاربا ملحوظا من خلال التعبيرية التي اعتمدها في رحلة الشعر المشوقة .. الشاعر العراقي عبد السادة البصري ، ولانه ابن البصرة ، فقد اراد أن يكون لهذه المدينة تواجدها أيضا من خلال لغته الخاصة التي من خلالها عبّر : مسكين مَن لايفتح ، للوجه الناضح – بالخجل البصري ويطعمه الفرح !!! / لو نلاحظ حركة الأفعال وتفاعلها بين الجمل ، فقد كانت عاملا مساعدا على اخراجات القول لكلّ جملة رسمها الباث ، واخراج القول الشاعري ، هو انسيابية الجملة وتعاطفها مابين المفردات ، واخراج القول المعنوي ، هو ظهور المعاني من خلال حركة الأفعال في الشعرية ، وهنا قرين التعبير عن حالة المعنى وعن حالة الانسياب الخيالي الذي اعتمده الباث في رسم ورصد جمله الشعرية ..

البنية الدلالية في الصورة :

قد تكون الدلالة معبرا عنها بآليات وطرق عديدة وقد تكون مختزنة داخل صيغ وأشكل تقودنا الى الدلالة في الصورة الشعرية عند تكوينها ، وقد تكون الصورة الشعرية نفسها دلالة ، فالرؤى التي يمتلكها الباث عادة تختلف من صورة الى أخرى ومن منجز الى آخر ، فالتعدد البنائي للنص الشعري يقودنا عادة الى دلالات طبيعية تم انسجامها مع النصّ الشعري وسياقه بشكل عام .. فحركة الافعال تقودنا الى دلالات ضمن حركة الزمن وضمن المكان الذي تحدث منه الباث ، وقوة الفعل وتأثيره وأبعاده في الجملة ، فالحركة هي التي تدلنا على النشاط الطبيعي وحركات  الحياة الحقيقية ؛ والحركة التي نعتمدها حركة ضمنية وحركة حسيّة ، والحركة الحسيّة هي التي لها طابعها الأمثل في النصّ الشعري ، لتشير إلينا وتدلّ على نوعية اللغة التي اعتمدها الشاعر وعلى الدلالة المركزية وكذلك حركته الذهنية ومخيلته التي تذهب بنا الى خيال شعري لايمكننا التخلي عنه :

الليل …

ينزع آخر الأثواب توا ..

والطريق يؤول بي ..

حيث المدينة يستبيح دروبها ..

الضوء المشاطر حزنها ..

ويدلني …

الحارات يبتلع العيون سكونها ..

والسائرون على الضفاف

تعانق الأقدام منهم ..

من قصيدة : تداعيات – ص 29 – المعنى أكثر مني

جمل شعرية

تعتبر الافعال من خلال سياق الجمل الشعرية ، أفعال حركية انتقالية ، وتشكل امتدادا مع كلّ فعل في الجملة ، فالدلالة هنا هي الحركة ، وعندما ندخل مع حركة الافعال ، ندخل مع زمن الفعل ، والملاحظ أنّ زمن الفعل آني وليس بحركة ماضية ، مما يزيد من حركة الدلالة ، وقوتها في رسم المعاني .. وما يهمنا من خلال الصور المتصلة بعضها ببعض هو البنيّة الموحدة ، وهي تلك التي تضعنا مع المكونات الداخلية للنصّ ، ثم تحتلّ مكانا فوقيا ، بالنسبة للحياة التي نمارسها : الليل … + ينزع آخر الأثواب توا .. + والطريق يؤول بي .. / بينما الفعل مع حركته الداخلية انتقلت الكتابة ” بالجملة الواحدة ” الى كتابة مفتوحة مطلقة ، اي تتحمل استقبال المزيد من حركات الأفعال ، مما شكّلت لدينا حركة فوقية ، تتماشى مع مضمون النصّ الشعري وممارسة الباث بالبحث عن الوسيط للرسالة التي بعثها للمرسَل اليه ، وكان الوسيط هو الليل ، ومن خلال سياق المعنى وتحميل الملفوظات للمعاني وتعددها من الطبيعي تشاطرنا التأويل ، وتقودنا القصيدة بمرة واحدة الى مقاصد الباث التي رسمها للمتلقي .. الضوء المشاطر حزنها .. / تقودنا الجملة الى فعل انتقالي ، ويدلّ على الذهاب ” ويدلني … ” بينما النقاط الاسترسالية لها حالتها المطلقة في قيادة الجملة وتعبيرها الى جملة أخرى ، وهنا أفعال القول الحركية : الحارات يبتلع العيون سكونها .. + والسائرون على الضفاف + تعانق الأقدام منهم .. / أفعال القول الحركية مشتقة من حسية الباث الدالة ، وهي حركية مطلقة تتحمل الكثير من المعاني وتعدد التأويلات ، وتعتبر من الافعال الانية ، وتشكل أهميتها بالتفاعل مابين الزمن الماضي والزمن الحاضر ، فيغلب الزمن الاني على الفعل من خلال التفاعل : فلو افترضنا أصل الجملة الحارات .. ابتلعت العيون سكونها ، ومن خلال تحويل الفعل جاز للشاعر أن يتحدث الان ، فيصبح الفعل آني ، بدلا من أن يكون فعلا ماضوي ..

المكون المفرداتي للصورة :

يعبّر الباث عن محسوساته بصيغ فنية متنوعة ، وأقرب تلك الصيغ وأكثرها تأثرا الصورة التي يذهب اليها من خلال رؤية فنية خاصة تنقله من حالة الانفعال الى التأمل الجمالي ، وعنصر الجمال يعتبر خير دليل على الانفعال العاطفي ، ان كان بسيطا أو معقدا ، حسب موقع الباث من الصورة وما يعكسه من محسوسات مميزة في المجالات الموضوعاتية ووسائل تركيب كلّ صورة .. الكلمة في الصورة لها عدة توقيعات ، ولها حركة مستقبلية مع كل مكانة زمنية أو حركة ذاتية ” الحركة والسكون ، موقعة من التوقيعات ” . الكلمة تأخذ موقعا لمرأى العين ” الرؤية ” ودلالة لدى المتلقي ” الاخر ” وحركة في النصّ الشعري ، فالزمان يرافقه المكان .. والرؤية يرافقها الرؤيا ..

الوطاويط سلخت جلودها

كان هذا …

عند اقتحام السحالي لأوجار الثعالب

حينها …

راحت اللقالق تبحث عن عشّ بقمة رأسك

ابتدر العصفور غناءً آخر ..

لتتبرعم أكثر فأكثر !!

من قصيدة : المعنيّ أكثر منّي – ص 34

حملت مجموعة الشاعر عبد السادة البصري الشعرية ، عنوان هذه القصيدة ، وهناك مغايرات لغوية أعتمدها الشاعر كحاضن أعلى لنصوص المجموعة الشعرية كلّها ، ومن الممكن جدا التعامل مع العنونة تعاملا سيميوطيقيا حيث الاشارات والرموز والعلامات وأيقونات واستعارات ، ودراسة العنونة عادة دراسة منهجية مابين البنية والدلالة والوظيفة ؛ وبما أننا أمام عنوان مشترك مابين القصيدة والمجموعة الشعرية ، فالرمزية أولى باستيعاب العنونة مع لغتها الظاهرة والتي قادتنا الى القصائدية في دواخل النصوص وما ارتكبه الباث من معاصي في المنظورين الداخلي والخارجي ، حيث التعامد الرؤيوي للنص الخارجي ، والمحسوسات التي كانت جزء من تأسيسات النصّ الشعري لدى الشاعر العراقي عبد السادة البصري .

المكون للكلمات العاملة تشكل إحدى الدوافع الاساسية في المكونات الشكلية للصورة ، وتتكئ هذه الكلمات بالدرجة الأولى على الحسيّة الداخلية والتي تعني لدى الباث الكثير وهو يداعب مخيلته والشرود معها ، بل الفرار مع لحظته الشعرية ووسائل القبض عليها .. لو نلاحظ من خلال النصّ فقد اعتمد الباث على بعض الحيوانات والطيور في تأسيس صوره الجزئية ، والتي عدّت ركنا من أركان النصّ الشعري وهو يقودنا بصور : تخييلية وصور ذهنية أدت وضيفتها كعوامل متصلة مع بعضها في المكون المفرداتي للنصّ الشعري : الوطاويط والسحالي والثعالب واللقالق والعصفور .. كلها مفردات مشتقة من الطبيعة ، وهي مفردات منظورة بالرؤية ، راح الباث باستعارتها لاهميتها في مخيلته عند الموضوعاتية المعتمدة في التكوين والاستعارة وكذلك في توظيف الرموز في النصّ الشعري المعتمد .. الملاحظ من النصّ والافعال التي نبتت بشكل طفيف بين الجمل ، كانت تواصلية ولغة وصفية ، انتمى الباث اليها وذلك للمعاني المحمولة وما يعنيه النصّ الشعري لدى الشاعر العراقي عبد السادة البصري ..

عند اقتحام السحالي لأوجار الثعالب + حينها … + راحت اللقالق تبحث عن عشّ بقمة رأسك .

تكون تصويري

تشكل الجزئية في التكوين التصويري لدى الشاعر عبد السادة البصري إحدى المهام الشكلية في الذهاب مع الصورة وظهورها للمتلقي ، في حين أنّ مفردة ” حينها … ” لاتشكل صورة شعرية باعتبارها مفردة عارية من التركيب اللغوي ، ولو تواصلنا مع المعنى ، فسوف نقبض على تشكيلها باعتبارها صورة ربطت بين جزأين من الصورة الأكبر التي رسمها الشاعر عبد السادة البصري ، وهذا الربط كان عاملا مساعدا للتواصل الدلالي ، وعاملا مساعدا لتواصل الصور الشعرية مع بعضها في المكون المفرداتي ..

وأنت عيون مسملة / هاربة / باحثة بلا جدوى

تأخذك العربات ، وترجعك الأحلام

قدماك صديقتان دائمتان للأرصفة

تسامرك النجيمات .. تحملك على بساط التمنّي

الوريقات ابتدأت بسملتها باسمك

أيها المعنيّ أكثر منّي

ولأنّك معني أكثر منّي .. آثرت الإنسحاب

تركت الصورة وارتكنت بعيدا

المرأة عقلها  قبلة ، وعقلها ……

تغريبة …

نفس القصيدة : ص 34

القصيدة كوحدة تامة ، تعتمد على الجسد الرئيسي للصورة ، والصورة التامة تعتمد على الأجزاء ، وكلّ جزء يحوي على كلمات وعبارات تؤدي عملها كوحدات جزئية في النصّ الشعري .. والصورة تعني تجربة شعرية جزئية ، خاضها الباث في حياته العملية ، وهكذا تولد لدينا الكثير من العلاقات في الصورة : علاقة المكون المفرداتي ، باعتبار أوّل عبارة يرسمها الباث هي تبدأ بكلمة ، وأول كلمة تبدأ بحركة ” المتحرك الساكن ” فلو أخذنا كلمة تَأخذك ، فسوف نرى بأن حرف التاء يبدأ بحركة ، وحركته هنا الفتحة ؛ وهي أوّل بداية للعمل التنغيمي الذي يعتمده الباث ويطلقه من عدة حركات وسواكن ” للمفردة الواحدة ” وتتجمّع لتشكل لدينا عدة كلمات ” أوّل عبارة تبدأ ” بكلمة + حركة ” ، فلا يمكنها المفردة أن تبدأ خارج الحركة ، والحركة هي المدخل التأسيسي للتنغيم الشعري ، وهنا نذهب مع العبارة فلو أخذنا أول عبارة من قصيدة ” المعنيّ أكثر منّي ” تأخذك العربات ، فسوف نقبض على حركات وسواكن ” تَأ ” الفتحة للتاء بينما السكون للألف ، ولو نستمرّ فسوف نلاحظ بأن المفردة تحمل تفعيلة الرجز ، بينما تذهب المفردات فيما بعدها بين ” فَعِلن ” و ” فعْلن ” وهي تفعيلة المتدارك .. ” وأنت عيون ” هنا الواو يبدأ بحركة ، والمفردة تحمل تفعيلة الوافر ” مفاعلتن ” ، نستنتج من هذه الرحلة التفصيلية مابين الحروف ونتائجها ، بأن الشطر الواحد لايستطيع أن يتخلى عن التنغيم ، فالمفردة المكوناتية للعبارة ، هي نفسها تقودنا الى تكوينات نغمية ، وتبعث الى روحية المتلقي الأريحية باستقبال الموسيقى على درجات سلمها ، واختلافاتها بين تنغيم وآخر ، وهذا يعتمد على دربة الأذن ، والقراءة المتواصلة للشعرية من جوانبها الأساسية ..

الوريقات ابتدأت بسملتها باسمك + أيها المعنيّ أكثر منّي + ولأنّك معني أكثر منّي .. آثرت الإنسحاب +

تركت الصورة وارتكنت بعيدا + المرأة عقلها  قبلة ، وعقلها …… + تغريبة …

ولأن التدوير في الصورة تعتمد المتحرك والساكن في التشكيل المفرداتي للجملة ، إلا أنّ الشاعر العراقي عبد السادة البصري ، أراد منّا أن نكون مع المعنيّ ، في تجربته الشعرية التي رسمها عبر مجموعته الشعرية ” المعنيّ أكثر منّي ” لذلك فالمشهد الشعري لايكتمل معناه الا بالتواصل مابين الجمل التي ربطها بقوالب شكلية ، فلو تمّ قصّ المشهد ، فسوف ترتبك الصورة ، وتفقد توازنها ، من ناحية المعنى ومن ناحية التركيب ، لذلك فقد اعتمد التدوير في اكتمال المعاني ، وجملة تتكئ على جملة ، فالجملة الأولى تضاف الى الجملة الثانية ، والجملة الثانية تضاف الى الجملة الأولى ، وهكذا تم مراوغة اللغة في تشييد قصره الشعري ، وهنا نستطيع القول بأن الوحدات الفنيّة اصبحت مكملات للوحدات العضوية ، والعكس صحيح ، وذلك لتباين الدلالات من جهة ، وتعددها من جهة أخرى ..

الخيال في النصّ الشعري وضمن تكاتفه مع المكون المفرداتي ، يصبح لدينا واقعا ومرئيا ، حقيقيا يتم نقله عبر رؤية الشاعر الخاصة في الذهنية ، ومن طرف آخر مايراه جميلا في مخيلته التي اشتغلت وتشتغل في الجانب الجمالي ، فالخيال والجمال عنصران يتماشيان مع الكلمة ومع الوحدات الموضوعية التي يرسمها الشاعر عادة في نصّه المعتمد .