
فصول من رؤيا الكتابة الروائية 2-2
العصامية القاسية تصنع الكاتب ومدينته
نعيم عبد مهلهل
مجد ساكو فانزيتي ليس في حصولهما على البراءة بعد حوالي 57 عاماً ، بل في تلك المتعة والالهام الذي صنع دافع رواية بما يتلاءم ووقائع ما نعيش في مجتمع غالبية طبقاته من الفقراء والمعدومين ، هذا الدافع الذي سكن صبانا ونحن نتأمل وجهيهما في مساحة الأمل بأن العدل سوف يمنحهما براءته بالرغم من أنهما كانا يعلمان أن هذا السيناريو قائمٌ على الظلم والتلفيق والكره وكأنهما أتيا هنا ليخربا الحلم الرأسمالي بنضالها بين طبقة العمال أكثر مما تفعله المافيات الصقلية في حانات الليل والقمار والشوارع الخلفية في شيكاغو ونيويورك ولاس فيغاس.
جيل كامل يتسمر امام الشاشة البيضاء ، يذرف دموعه مع محنة هذين الكادحين بعدما كنا نذرف الدموع في الأفلام الهندية فقط ، لكن رومانسية اللحظات العنيدة التي قضاها العاملين ساكو وفانزيتي في مواجهة أفتراءات المحققين صنعت في قلوبنا وعقولنا قناعات أن الحلم اليساري لسوف يغيض الجميع في نضاله من اجل احلامه ، واتذكر تفسيرا آخراً لمعلمنا : هذا الفيلم يعلمنا الى أي جهة نبعث بنظراتنا عندما نحتاج الى الحرية والأمل وعطر الوردة.
وهو ذاته ايضا علمني البدايات المرتعشة لتخيل رواية سأكتبها في السر ومع خربشة قلم الرصاص الذي كنت أُبريه بأسناني عندما تنتهي فحمته ، فالفقراء في ذلك الزمن يعتبرون شراء المبراة ترفا أو أنها لاتتلاءم ومستوى سطح الانفاق في جيوبهم.
من تلك الطفولة القديمة ومن ذلك الصبا المتحمس أتخيل الوجوه المغدورة بصعقةِ الكهرباء ، وكيف كنا نرتجف مع ارتجاف الاداء الحقيقي للممثلين ، ويبدو أن السينما الايطالية بواقعيتها الجديدة وضعت مع هذا الفيلم مسارات الحداثة في نمط الاعمال المقدمة ليخلصها من موجتها الكلاسيكية والاباحية والرومانسية ، فيخلط هذا كله في رؤية العدسة الجديدة للحدث في ظل استعار الحرب الباردة وحرب فيتنام وموجات العبث وبادر ماينهوف وعمليات الفدائية ليلى خالد.
من ذلك الزمن الذي لن يعود عطره لأن التأريخ لايلبس ثوبه مرتين ، أحمل حنين الذكريات وأمنياتنا لتتحول الغيوم الى مركبات فضاء وتحملنا الى قبري ساكو وفانزيتي لنضع عليهما باقات ورد وفاء منا لتلك الشحنة الانسانية والوطنية والجمالية والتي حملوها لنا في مشاعر طفولية جميلة وبدايات الشعور بنمو موهبة الروي فينا .
وكان الدافع لنا لنكتب ونروي ونذرف الدمع هو أصرارهما على أنهما أصحاب قضية وأنهما ابرياء وليس قتله …
( 5 ) روايات طفولتنا الهندية
ليس للمبدع في تذكر موهبته سوى أن يعود الى احساس طفولته الأولى ، إذا افترضنا ان ما ينتجه بعد ذلك يشكل بوابة مفتوحة الى طفولته الثانية ، وهناك طفولة ثالثة في حياة البشر هي تلك الكهولة الهادئة والثقيلة الحركة والتي يسكنها شتات التذكر لما كان يجري على شكل رواية غير واضحة المعالم ، لكنها تُستعاد في التصرف الطفولي وتلك الخربشات العبثية والتصرف الذي يعيشه الكهول وهم يطلبون حلوى ( البوم بومب / المصاصة) كما يطلبها طفل بعمر اربع سنوات.
تلك الازمنة لا توثق جيدا إلا من خلال المرويات التي وحدها من جعلت التاريخ شاهد العيان الاقرب توثيقا للحياة الحضارية للارض وما عليها. ومن بعضها تلك الأزمنة التي تلاصق تماما نشوء ذاكرتنا المجتمعية ويوثقها الحدث المرتهن بحواس البشر ورغبتهم في المحاكاة والتقليد والنبوغ ، وكل تلك الهواجس لاتنمو فينا وتتوثق وتبدع إلا من خلال التأمل والمتابعة والأعجاب والمحاكاة للجديد الذي نراه ونسمعهُ ونحسهُ ونعيشهُ على مستوى الواقع والحلم .
وأعتقد أن الفن السينمائي وفرَ لنا الكثير من هذه الاشتغالات التي تطور فينا لغة التعامل والارتباط والمُحاكاة لهذا العالم ، ومن بعضها الافلام الهندية التي كانت تقدمها سينما مدينتنا لروادها الذين أغلبهم من الفقراء والعشاق.
وقبل فترة توفي الممثل الهندي المعروف (راجيش كنا ) صاحب الفيلم الرومانسي الشهير ( إنداز ) الذي شاركه فيه البطولة الفيس بريسلي السينما الهندية شامي كابور والذي توفي قبل فترة أيضا وكانت بطلة الفيلم ملكة جمال الهند وقتها هيما ميلاني.
شجن الفقر
الممثل ( راجيش كنا ) الذي ملأ طفولتنا بالأحلام وشجن الفقر والانشداد الى شاشة السينما كان يمثل لنا اقصى ما تتمناه طفولتنا الرومانسية من غرام وموسيقى والابحار الى الخيال المدهش في عوالم الموسيقى الهندية الساهرة وقصص الافلام التي كانت تبكينا وتضحكنا وتجعلنا نعوم في الأمل والعشق والدموع وهي وحدها من ملأت خيال الكثير من المبدعين رغبة البدء بنسج حكاياتهم وقصائدهم على منوال تلك الرومانسية الجميلة التي ملئت الأفلام السينمائية وموسيقى اغانيها وسيناريوهاتها التي في اغلبها تبدأ حزينة وتنتهي بالصدفة السعيدة .
مات راجيش كنا الذي كنا نعتبره ساحراً بحركاته الراقصة وأبتساماته واغانيه ليعيش معنا وسائد النوم في الليل الذي لا تضيء سماءه سوى الفوانيس وتخيل امتلاك نساء بجمال الممثلات هيما ميلاني وآشا باريخ وممتاز وفيجانتي مالا والراقصة هيلين..
هذا الموت لواحد من مؤسسي دافع صناعة لمعان الحروف على ورق دفاترنا المدرسية الأصفر أعاد الي طيفا عريضا من مشاهد الذكريات ، لحظة كان يسكننا الليل في متعة تذكر ما شاهدناه في الفيلم الهندي لتقودنا متعة التذكر الى المحاكاة ومن ثم نبدأ لنسطر أول محاولات ربط نبض قلوبنا مع هذا العالم من خلال حكاية.
حكاية تروي آمالنا الفقيرة وجرأة الشهوة فينا عندما نطابق في افتراض الروي أن كل الذي شاهدناه في الفيلم الهندي هو يقارب تماما وقائع حياتنا بذلك الفقر والجنوب الملتهب كما مناخ الهند بلهيب حرارة الصيف ورياح الشرقي الرطبة ، فيصبح هذا القرين فعالا في دافع صنع الرغبة فيما كان يتوهج داخلنا لنحوله الى شجنٍ محكي يغرق في رومانسية لاحدود لصورها ومشاعرها وفصولها من الحصول على قصر في وديان وجبال الهملايا وكشمير الساحرة الى جمع دموع اليتيم في فيلم أم الهند بأنية اجفاننا ونحن نسجل نبضات قلوبنا المتسارعة على شكل حكاية تجمع بين الحلم والغرام وتعلم كتابة الاغاني والأماني التي يود فيها كل واحد منا ان يتحول الى مهراجا.
مات راجيش كنا الذي كان من بعض ذكريات السبعينيات وجمال ايامها في جعل السينما متعة الروح والغرق في فنتازيا اخيلة زرقاء وبيضاء ومعطرة باللقطات الملونة التي تسرقنا من بيوت الطين الى شوارع دلهي وبومباي وحدائق تاج محل .
لقد كان ( راجيش كنا ) بفتنته الساحرة ورقصه المتقن وصوته الحنون يأخذنا الى اقصى ما نتمناه ونشتهيه بالرغم من الجوع الذي كان يسكن بطوننا .
هذا الهندي المبدع يبقى في خيال الأجيال التي سرحت مع عذوبة صوته ورومانسية مشاهده السينمائية صورة مستعادة في سطر حكاية أو البوم صور لصانع الحلم في اجفان طفولتنا الفقيرة التي كانت الموسيقى الهندية تغذيها بآمال لاتنتهي من أحلام السفر ومجالسة الأميرات والسكن في بيوت من الرخام وليس من الطين الذي ظل يلاصق قدريتنا منذ خليقة سومر وحتى اليوم…!كان ثمن بطاقة السينما 40 فلسا ، وكان ذلك المبلغ كبيرا على ابائنا وحتى نحصل على متعة مشاهدة الفيلم الهندي ولم يمكن بمقدورنا أن نحصل جميعنا على ثمن البطاقة كنا نجتمع ستة اطفال ونجمع مصروفنا اليومي ليكون اربعين فلسا ونعمل قرعة فيما بيننا والذي يفوز ويذهب ليشاهد الفيلم عليه ان يعود ليقص لنا حكاية الفيلم لاكثر من عشرة مرات وهذا ما حدث لنا نحن أطفال شارع اسديناوية في المحلة الشرقية بمدينة الناصرية ( 360 كم ــ جنوب بغداد ) عندما تم عرض الفيلم الهندي الشهير ( سنكام ) بداية سبعينيات القرن الماضي وكان من بطولة الممثل والمخرج راج كابور والممثل راجندر كومار والممثلة فيجنتي مالا . وكنا نتفاعل من نال الحظ وفاز بمشاهدة الفيلم نيابة عنا وكنا نضحك حين يضحك في المواقف المضحكة ونبكي حين يبكي في المواقف المبكية وأعتقد أن هذه الحكايات وتخيلنا لمشاهدنا دون أن نرى ممثليها هي من منحتنا القدرة مستقبلا لنطالع ونكتب بحرفة بين أن يكون أحدنا شاعراً أو روائياً أو رساماً او كاتباً مسرحياً.
راجيش كنا ، وفيروز خان ، وراج كابور ، شامي كابور ، دليب كومار ، راجندر كومار ، مانوج كومار ، وآشا باريخ ، وهيما ميلاني ، ودارا مندر ، وفاجينتي مالا ..وغيرهم كانوا يمثلون أسطرة لطفولة الجنوب الذي جعلنا نعتقد أن السينما تغذي في أرواحنا الحلم والأمل مثلما يغذي الخبز في ارواحنا الصحة والحياة والأنتصار على الجوع .
مات راجيش كنا ، ومات معه اليأس من عودة ذلك العصر الذهبي لمتعة القراءة ومشاهدة الافلام السينما ، فقد كان ذلك الزمن موشوما ببراءة العيش والبساطة والقناعة .
هو زمن طفولتنا الهندية الذي رسم تحت اجفاننا اول تفاصيل لدراما الجوع والفقر والبحث عن الجمال والغنى من خلال اغنية ورقصة وقصة معذبين ينتتهي قدرهما بالنهاية السعيدة ولكن بعد أكثر من ساعتين من البكاء.
مات راجيش كنا . وسنموت نحن .ويموت الذين يأتون من بعدنا ، لكن العلامات الفارقة في ذاكرة العصور لن تموت .فهي وحدها من تؤرخ للأجيال القادمة الحياة التي كنا نعيشها نحن وسيعيشها غيرنا وحتما سيكون المؤرخ وشاهد العيان تلك الروايات التي كتبت بفطرة وحرفية وبعضها نشر والبعض بقي في ادراج الدفاتر الشخصية ، وفي المحصلة كانت تلك الأفلام من بعض تلك الشهوات التي صنعتها تلك الرومانسية المصحوبة بعطر القصور المغولية والابخرة الهندوسية والتأملات البوذية والكنارات التي تطلق الاصوات العذبة لتمرر دهشة التامل المتسمر امام شاشات السينما ونحن مأخوذين بكل التفاصيل التي كتبت لتجعل الفقير يعيش على امل الحصول على الكنز والمراة الساحرة..!
( 6 ) أنطوان دوسانت إكزوبري
هناك في صحراء الدهشة تولد الرواية
بعضُ الخلق في الرواية متعة القارئ أولاً …والحقيقة أن الرواية تكتب لشعور مؤلفها بهاجس التأريخ يسكنهً حتى لو كان البدء سريرَ غرام.
كان سانت اكزبوري ساعي البريد لأسطورة المغامرة بالطائرات ويقول :كتبت رواية الأمير الصغير فقط لأفتش عن تاريخ البشر والوردة .
رؤية سانت اكزبوري تلك وعيتها جيدا في اختفائه الاسطوري مع طائرته في أفق تمناه هو ليكون قبرا لمجهوله اللغز ، تاركا في اكياس رسائل بريد الجنوب مخطوطات كل رواياته ويومياته التي كانت اديث ستويل تغنيها في حانتها الصغيرة في كازابلانكا والتي قادني اليها ذات مساء صديقي الروائي والقاص المراكشي انيس الرفاعي فأقف مذهولا في رؤى المكان ودفء المرأة التي تعود اكزبوري على رخامة صوتها وهو يبلل قلم الكتابة في حبر روايته ويكتب مشدوداً بثمالة ما فيها من عذوبة وانوثة وهي تقرر ان يكون غرامها في حضن بطل فرنسا للملاكمة وليس في احضان الشعراء والروائيين والشعراء الفرنسيين الذين عشقوا صوتها من رينيه شار وحتى جان بول سارتر والبير كامو وايف بونفوا ….
تحلم الرواية لتصنع قدرها الوجودي من خلال تأريخ لهاجس أو لحظة او مكان وفي المحصلة الإنسانية في هكذا خلق نحصل على تفسير منطقي لمجل السيرة الحياتية لحياة الارض منذ آدم وحواء وحتى اللحظة التي شُيعَ فيها أهل مدينة العمارة روائيهم الشاب الروائي الشاب المرحوم محمد الحمراني صاحب رواية (انفي يطلق الفراشات ) .
بعض الخلق في الرواية يرسم افقا بحدود وزوايا تختلف بمقدار ما يملكهُ كتابها من وعي وموهبة وثقافة وتحضر ، والخلق في الرواية يختلف تماماً عن الخلق الشعري ، فالشاعر قد ينتظر الملائكة فقط ليصنع القصيدة والروائي عليه أن ينتظر الملائكة وما يمنحهُ له المحيط والبيئة التي يعيشها…!
سانت أكزبوري يكتب من خلال ثقته بالمساحات المطلقة كحقيقة للوجود الرائع للبشر لهذا جعل من الصحراء المكان الاقرب لكل احلامه وتوقع لنهايتها أن تدفن تحت الرماد الخالدة كما صدى موسيقى سعف النخيل في واحات الصحراء الليبية عندما جعل من حقائب البريد الجوي خواطر قراءة العالم الرملي الشاسع وبذلك يقترب البوح مع رسالة الكاتب ويؤسس هذا المغامر الفرنسي في رواياته نمطاً سردياً يمازج بين الصوفية الروحية الرائية وبين فلسفة قراءة المكان والانتماء اليه وجعله الأبد الذي يشعرهُ انه يستقر فيه ويعشقه ويعرفه ويروي أحاسيسه في روايات يمثلها هو بهاجس القرين الحتمي المصنوع من أيمان اكزبوري أن المكان هو الزاوية الأكثر أقتراباً من قناعتنا :أننا ولدنا لنــكون هنا.
سحر الرمال
وربما هذه القناعة بالمكان ورواياته لخصها سانت اكزبوري بقوله : لقد سُقيتُ من سحر الرمال… فيما يقوم آخرون بحفر أبارهم البترولية من أجل أن تربح تجارتهم… لكن هؤلاء على أية حال وصلوا بعد فوات الأوان لأن تلك الواحات البعيدة باحت لنا بأسرارها قبل وصولهم… لقد عرفت كيف أقترب من الصحراء …فعلت ذلك بقلبي… وفي عام 1935 فيما كنت في طريقي إلى الصين وجدت نفسي في تخوم ليبيا… ضننت أنني كنت سأدفن تحت التراب هناك… وهذه هي حكايتي.
دائما أقرأ سانت أكزبوري ، فقط لأهرب من زحام المدن المكتظة بتعاسة التخبط والسير المزدحم وتشتت الحواس والذاكرة ، أنه يمارس سطوة المسافة في عمق ارواحنا عندما نقرأه في رواياته المرتبطة بمكاتيب المدن والمغامرات الغير محسوبة بطائرة البريد الشراعية فوق صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا زرع ، وكان دائما يصل ليوثق في أختام الرسائل تحيات الجنود وقبائل الواحات وتواقيع الحكام ورؤساء الوحدات الادارية في المستعمرات الفرنسية في الشمال الافريقي ، فلقد حررته هذه الامكنة المفتوحة من قول قديم له : لقد كنا نعيش في عالم مغلق لكل خطوة فيه طعم لذيذ ، وكان لكل شيء معنى يخصه .
لقد جعل من الفضاء وصحرائه نقطة الرؤية الوحيدة لأشباع رغبته الروحية والجمالية في محاكاة العالم ، وربما لحظة التحليق في طائرة جعلت اكزبوري يحلق في المديات التي تجعل الزرقة واضحة وكاشفة للأسرار الخفية لعالم الصحراء ، مما جعلهُ يدرك وكما نحسها في مجمل حوارات رواياته أن لحظة الطيران بالنسبة لسانت اكزبوري هي لحظة الخفايا المدفونة في باطن الأرض ، فلقد كانت تلك الرسائل والاحاسيس لا تصل الى المرسلة اليهم إلا عبر مغامر مثقف وطائرة تكون في النهاية القبر الذي توقعه ليكون مكان الابد الخالد ، ولتبدأ دراما البحث عن رفاة سانت اكزبوري وسط اهتمام ومتابعة العالم كله.
لكن الصحراء التي يعشقها لم تمنحه في قدرية حلمها معه أن تكون لحده الذي تمنى ، فقد عاش لحظة معرفة موته في ذات الخيال الروائي المسكون في ذاكرة عراف فطن مثل سانت اكزبوري كما في هذه الشهادة عن ارملة الروائي المغدور غرقا مع طائرته :
روت كونسويلو أسونثين، أرملة الكاتب الفرنسي أنطوان دوسانت إكزوبري (1900 ـ (1944 في مذكرات الوردة الذي صدر عام 2000 عقب وفاتها، أن زوجها وصف لها ذات يوم مشاعره كغريق تحطمت طائرته فوق البحر فقال: «إنه من السهل أن يموت الإنسان غرقا. دعيني أروي لك ذلك: يجب أن يدرك المرء بسرعة، أنه لن يستطيع تنفس الأوكسجين، بل يجب أن يتنفس الماء بواسطة رئتيه: ينبغي ألا تسعلي، فالماء يجب ألا يتسرب عبر أنفك. ستشعرين بالراحة، مثلي، وأنت تتنفسين جرعة الماء الأولى. إنه بارد، وكل شيء سيكون على ما يرام بعد ذلك».
اقرأ روايات سانت اكزبوري لأعرف مستويات سطوع الكلمات وهي تروي حكاياتها في مستويات الدهشة الابعد، دهشة الرمل ، دهشة محرك الطائرة في صوته الخرافي على موجات هائلة من العواصف والشمس الساطعة والمساحات المرئية في جمالية مايشعر فيه ويحول هذا الشعور الى محاكاة مع الواقع وتلك البيئة الفطرية البريئة التي جعلت من الشرق الافريقي مصدر الهام لروائي قرب الوعي بسحريته وفنتازيته الى مستوى كتابة جديدة اقترنت بالفعل ليصير هذا الطيار / الروائي صاحب مغامرة ولغة بليغة ، عندما حول الطيران البدائي في المجهول البعيد الى روايات وفلسفة ولغة ادرك بجمال تأملها :أن الروائي هو من يصل مع شخوصه الى تفسير الحياة بالرؤية التي نألفها والتي لانألفها ،وفي المحصلة ، كل شيء في راوايات سانت اكزبوري يكتب في النقطة التي تقع فوق رؤوسنا حتى في روايته الطفولية العميقة فقد كتبت في مكان بعيد في الفضاء الخارجي.
لقد جعله الطيران يعي العالم ويراه كمن ينظر اليه بناظور مكبر الف مرة ، دائما الحياة بالنسبة لاكزبوري ان تذهب بعيدا لتكتشف ، ودائما امكنته فارغة من البشر وربما القليل منهم اولئك الذين يتناثرون بمجاميع صغيرة في صحراء بحجم قارة ولهذا كانت رواياته تبحث في المكان عن شيء لانراه ولكننا نحسه ، لهذا نراه في كل مرة يمدح هذا الطيران الحر فوق محيطات الرمل بقوله:
لا أفهم شيئًا من كل ذلك… فعالمي هو الطيران. أشعر بالغسق الذي يقترب والذي ننغلق فيه كأننا في معبد… هناك حيث نغلق على أنفسنا الأبواب غارقين في صلوات هي أقرب إلي طقوس بدئية في عوالم الأسرار. لم يأت الغسق بعد حتى يختفي العالم المرئي… مازال المكان تمسحه أضواء ذهبية…
لكن شيئا فشيئأ تختفي الأضواء.
لا أظن أن روائيا بدهشة اكزبوري سيتكرر ، لأن العولمة والتفكير الجديد والثورات الحقيقية والزائفة سوف لن تسمح بذلك ، وستبقى تلك المرويات الأنسانية الشفافة الأحدث الجميل في التراث الانساني ، أنه ينقل لنا الحلم والوعي والذكريات حتى عندما ينأى بها مع أحلام أميره الصغير في الكوكب البعيد وبالرغم من هذا هو يحفزنا مع مرويات اميره واكتشافاته البسيطة نستعيد كل موجودات طفولتنا المنسية.
سانت اكزبوري ..الذي صنع لنا الجديد في اخلاقيات المروي في ثقافة الصحراء ومكنونها الخفي ، لا أظن أنه سيتجدد في رؤية قريبة لتلك الروح الانسانية المغامرة وهو يضع في اكياس رسائل بريد الجنوب الامكنة والشهوات والتحيات التي يكتبها الجنود والعشاق وموظفي دوائر مدن ماوراء البحار.
أكزبوري. رسم الخروف والوردة في قصد واحد في قلب اميره ليقودنا الى اكتشاف الحياة بالطريقة المثالية الصافية التي تحتاجها عولمتنا لتعرف جمالية المنابع الحقيقية التي تتجدد كل يوم في روح المعنى ولمعانه.
أكزبوري يروي لأنه يدرك أن في الرواية فهم الحياة والتواصل معها ، وقد اختار المكان الخطر والمجهول ليكون نقطة الولوج الى فهم مايجري في عالمنا اليوم وأمس وغدا………!
7 ) )رواية الخبز الحافي وطنجة وأور
اشتريت رواية الخبز الحافي للروائي المغربي محمد شكري من مكتبة بجوار مقهى فرنسا في مدينة كازابلانكا وقرأتها على حد قول اغنية المرحومة وردة الجزائرية ( في يوم وليلة ) وهي أي ( الخبز الحافي ) وحدها من أثارني وحفزني لأركب ناقة ابن بطوطة وأرحل الى طنجة ، باحثا عن امكنة الرواية وشخوصها وارائك وحانات ومسكن كاتبها الواقعة في شارع تولستوي بطنجة. وكان عليَّ أن استغل مسافة الليل الطويل الذي يطويه القطار من الدار البيضاء في الساعة والواحدة منتصف الليل حتى محطة طنجة في الساعة التاسعة صباحا حيث أعدت قراءة رواية الخبز الحافي ثانية ولتشكل بدهشتها وفطرتها وحدتها ومأساويتها واباحيتها وجرأتها بوابة لكتاب حملته ناقة ابن بطوطة على اكتاف الغيوم لأسجل فيه تاريخ رجل ومدينة وتلك الاشكالية في تداخل القراءة بين صاحب الخبز الحافي والرحالة الطنجاوي عَدها الروائي السوري ( خليل صويلح ) في مقال له بجريدة الاخبار اللبنانية العدد 1-;-7-;-4-;-4-;- الجمعة 2-;-9-;- حزيران 2-;-0-;-1-;-2-;- عن كتابي ( رحلة ابن بطوطة ــ عولمة البعير والدبابة ) وكما أراه وأحسهُ تداخلاً غير موفقاً ومستعجلاً ومرتبكاً يروي مشاهدات كاتب لظلال كاتب رواية الخبز الحافي ، وحسبي انه لم يقرأ الكتاب جيدا وبدا عليه الكثير من حماس المتحامل وعدم فهم رؤيا سبب جعلي الخبز الحافي نافذة لقراءة طنجة ثم التخلص من صيرورة الرواية لأقرا طنجة كما اراها انا وبموهبتي حتى لو عشت فيها شهرا فقط ، وهو ( صويلح ) يرى في مقاله (المستعجل ) أن شهرا بطنجة لا يكفي لقراءتها ، وهو على صواب ، لكنه لو كان يدرك جغرافية ومذهب وفكرة كتابتي للكتاب لعرف اني في هذا الشهر مسكت اهم ما تمنيت ان امسكه عن طنجة وعن حكواتيها الشهير محمد شكري .
لكنه كان يكتب بمزاج أنه اعلم بطنجة من كاتب الكتاب ( أنا ) وأظن انه لم يرَ طنجة ولم يزرها ، وحتما حين يزورها لم يفهمها كما فهمتها انا متكأ على مرجعيات موهبتي الاسطورية وتشابه قدريات المكان في سير التاريخ وطوبوغرافيتها حيث يقول محمد شكري أن اسم طنجة جاء من المكان الذي رست فيه سفينة نوح عندما ارسل النبي حمامته لتستكشف له البر في رحلة الطوفان ، وعادت له مبشرة بالوصول الآمن الى البرد وهي تقول : الطين جا …ومن هنا امتزجت المفردتان في المكان لتكون طنجة ، وقد ذكر شكري هذا المغزى في كتابه الحكائي زمن الأخطاء :
(( يحكون عنك أن طينة الخلاص منك ، وأن نوحا منك قد تفيأ الأمان .
وأنه حمامة أو هدهد
وأنه غراب
وبين موجتين تناسلت طنجة ملء زبد البحار ..) لم يفهم خليل صويلح في عرضه المستعجل أني كنت اسير بموازاة هاجسين ( المدينة ، والخبز الحافي ) واني لن ارهن المنجز بتأملات ثلاثين يوميا ، بل كنت ارهنه بما اكتسبته من معرفتي الجغرافية للمكان من قراءات قديمة أبتدات من قصص المكتبة المدرسية وكتبها وانتهت في قراءاتي لرحلة أبن بطوطة وأنا في المرحلة الثانوية ، وأي حالم يسبقه حلمه القديم لجديد المدينة التي يراها لأول مرة سيشعر انه رأها من قبل لألف مرة.لا أخفي مشاعر القهر التي طغت على الراوية ( الخبز الحافي ) وراويها وهو يوغل في ابعد مناطق الأستلاب والفقر والقسوة ، وكنت دائما اتخيل ردة فعل ( شكري ) أزاء الأب الذي لايعرف الحنان ازاء جميع افراد بيته ، ويوازها مشهد رد الفعل الذي مارسه شكري اتجاه تلك العلاقة المتنافرة بينه وبين ابيه ليمارسه في حياته اليومية وخاصة مع نساء ربما عاشن الحياة مثلما عاشها هو وانتهى بهن الامر في المواخير وارصفة الليل على الميناء او الائي يشاركن اللصوص في المقاهي المتأخرة اصطياد الثملين من السياح او البحارة وجنود البارجات الأجنبية الراسية في الميناء.
قرأ ( صويلح ) كتابي وهو راكبا سيارة ( بورش ) في رالي سريع ، وكتبت انا كتابي وانا راكب ناقة ابن طنجة ( ابن بطوطة ) وجنح نورس أستعرته من خيال المغاربة الواقفين على رصيف ( التنابله ) من جهة الميناء وهم يتأملون أطياف المكان الاندلسي ( أسبانيا ) ليذهبوا اليه مهاجرين ، وتلك المشاعر لايحتاج اي زائر وقتا طويلا ليفهمها عن شباب طنجة وأحلامهم التي لاتتوقف في الهجرة الى أوربا ، غير ان الخبز الحافي لم تلتفت الى هذه المشاعر ، لقد كانت الرواية هي رواية ( شكري ) وحده وانا استفدت منها ومن صاحبها لأقرا المدينة من زاوية الرواية العالمية ( الطنجة ) التي عاش فيها الجمال العالمي وتجنس بهويتها (بول بوولز ، جان جينيه ، هنري ميلر ، داكورلا ، البرتو مورافيا ، مارك توين ) وحتى برلسكوني اختارها لتكون مكانا لحفل عيد ميلاد ابنته الاسطوري.
والغريب ان معظم عشاق طنجة هم من الروائيين وهذا يعني ان طنجة هي مدينة ساردة ولا فضل لمحمد شكري في هذا ، بل أن جمال السر في اخيلتها جاءها من طبيعتها الجغرافية اولا وسحر ما تمنح من اجواء ومعاشرة وثقافة وربما ماذكره براين جبسن عن تلك المشاعر خير دليل في قولته المشهورة : أذا قدر لي يوما أن أكون مسلما ، فبسبب الموسيقى المغربية. لهذا في مراجعة متأنية لقراءة كتابي سيرى القارئ اني لم ارتدِ جلباب شكري في روايتي عن المدينة ( الباطن والظاهر ) بل انني في اغلب فصول الكتاب ذهبت الى ابعد من شكري لأروي عن مدينة تشبهني تماما ( شعراؤها ، مقاهيها ، بحرها ، غرباؤها ، خواطر طارق بن زياد ، مجانينها ، وخبزها الحافي ) ، وهذا الشبه جعلني أتكأ على ما منحتني اياه رواية الخبز الحافي لتكون مفتاح الولوج الى مدينة عليَّ ان اروي حكايتها بطريقتي الخاصة كما فعل كل الغرباء الذين زاروها وعاشوا فيها ، ولأني تعلمت الروي في ذاكرة المدينة من خلال أسطرة المكان حتى يكون مهيبا كما تأريخه وهذا ما فعلته في قراءتي لمدينتي ( اور ) ابتعدت عن ظلال شكري وتقاسيم وجهه الحادة كلما اطلقت اجفاني في فضاء المدينة لتكون روايتي وحدها من تتخيل المدينة ويومها وتواريخها وحتى في استخداماتي الاسطورية في رؤيا المدينة رحت استعير هواجس كتب اخرى غير الخبز الحافي ، فكانت رواية ( ايتاليو كالفينو ) المدهشة (مدن لامرئية ) هي القرين المرئي واللامرئي لقراءة مدينة وفهمها كما طنجة ، وربما هناك الكثير من الديالوكات من تستفيد من سحر حكايات كالفينو عن المدن التي لاترى وخاصة ما كان يجري بين الرحالة قبلاي خان وماركو بولو ولكن وفق اخيلتي وتصوراتي ورؤاي ولم اقتبس شيئا في متن كتابي من كتاب كالفينو ( مدن لاترى).
القاع السفلي
رواية محمد شكري رواية القاع السفلي للمدينة ، وهي رواية تبسط المخفي وتظهره وتؤرخه بطريقة رد الفعل المعاش ، من مبدع عاش الى سن العشرين أمياً ولكنه تعلم بعد ذلك بعصامية عجيبة ليكتب هذه الرواية ،لتروي لنا تلك العصامية القاسية التي صنعت الكاتب ومدينته. لم تكن الخبز الحافي رواية طنجة كلها كما فهمها ( سهوا ) خليل صويلح في قراءته لكتابي ، فلقد كتبها شكري لحياته هو ، الريف المغاربي في بني شكير عند الحدود الجزائرية وايامه التي قضاها في وهران تلك المدينة الشمالية التي تتعلق في ذاكرة كل تلميذ عربي من خلال ذكرها في نشيد ( بلاد العرب اوطاني ) ، ولكن طنجة تمحورت في الخبز الخالي لأن شكري اكتشف فيها ما كان يكمن فيه وربما هي من علمته ليكون جرئيا ومتفردا واباحيا في كشف كل مشاعره وانفعالاته ، وفي غير الخبز الحافي يظهر لنا شكري ثقافة عالمية عالية وربما رسائله مع المبدع الكبير محمد برادة تظهر ذلك تماما.كتب محمد شكري الخبز الحافي ، وكتبت أنا كتابي ، ولا مجال للمقارنة بينهما لان رواية شكري تعولمت بشكل فجائي وترجمت الى أكثر من اربعين لغة وبيعت بملايين النسخ وبفضلها صار شكري مشهورا ، أما أنا فلم ازل احبو في خواطر التخيل والروي ومن ذوي الطبــــــعة الواحدة ، لكني أؤمن بما اقدم ولن أدفع خطاي ابعد من ايماني فيما أكتب ، ولهذا أنا لا استعجل ولا امتلك الخفة النثرية كما يصفها صويلح ، بل انا اكتب بفضل ما ورثت من اساطير واحلام وفقر وقراءات مبكرة…….!
























