المشكلات الإجتماعية وأثرها في لاوعي الراوي الرحّال

رواية بحر أزرق.. قمر أبيض

المشكلات الإجتماعية وأثرها في لاوعي الراوي الرحّال

نوال هادي حسن

 تُعدُّ المشكلات الاجتماعية من المؤثرات الأساسية التي تشكل عائقا أمام نمو المجتمعات، بل وتشكل خطراً عليها أحياناً، فالأحداث الاجتماعية الخارجة عن المألوف أو المناقضة للقيم السائدة أو الآداب العامة تتفاوت في تأثيرها على المجتمع بحسب نوعها وكمها، وكذلك هي ” تختلف في سعة حدودها وتكرار وقوعها ودرجة توزيعها وكثافة الاضطراب الفكري والعاطفي المصاحب لها”(1)? كما أنها غيرة مقصورة على مجتمع دون آخر فهي ” تظهر في كافة المجتمعات الإنسانية سواء كانت كبيرة الحجم أو صغيرة، معقدة البناء أم بسيطة، متخلفة أم متحضرة، تقاليدية أم متمدنة”(2).

وعلى هذا النحو من الأهمية البالغة لتأثيرها على الدراسات الاجتماعية “حاول روبرت مارتن أن ينظّر المشكلات الاجتماعية الواقعية ويصوغها صياغة نظرية لترفد النهر الاجتماعي (علم الاجتماع) من منبعين (الواقعي والنظري) ليجعل هذا النهر المعرفي دائم الجريان”(3)? وتتمخض عنه نتائج أكثر دقة، خاصة وهي تعطينا صورة واقعية عن المؤثرات الحقيقية التي أنتجت سلوك الفرد أو المجتمع.

ويرى عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر ((بول هرتون)) “إنّ المشكلة الاجتماعية نتاج لظروف مؤثرة على عدد كبير من الأفراد تجعلهم يعدّون الناتج عن الظروف المؤثرة عليهم غير مرغوب فيها، ويصعب علاجه بشكل فردي إنما يتيسر علاجه من خلال الفعل الاجتماعي الجمعي4.

إنه من المؤكد بأن مشكلة اجتماعية بهذا المستوى من التأثير لها أبعادها وآثارها السيكولوجية العميقة في ذهن الفرد الذي يعاصرها، ومن ثمّ إنها تشكل لها مركزية ذهنية في اللاوعي عند الإنسان المعاصر أو المعايش، وربما تشكل مرجعاً لا وعيّا عنده في رؤيته للأحداث، تماما مثلما يشاهد عدد من الأفراد حدثاً أو حادثة معينة واحدة في آن واحد، لكن كل واحد منهم يرويها بصورة مختلفة نسبياً عمّا يرويها الآخرون، والسبب في ذلك هو تلك الأنماط الذهنية المتمركزة في لاوعي كل شخص منهم، فمثلاً لو حدث حفل زفاف في مجتمع مدني وكان الحفل يجمع المحتفلين من أقارب وأصدقاء العروسين، ذكوراً وإناثاً، وكان من ضمن الرائين لذلك الحفل شخصان أحدهما شرقي من مجتمع يكون فيه اختلاط الذكور والإناث، مشكلة اجتماعية، بينما الآخر غربي من مجتمع لا يمثل له هذا الاختلاط أي مشكلة اجتماعية، ويعدّ أمراً طبيعياً، نجد أن الشرقي يجد أن ما يحدث أمامه في العرس يمثل مشكلة اجتماعية خارجة عن المألوف، ومناقضة للقيم السائدة، بيد أن الشخص الغربي لا يخطر في باله أي شيء يلفت الانتباه إلى مسألة الاختلاط بين الجنسين لأنه من الأمور المألوفة في مجتمعه، والتي لا تناقض قيمه وآدابه العامة.

إن الشخص الشرقي لم يلحظ الصور الأخرى التي هي جزء لا يتجزأ من الصورة الواقعية للحدث كالألفة والمحبة، والإخوة التي قد تكون رابطاً كبيراً يتعدى مسألة ربط الانحراف باختلاط الجنسين في ذلك العرس، والسبب في عدم رؤيته هو مركزية تلك المشكلة الاجتماعية في لاوعي ذلك الشخص الرائي.

 إن للبنية الثقافية للمجتمع الذي يعيش فيه الفرد سببية حقيقية في تشكيل الأنماط الذهنية التي تتحكم في إدراكه ومن ثم تتحكم في بناء الصور المنمطة في لاوعيّه، ولذلك فإن أصحاب نظرية الاتفاق البنائية (الاجتماعية) يرون بأن “القواعد الثقافية للمجتمع تحدد سلوك أعضائه”(5)? وهم بذلك يعدّون “السلوك البشري على إنه سلوك مكتسب (ملقَّن)”6.

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن تشخيص المشكلة الاجتماعية يتوقف على تحديد القيم المحورية التي تعد قيماً مألوفة وآداباً عامة تمثل صوراً من صور الترابط الاجتماعي، إذ إنها – على وفق نظرية التوافق الاجتماعية – تعدّ “العمود الفقري للتراكيب الاجتماعية التي يتم تأسيسها والحفاظ عليها من قبل الترابط الاجتماعي7 .

وفي المجال الأدبي الروائي – وبالتحديد في أدب الرحلات – عادة ما نلحظ أن الراوي الرّحال ينقل لنا صوراً مجتمعية قد لفتت انتباهه وألهبت مخيلته، وعادة ما يتساءل عنها أما من خلال الحوار بينه وبين إحدى الشخصيات أو من خلال المونولوج الداخلي، فيرسم لنا من خلال ما يرويه صورا لانساق مجتمعية مختلفة أو لسلوك مجتمعي غريب أو ملفت للنظر.

وفي التحليل النفسي نرى أن بعض الصور السلوكية المتمركزة في لا وعي الرحّال لها أثرها في تشكيل الصور التي يراها في الأحداث المرجعية، ومن هنا فإن صور الأحداث التي يرويها لنا تختلف بحسب اختلاف العين اللاّوعية الرائية.

تجربة فريدة

وهذا ما وجدناه في رواية (بحر ازرق.. قمر أبيض) للروائي العراقي حسن البحار، فقد قدّم لنا تجربة فريدة في الإبحار والالتقاء بمجتمعات أخرى، والاطلاع بمعلومات ثرّة عن بلدان شرقية وغربية، استطاع من خلالها أن ينقل لنا صورا عديدة وطقوسا أخلاقية ودينية لمجتمعات وجدت لغة مشتركة للتعاون والتناغم ألا وهي لغة المدنية ولغة المواطنة، وتسليط الضوء على تفاصيل دقيقة، ولا يخفى ما في قلبه أمنية كبيرة وهي عودة أمته إلى التوحد ونبذ التفرقة والعنف.

 وبالعودة إلى النقد الثقافي الذي يتعدى حدود النص إلى ما حوله ليكشف لنا عوالم أخرى كانت من أسباب نشوء النص على هذه الكيفية، وكشف وظائف معرفية أخرى؛ نرى أن الكاتب – بإرادته أم بغيرها – أراد أن تصل الحقائق لمتلقية بصورة غير مباشرة، فقد قدم لنا أشياء واقعية في المدار المكاني و الزماني ومعلومات معرفية اجتماعية، تخص العادات أو التقاليد الخاصة بالبلدان التي زارها، من خلال حواراته، أو من خلال بعض الأسئلة الخاصة التي دارت في نفس الراوي وكان يطرحها بين فينة وأخرى. فكانت تلك العادات والتقاليد التي لفتت انتباهه كاشفة عن عمق الألم والمعاناة التي عاشها الكاتب في مجتمعه والصورة المعاكسة تماماً للصور التي رآها في مجتمعات البلدان التي زارها، ومرآة عاكسة لآماله المجروحة في أن يستعيد مجتمعه الحياة وينعم بها كما تنعم بها المجتمعات التي رآها في رحلاته.

 إن تساؤلاته عن الكيفية التي تحققت بها الوحدة في بعض المجتمعات التي زارها – على الرغم من تنوعها واختلافها دينيا وثقافيا وعرقيا – تظهر لنا الوجه المنبهر لشخصية الكاتب التي تجلت لنا من خلال الراوي في نصّ هذه الرواية، مهتما لما يقوله ( أنطونيو) وهو يخبره عن بلدته (دوماي) وهي إحدى مقاطعات اندونيسيا:

(( – دوماي بلدة عزيزة علينا، دافع عنها أجدادنا زمن الاحتلال بقوة رجل واحد، رغم اختلاف انتماءاتهم العرقية والوثنية.

– ولكن كيف أتفق أجدادكم كرجلٍ واحد أمام هذه التحديات؟ على الرغم من اختلاف انتماءاتهم! مثل ما تقول؟

قال مبتهجاً وهو يشير ناحية الأفق:

انظر…انظر هناك عند تلك الجبال العالية بسفوحها الخضراء المزدحمة بالأشجار المختلفة المحملة بالثمار، نحن هكذا..

– كيف؟

 – سيدي، كلّ سكان دوماي يختلفون في الأطياف والديانات والقوميات، نتكون من مجموعات عرقية ولغوية ، ودينية مختلفة، تنتشر متفرقة عبر العديد من جزر البلاد. “الجاوية” هي أكبر إثنية في البلاد وهي المهيمنة سياسياً هنا، ولكنهم انفقوا على هوية البلاد المشتركة في شعار رفعته السلطات الوحدة في التنوع، تعاهدوا على علامة هذا الشعار وهي زهرة الفل البيضاء، إننا نقطن في المدينة منذ الآف السنين، لفيف كبير منهم مسيح وهندوس وبوذية وأقلية كما تعرف منهم مسلمين، لنا نمطنا الخاص في التعايش، ينتقل هذا النمط بطريقة سلسلة مسالمة من جيل إلى آخر في توق معرفي ورضىً قلَّ ما نشهده في بعض الدول الأخرى، لا يوجد فرق بيننا، على الرغم من وجود شيء مشترك يتفق عليه السكان وهو العيش في مناطق منفصلة من البلدة، فالمسيحيون مثلا سكنوا التلال مجتمعين حول كنائسهم، والهندوس في الغابات مع ماشيتهم القريبة إلى معابدهم، والبوذية اتّخذت من الأرض المنبسطة ملاذاً لها في العيش بزهد واضح عند دور عبادتهم، أمّا المسلمون الذين سكنوا السفوح؛ لقرب الزراعة وإنتاج المحاصيل من أيديهم العاملة بجدٍ ونشاط، وعلى الرغم من قلّة المعروف للجميع من تجمّعهم في المساجد عند أوقات صلواتهم الخمس، فكانوا ومازالوا الطاقة المتجددة في الإنتاج لهذه البلاد، أما أبناء السلطات فلم يَروا في الشوارع مطلقاً، لكن كثيراً ما نسمع عن كرمهم وتواضعهم بين الناس الذين يتعاملون مع كلّ شريحة من شرائح شعبهم وكأنهم أهلٌ لهم، شهرتهم الواسعة وصيتهم الرنّان حافظتا على ثروتهم التي كانت تزداد عاماً بعد عام، ولا ننكر من وجود الفقراء ولكن نراهم بصورة متقطعة يظهرون في الشوارع بفترات متباعدة؛ لقلة عددهم 8

فنرى – ومن خلال قوله: ((ولكن كيف أتفق أجدادكم كرجلٍ واحد أمام هذه التحديات؟ على الرغم من اختلاف انتماءاتهم! مثل ما تقول؟))- إن هم الاتفاق والوحدة، يبدو كصورة ألقت بملامحها على النص على الرغم من مكوثها خلف أقنعة تساؤل الراوي، تلك الأقنعة التي أرادت أن تخفي مركزية المشكلة الاجتماعية العظيمة التي عاشها الراوي في مجتمعاتنا العربية التي تتميز بطابع التفرّق والتشتت والتحزب، على النحو الذي شكل حنينا فياضاً تعيشه نفوس الكثير من مواطنيها المغلوب على أمرهم في رؤية اليوم الذي تتوحد فيه بلداننا ومجتمعاتنا، كما تتوحد البلدان والمجتمعات الأخرى.

 ومن جهة أخرى فإن عين الباحث الاجتماعي العليم تتجلى من خلال بعض العبارات التي تضمنها نص الحوار أعلاه للراوي مع (أنطونيو)، مثل قول (أنطونيو): ((انظر هناك عند تلك الجبال العالية بسفوحها الخضراء المزدحمة بالأشجار المختلفة المحملة بالثمار، نحن هكذا..))، وقوله: ((ولكنهم انفقوا على هوية البلاد المشتركة في شعار رفعته السلطات الوحدة في التنوع))، وقوله: ((لنا نمطنا الخاص في التعايش،))، وقوله: ((ينتقل هذا النمط بطريقة سلسلة مسالمة من جيل إلى آخر في توق معرفي ورضىً قلَّ ما نشهده في بعض الدول الأخرى))، وقوله: ((لا يوجد فرق بيننا))، وقوله: ((أما أبناء السلطات فلم يَروا في الشوارع مطلقاً، لكن كثيراً ما نسمع عن كرمهم وتواضعهم بين الناس الذين يتعاملون مع كلّ شريحة من شرائح شعبهم وكأنهم أهلٌ لهم، شهرتهم الواسعة وصيتهم الرنّان حافظتا على ثروتهم التي كانت تزداد عاماً بعد عام))، هذه العبارات وغيرها تجسد لنا رؤية الكاتب في ترسيم ملامح الحل لمشكلتنا المجتمعية إذا ما أردناه.

اختلاف العقائد

وفي مكان آخر من الرواية نجد حوارات أخرى تدور حول الاختلاف العقائدي وبتفصيلات أدق، وهذا توضيح للمتلقي بأهمية هذا الأمر والاستفادة من تجارب الغير في التوحد رغم اختلافاتهم العميقة وتنوعهم، وضرورة فتح الباب والجلوس مع الآخر والتعايش معه من أجل حياة رغيدة ومستقبل هانئ لأجيال قادمة وهذا ما أراد الراوي إيصاله عندما استفهم من صديقه انطونيو بقوله:

((- وما رأي الإسلام بديانتكم البوذية؟

 – لم نختلف أبداً ، كنا ومازلنا نمارس طقوسنا في حرية مطلقة مع احترام واضح من كلّ الطوائف والديانات الأخرى، ونحن بدورنا نشدد على رجالاتنا ونسائنا وبناتنا وأبنائنا على احترام الآخرين؛ كي نُحتَرم. فمن المستحيل التعايش بسلام أذا لم نحترم بعضنا، وبالتالي فالخير لا يأتي إلا إذا كانت نفوس الجميع مسالمة بغض النظر عن انتمائها الديني أو ألاثني.9

ونراه في نهاية الحوار يعود لينشأ لنا قناعة كبيرة عن تعايشهم السلمي وحرية الاختيار فيقول: ((- وما رأي ديانتكم بمن يخرج عنها ويدخل الإسلام؟

أجاب بطريقة مهذبة:

– لسعادة الأجيال القادمة يجب العمل ضمن حدود العقل لا الرغبة.

– ما تقصد؟

– نترك هذا الأمر لكلّ فرد؛ لحظتها هو الذي يقرر)) (10).

وهذا ما وجدناه وهو يصف (سريلانكا): أمثلة عن الاتحاد على الرغم من الاختلافات، وان من يكون كاليد الواحدة سيرضى الله عنهم لأن الله بحكمته خلقنا ونحن مختلفون في الألسن والألوان والأشكال، وعندما نصل إلى هذا المستوى من التوحد فإنه يثمر حياة منتظمة جميلة يسودها التناغم، ويتلخص ذلك بقوله: ((أناس رضوا بعيشتهم ورَضيت بهم الدنيا ثمَّ وسعت لهم من صدرها)) (11).

إن هذه الصور التي يرسمها لنا الراوي تقدّم لنا عيّنة من عيّنات النظرية البنائية التوافقية في علم الاجتماع فالقيم المحورية التي تشكل الروابط الأساسية بين أبناء تلك المجتمعات، والمدنية وروح المواطنة، التي تجعل من الاختلاف وسيلة للإنتاج، وليس وسيلة للخلاف والإتلاف.

تعايش سلمي

ولم يقتصر الوصف في التركيز على التعايش السلمي وآثاره في تلك المجتمعات، وإنما يتعداه إلى توصيف آخر أثناء مروره بسنغافورة، وهو توصيف لاحترام القانون والعمل به، ولحماية القانون لنفسه بالوسائل الرصينة والمرنة التي تنتج تسلط رجل القانون على أفراد المجتمع تسلطاً مرنا متحضّراً، كما لا تترك الفرد يعيث في الأرض فساداً مستغلا أي غياب لعين السلطة، فأنت لا تجد مثلما نجده في بلداننا العربية، رجال الشرطة وهم يقفون متسمرين غضبا بوجه المارة في الطرقات؛ فقد قدم لنا الراوي صورة جميلة عن التنظيم الاجتماعي المتقن، لتلك المجتمعات وهي صورة من التعاون والالتزام، الأمر الذي كفل سير الأمور على أحسن ما يرام، لأن هذه الأنظمة تقوم على فكرة المراقبة المتواصلة والسيطرة، وهذا ما نقله الراوي بقوله: “تلتفت ذات اليمين، ذات الشمال، ليس من الضروري أن تشاهد رجال الشرطة تقف بوجوهها غضب تراقب الناس عند كل تقاطع أو زقاق، ولكن احذر! فالكاميرات موجودة في كل مكان))(12).

وهنا “قد جرى استبدال الانضباط الخارجي والإكراه العلني ليحل محلهما الانضباط الذاتي. وفي عملية التحضير هذه تغيرت على نحو جذري عقلية الفرد المعاصر” (13)? وهذا هو التنظيم العالي والرفيع مراعاة لتطور الفرد السنغافوري والتزامه من تلقاء نفسه، لأنه يعرف أن هناك قانون مقدس لا مجاملة فيه.

 وعلى المستوى الثقافي نجد أن الراوي قد اهتم – بقصد أو بغيره – بجوانب ثقافية أخرى للبلدان التي يقف عند موانئها، فمثلا عند إقامته في اندونيسيا تأخذه المحبوبة (رستوريتا) إلى أهلها وتطلعه على تقاليد سنوية عندهم :

((لم أكن أعلم من المستحيل أن أميز ملامح الراقصين هناك، كانوا خليطاً عجيبا من الألوان تتمازج؛ لتشكلّ لوحة تشبه الوفلكلّور…..خلال وميض لهيب النار ألمح بعضَ وجوهٍ حملتها أجسادٌ شبه عارية سمرا تبرق مرة وتخبو أخرى، تلتمع منها أسنان بيضاء من أفواه صائحة تتسع ضاحكة تحت بريق عيون دامعة من فرط البهجة، توّجت رؤوسهم بأكاليل من صغار الورد الأبيض والأحمر تشبه التي علقت في أعناقهم قلائد))(14).

أن التقاليد التي تبعث البهجة والسرور من أهم وأجمل التقاليد التي تجمع شتات القلوب وتنقي النفوس وتعطيها جرعات نقاهة مستمرة، وخاصة إذا ما كانت تلك التقاليد أو الطقوس مرتبطة أو مطعمة بالفلكلور الذي يعيد إلى الأذهان ذكريات الماضي الجميل والأصالة التي دائما ما يحن إليها المجتمع. ولعمري إن تلك التقاليد فقدت روحها ورونقها في مجتمعاتنا التي شُحنت أجواءها برائحة ولون الدم والإرهاب والتناحر بين أبناء المجتمع الواحد.

 فيما نجد أن الراوي – في موضع آخر من الرواية – يصف طبيعة سكان سنغافورة وكيف قد وجدت السعادة طريقها وسكنت بينهم، فيقول:

 ((قرّرتُ النزول من السفينة والطواف في شوارع المدينة كنت سعيداً في سنغافورة؛ إذ لا يعرفني فيها أحد؛ مدينة من المدن الشديدة الحرص على النظافة والهدوء، ينتصب على أرصفتها الجمال، تعجّ شوارعها بالمحال المتخمة بالبضائع المنوعة، تنتشر هنا وهناك المقاعد، يجلس عليها أناس يضحكون مستعدون دائماً وبشكل خرافي رسم البهجة في القلوب)) (15).

وفي هذا النص نرى أنه يؤكد في وصفه على أدق الأشياء كجمال تنظيم المدينة وعمرانها ونظافة شوارعها مما يعكس اهتمام ذلك المجتمع بهذه الجوانب التي كثيراً ما نفتقدها في مجتمعاتنا، والتي للثقافة العامة والخاصة دورها الرئيس في بناء تلك قاعدة ثقافية رصينة يبتني عليها وضع ستراتيجيات وخطط مهمة وناجحة في عمران وتنظيم المدينة والتزام أهلها بالحفاظ على عمرانها ونظافتها.

وفي ختام هذه القراءة يمكنني القول فإذا بأنّ رواية (بحر أزرق.. قمر أبيض) تنتمي – وبجدارة – إلى أدب الرحلات، فإنه لا بد من القول إنها أيضا تنتمي – وبجدارة – إلى النقد الاجتماعي، كما يمكنني أن أقول بأن أدب الرحلات هو وسيلة من وسائل التوصيل إن لم أكن مبالغة في قولي إنها أيضا وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي المهمة التي تنقل تجربة الشعوب الأخرى بعين ناقدة.

الهوامش:

1- علم المشكلات الاجتماعية، أ. د. معن خليل العمر، ط11/ الإصدار الثاني، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، 2005? ص 18.

2- المصدر نفسه، ص18.

3- ظ: المصدر نفسه، ص 17.

4- المصدر نفسه، ص19

5- النظريات الاجتماعية والممارسة البحثية، فيليب جونز، ترجمة: د. محمد ياسر الخواجة، ط11 مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة – مصر، 2010ص47.

6- المصدر نفسه، ص46.

7- المصدر نفسه، ص51.

8- بحر ازرق.. قمر ابيض، حسن البحار، ط1 الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2014 ص18.

9- المصدر نفسه، ص19.

10- المصدر نفسه، ص19.

11- المصدر نفسه، ص500.

12- المصدر نفسه، ص39.

13- النظرية الاجتماعية والواقع الانساني، برتي السوتارى ، ترجمة: علي فرغلي، الطبعة الأولى، المركز القومي للترجمة، القاهرة – مصر، 2015. ص208.

14- بحر ازرق ..قمر ابيض، ص51.

15- المصدر نفسه، ص 38.

المصادر:

1- علم المشكلات الاجتماعية، أ. د. معن خليل العمر، ط11/ الإصدار الثاني، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، 2005.

2- النظريات الاجتماعية والممارسة البحثية، فيليب جونز، ترجمة: د. محمد ياسر الخواجة، ط11? مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة – مصر، 2010.

3- النظرية الاجتماعية والواقع الانساني، برتي السوتارى ، ترجمة: علي فرغلي، الطبعة الأولى، المركز القومي للترجمة، القاهرة – مصر.

4- بحر ازرق.. قمر ابيض، حسن البحار، ط1 الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2014.