
قراءة في ديوان أمشي على حروف ميتة
سلطة الآخر وفاعلية الإحتياج
ناظم حمد السويداوي
يستنطق (الاخر) – بكل تهويماته – جملة من التساؤلات، لعل من ابرزها هي مدى قدرته على الاحتواء والتمييز بينه وبين (الانا) حتى باتت الحاجة للاخر ضرورة من ضرورات الشعر والشاعر. وهذا الاحتياج الخارق من شأنه ان يخلق تبايناً واضحاً في مراقبة ومعاينة (الانا) فهي التي تدخل من خلال نسق المراقبة التي اشرنا اليها، والتي ترتبط بالضياع والغربة في اشكاليات شتى، فوجود هذه الحالة واستمرارها في النص الشعري، من شأنه ان يشير الى عمق التباين الذي تعانيه الذات حين تكون في حضرة الاخر.
ويبدو ان مقاربة هذه العلائق مع بعضها، تنمو في اتجاهات مختلفة؛ لكون النص الشعري، هو ذاته ينمو في اتجاه مغاير، ويستمد قوته من معاكسة الواقع من دون الاتكاء عليه، وهذا هو سر الازمة التي يعاني منها أغلب الشعراء، فالقصيدة تتغرّب دائماً وكأنها لاتعرف الشاعر، بل ان القلق الذي تشعر به الذات، هو ذاته القلق الذي ينصبُّ في القصيدة لحظة استجلائها. ويبقى فعل الانشداد لدى المتلقي هو الذي يكشف عن العلاقة الملتبسة بينه وبين الشاعر، وكأن هذا الانشداد يكتسب مشروعيته من (الآخر) الذي لا يستجيب بسهولة لهذه المثالية الواقعة التي تفطن فيها الذات الى الاصوات المخبوءة في الكون الانساني.
ان حل هذه الاشكالية يتطلب منا ان ننظر بعمق النظرة وحركية المعنى في نصوص الشاعرة (ساناز داود) وهي تقدم لنا آليات التعامل مع الاخر على انه مشكلة وينبغي حلها، فهيمنته تتوزع بين فرضية الثبات وفرضية التحول المليئة بالتناقضات والمفاجآت التي تحيلنا على اكثر من ضمير سردي لحركة المعنى وجلالة التعبير.
وفي اطار هذا التصور، فان الدخول الى حرم (الآخر) يتطلب منا وعياً عن رمزية الحلم حين تفقد الذاكرة حضورها المشاكِل للحياة. فزمنية الخطاب فيه رؤية ثاقبة ونزعة انسانية محمّلة بالنشاط والحيوية. بمعنى انها تستدعي كل اشكال التناوب لتحفر في الذات بئر معرفة (الآخر) ومحاولة انقاذه وإيصاله الى بر الامان، حتى بدأنا نلمس امكانية العبث باللغة والتصرف بها على النحو الذي يتناسب وطبيعة التجربة بكل تعقيداتها الباطنة والظاهرة.
لقد ظلت فكرة الانشداد لنصوص (ساناز داود) قائمة، فهي لا تستقر في مكان ثابت، فالنص عندها يمثل دورة انشادية مغلقة ومفتوحة في آن. فالانغلاق انما هو تعبير يتوالى حين تكون الذات مهمّشة، لكنها تنتج شعوراً جمالياً يستجلب (الآخر) بنوعية مغايرة. واما الانفتاح فهو يسير بمساحة اكبر من الحرية، وهذا المجال يتيح للذات فرصة ما هو مخفي في المجال الشعري، وهو مجال فيه توسعة لإمكانات التمظهر على اكثر من مكان، مقابل وعي نظري بتجليات الموقف المعقد بين الذات والاخر.
ومهما يكن فإن النص الشعري هو امتداد مثمر للغة التوارث الجاذبة للاهتمام، فبقدر ما تسعى الشاعرة الى تكوين معان مألوفة تستميل القارىء في نصوصها الشعرية، يأتي (الآخر) ليمارس كل هذا العناد، بشكل يجعل الحدث يتحرك في اطاره بمزاج متلوّن من المفارقة التي تمثّل الارتكازة الحقيقية، على النحو الذي تسير فيه على حافة القصد، وتفتقر في احيان اخرى الى المعين الذي يساعدهاان تفك رموز شفرة المرسَل اليه، وهو يغذّي اللغة ويمولها بمرجعية تعبيرية مسندة بوعي يسمح لنا ان نكتشف طبيعة الذات حين تنتابها الشكوك التي تحول دون الوصول الى اليقين:
كل ما اكتبهُ
يصير سجناً
او موتاً
بالابجدية المريضة
لابد ان نعيش الحرية بلغة الاشارة
ان حالة الشد الذي تعيشه (الانا) فيه اشارة الى نقطة الضعف حين تفشل في ادراك الحقيقة من دون ان تصل اليها، وهذا التحوّل في العلاقة يؤذن بحركة تشير الى التحرك المعاكس الذي يمارسه (الآخر) كلما اقتربت الذات منه. فحركة المعنى تبدأ من خلال الفعل وضميره المستتر (اكتبهُ) فيه اشارة الى مغايرة تتصل بالذات الغائبة عن (الاخر)، وهذه المغايرة تسعى الى المعرفة والتحقق، وهي ذاتها تتجه اتجاهاً مرتبطاً بأثر الغياب الذي يمارسه (الاخر) المنفي بعيداً عن الذاكرة التي تشتهي حضوره بأي لحظة، ولو بلغة الاشارة.
وبذلك يكون الافق الشعري محكوماً بارادة اقوى قادرة على المصالحة بثبات ووعي كبيرين، ولايتحقق ذلك، الا بفتح بوابة التمني اكثر، والتأني في صنع الجمل المتأنقة التي تستجلب الذات الاخرى، لأن العاطفة مدخل لكل الانفكاك الذي يحصل. وهذا التشاكل بين القضية واللغة الشاعرة يتشح بالكثير من التساؤلات المثيرة للقلق، فتكون الذات – عندئذ – غير قادرة على الوصول الى جبروت (الاخر) الاّ من خلال شفرة الخطاب التواصلي المتنقل بين ثنائية الصمت والبوح، والرفض والاستسلام.
ومع ما في نصوص الشاعرة (ساناز داود) من رغبة في التحرر وتجاوز كل هذه العقبات غير المتوازنة بين طرف خاضع واخر مسيطر، لذا يكون الموقف عبارة عن ثورة تستمد قوتها وعنفوانها من عدم الرضوخ، فـ(الاخر) هو السيد، وهو الفاعل، وهو الذي يمارس سلطته الفوقية على (الانا)، فاللغة والمعاني المستخدمة في كل النصوص هي عبارة عن خطاب موجه (من – الى) لذلك تمثّلت الذات كونها تسير في اتجاه لا يسمح لها ان تكتسب انعتاقها الا من خلال (الاخر) المتحرر، والذي يتجاوز كل مناطق الاذعان الذي يستوجب امكانات وتجارب الذات الشاعرة التي تتقاطع وتتنامى في دائرة واحدة، هي الحوار المقطوع الذي يسمح لها ان تروي حكايتها بلغةشفيفة ومؤثرة، على النحو الذي نقرأ:
تقف داخل النار
وانا التي اصير رماداً
انت لا تحترق
اما انا فاحترق بدون نار
وهكذا سيكون كل منا طاهراَ
ان لغة الطهارة واستجلاء مفاهيمها المعمّقة، تتطلب منا ثراءً فكرياً يعكس المواقف والرؤى والافكار في سياقات مختلفة. فالانتقال الى الماوراء في طبقات الفضاء النصي يدلنا على زمن الخطيئة (تقف داخل النار) وتبقى احتمالات المجاز قائمة على التأويل ومفتوحة منذ اول وهلة بدءاً من رأس النص وصولاً الى نهايته التي تتعرى فيها الحقيقة، وتتكشّف كل الحُجب، فالمعادلة تكمن في ذات (الاخر) كونه مستجيباً للذات – على ما يبدو – لكنه لا يحترق بوصية من (الانا) وبذلك تكون الذات قد نجحت في استدراج (الاخر) هذه المرة مع الاحتفاظ بقدر ضئيل من المنطقية المتلازمة التي تمارسها اللغة الشعرية وهي تتصاعد تدريجياً بحرارة المشهد وحفاوة الانتصار المغلق.
هكذا تتحول قيمة النص الشعري الى رؤية منعكسة داخل اللغة، وفق منهجية التبادل الحر للانزياحات المتعددة التي تمارسها الشاعرة في اطار تخوم النص المليء بالهواجس وتغيّر الظروف المتجددة في ذات (الاخر) وهذا هو الذي يدلنا على الحقيقة الجوهرية للذات المتعالية. ويحدث ذلك حين يكون الافراط في سياق الفعل الشعري، مهيمناً على مساحة التلقي. وفي مثل هذه الحالة تكون الذات قد استدعت لنفسها مساحة من التجريب، لاستدراج (الاخر) داخل فضائها الشاسع. وتقترح قصيدة (افكر بك) شيئاً من هذه الاحالة:
افكر بك
فتتلاءَم جميع شقوق كياني
واذا فكرتَ بي
تكون منيعاً
بدون كعب “اخيل” وعيون “اسفنديار”
هنا تتقمص الذات فلسفة التخييل، لتخاطب رسولها بشيء من التجلي الذي لا يتوقف عند حدود التفكير، وانما يتجاوزه الى مناخاخر، وكأن الفرصة لا تأتي الا نادراً. والذات في هذه المرجعية تستنفر كل مالديها من اجل ان يبقى (الاخر) ضمن حدود التجربة المكانية والزمانية للذات التي فقدت معناها، وبات عليها ان تتمنى كثيراً، وتفتح التأويل على اكثر من نافذة، بل صارت تتوسل بمجازيات اللغة ورمزياتها، لتصل الى (الاخر) وتستجلب رضاه. وبقي التوصيف الذاكراتي هو المهيمن على كل نصوصها، وهو من شجع (الاخر) ان يتمادى اكثر ويتمرد على كل ما هو مألوف في حكاية كل قصيدة.
ان لعبة الدال والمدلول، لا تجد لها طريقاً في المسار التعبيري للشاعرة الا من خلال فسحة (الاخر) المتعمّق في الغياب، والمتنمق في الكشف عن الاستعلاء، فإزاحة الستار لم تكن سهلة، بل ضاعفت الازمة اكثر، وفتحت طاقات تعبيرية هائلة على لغة جارحة كانت تمارسها الذات، كلما اكتظت مساحة (المدلول) بالرفض ومجهولية الفهم. وهذا التعارض يعد تعبيراً لافتاً للذات ان تهتدي الى طريق اخر يدلها على النفق الذي تريد، وينفض عنها غبار الرفض الذي يمارسه (الاخر) بكل تمظهراته، حينها يكون احساس المقتدر بحاجته الى استمرار البحث عن تميّز يصبو اليه، ويبعده عن ضآلة المشهد، فما كان من الذات المنهزمة، الا ان كسرت كل العلاقات السابقة وبذلت مجهوداً ارادت منه الوصول الى التكثيف الذي يمنحها جرعة الاستعلاء والتمرد ولو لبرهة زمنية، مع الاحتفاظ بالقدرة على عدم فقد (الاخر). وهذه اللحظة المقدسة – في ظننا –هي التي تجد لها مكاناً تتحاور فيه مع الذات من دون الاخر:
حين استيقظتُ
وجدت العالم قد رحل
فبقيتُ وحدي
في هذا الفضاء الخالي
هنا تلعب الضمائر لعبتها، وهي تحاول الكشف عن الذات واثبات وجودها، والتعبير عن تقنيات الموقف بهذه الطريقة اليائسة، فوجود (الاخر) الذي لم يعد ذا فائدة، كان يمثل حيزاً من التقاطع والانغلاق. وهذا التفاوت يطرح اشكالية الاحساس بالتفرد، ويضع الشاعرة في دائرة الانكسار. بمعنى ان الذات لم تحافظ على المسافة التي تحتاجها حين تكون بمملكة (الاخر) فهي تقدّم نفسها على انها العاجزة امام سطوته وجبروته، وهي كذلك لم تنتمِ الى الواقع، ولم تتكيّف معه، لكنها بمقدروها ان تكون قادرة على المحاججة والاقناع.
على هذا النحو فإن (ساناز داود) كانت جزءاً من المشكلة على مستوى تغيير الحركة (وجدت العالم قد رحل) فلم تعد تشعر الا بالرغبة ان تكون وحيدة فيهذا العالم الموحش، ودلالة ذلك، ان كل تجارب الشاعرة مع الاخر كانت مريرة، وكان عليها ان تستند على مجموعة من الضمائر المتراكمة في نصها لتوصلها الى (الاخر) المتخفّي. وترتبط كل هذه المفاهيم جمالياً، بعالم الغائب المنقسم داخل النسيج الشعري الذي يوجد فيه. وهذا التصور الثنائي يفترض نوعاً من الحضور والغياب المتشكل داخل النص، فالحضور لم يكن سوى صدى لإلتقاط اصوات (الاخر) والخضوع له، واما الغياب فهو عملية لتصوير مشاهد النص وعلائق التنويع في القصيدة، وربما تكون هذه التحولات في التجلي والتخفي هي التي تعقّد الموقف وتجعله اكثر اثارة.
ان المساومة والاخضاع والتبعية التي يمارسها (الاخر) لم تكن في حسبان الذات، بل ان المفاجأة كانت حاضرة، وقد بانت ملامحها حين فرض (الاخر) نفسه بقوة، ولعلها اشارة الى تشابك عناصر التجربة ببعدها العاطفي، بحيث انتثرت المعاناة لدى الذات بإتجاهات متعددة، وفي هذا تعميق للحزن الذي يصل الى مستواه الفلسفي في الانفتاح والانغلاق. وفي ذات السياق تتفق الصورة الشعرية مع القيمة التعبيرية للعلاقات التي ترسمها الشاعرة وتحدد ملامحها بشكل ملفت للانتباه. وحتى هذه اللحظة، فإنها تمنحنا وعياً انسانياَ نتحسس به ونشعر بما يتراكم في ذهن الذات من مشاعر واحاسيس.
ولأن الشاعر على الدوام يعيش علاقة جدلية مع الواقع، فإنه يكون في حراك لا ينقطع من التوتر النفسي الذي يتنامى كلما شعر بإزدواجية هذا الحراك، ويبدو واضحاً ان الرغبة في التحرك، هي التي تحكم هذا التحول المليء بالمفاجآت.
وهكذا يجب علينا ان نفسح لقصيدة (ساناز داود) فرصتها، وهي المسؤولة عن اختطاط وِجهة (الاخر) وكيف يكتسب مشروعيته العاطفية في البقاء معها، فإن نجحت فذاك يعني انها قد استغلت كل ادواتها الشعرية وطوّعتها بشكل يخضع للغتها المسحورة التي تديم التواصل بينها وبين (الاخر)، وان اخفقت فقد وجب عليها ان تستعيد ذاكرتها الى الوراء، وان تحاسب الواقع الذي اكسبها كل هذا الفشل في التواصل. ولعل هذه الحالة القلقة من شأنها ان تجعل الذات الشاعرة قابلة للتمدد والانكماش، نتيجة عوامل فرضها الزمن الداخلي للشاعرة، وهو ما يمكن ان نسميه بـ”زمن الذات” وكأن الصورة هنا تريد استنطاق الذاكرة الاسترجاعية بتوظيف يتواءم مع قصيدة الشاعرة. وحينما نرى استحالة ذلك، نكون امام تفسير آخر واستجابة من نوع ثان يجعل المتوقع ممكناً:
جميع الخيارات مطروحة على الطاولة
ان ترسم الصباح على كلماتك
ان اركض بجانب غيابك
ان نصل الى جملة تشبه اليدين، الشفتين
انت لم تزل
تصب الصمت في الكأس
وانا اشرب خيالك
تذهب (ساناز داود) هنا الى رسم علاقات مستجدة حين تسعى الى خلق صور تقترب من الخيال كثيراً، وتبتعد بنا ان نفهم ما يدور، فالمألوف عندها صار مزاجاً فلسفياً، فهي ترخي حبال المودة وتشدها (جميع الخيارات مطروحة..) وهذا الذي توفره للقارىء، يمكن ان يعتصر كل امكاناته في الفهم والادراك، لذا يأتي الانطباع مباشراً، ليتحرك بين زوايا مشكِّلة لحالة النفي والاحساس بالاغتراب، فالمعنى كله هو البحث عن غائب فرض حضوره ثم ابتعد بعيداً، انه هاجس الرغبة بتقريب هذا (الاخر) او لنقل استدراجه والاستحواذ على رضاه. وسياسة (الصمت) هنا ما هي الا نزوع للبحث عن الحقيقة بشكل مقلوب.
بالمقابل نجد ان (الاخر) اصبح يمثل ضرورة حتيمة؛ لأنه قد ملك على الذات هيبته، ومن الصعوبة بمكان ان يكون سجيناً، فيما تريد منه الذات، والتي غدت ضرباً من القلق. فالموقف هو الاخر، محاط بكم هائل من تصورات (الانا) التي لم تعد متوافقة مع تلوينات الموقف المغلّف بكل هذه الازدواجية.
وعلى الرغم من ان ابداع الشاعرة كان فردياً، الا انه مستمد من علاقته بذات اخرى، ومن الطبيعي ان يحصل هذا الصِدام بين الاثنين، في ظل شروط سيكلوجية فرضها الواقع. ولهذا فإن الشعور بالاقصاء هو اقرب شيء يتبادر الى اذهاننا ونحن نقرأ نصوص (ساناز داود) ظناً منا ان هذه الاشكالية ليست الا دليلاً على تأثير (الاخر) المنفي، الذي يضع شروطاً قاسيةً لحضوره. وفي مثل هذا الانفتاح على الاحتمالات اللامتوقعة، تكون الشاعرة قد فرضت لنفسها وضعاً نفسياً متأزماً، يهددها بالتحول المستمر في داخل القصيدة، تكون العلاقة فيه مع الذات ما بين تآلف وتضاد، فهي ترغب دائماً ان تعطي لنفسها رؤية غائمة تجاه حركة (الاخر) وسكونه.
وبهذا الانتقال تزداد الفجوة بين الاثنين وتصل الحيرة مداها، ولعل الحيرة هذه تتكثف اكثر حينما تصل الى خيط يسلب منها كل تآلفاتها المتصلة والمنفصلة في الذات الانسانية، عندها ندرك ان عامل التحول، هو المقيد بالرفض دائماً، وهو الذي يبحث عن شيء مفقود:
في جيب الكلمات المفقودة
كل الحروف مفقودة
لكن هناك وقت …
أرسِلْ آخر الكلمات الى لسانك
في هذا النص تتقلّب دلالة البطء والسرعة على الذات المتحولة، لتعطيها نوعاً من التستر على الزمن المفقود، الذي ينحدر في مفاصل التجربة، ويشجع تمردها على التواصل والاندماج، عندئذ، تختفي الذات تدريجياً وتختفي معها هيمنة (الاخر) وتتمظهر القصيدة على انها اشارة لومضة اخيرة (أرسِلْ آخر الكلمات) تقفز بها الذات على نفسها، وتقفز معهاالقصيدة، لتمارس حركة رؤيوية، تتكشّف فيها الحُجب في طقوس غريبة، نستعذبها ونحن نقرأ.
ولربما خرج النص عند (ساناز داود) من عقله الباطن المتأثر بتجربة طاعنة في العمق، الى عقلها الظاهرالذي لايكتب من وراء حجاب، ولا يكتب في فراغ، بل يكتب ووراءه الكثير من التفاصيل العالقة في الذات الشــــــاعرة.
هكذا استطاعت الشاعرة ان تمارس لعبة التخفي بكل براعة، وتمكنت من ادواتها الشعرية بطاقة معرفية وخَلقٍ فعّال. فالكشف عندها يحتاج الى التخفي، والحضور يحتاج الى الغياب، لكنها مثّلت تجربةً شعريةً، فكانت شاعرةَ تجربةٍ بالضرورة، وهي ذاتها التي استعملت لغتها بلغة الاشارات، واستدرجت القارىء ان يميل اليها كل الميل، وحاولت ان تكتشف لغة اخرى مخبوءة في الذات، فنجحت ونجح نصها.
























