
فصول من رؤيا الكتابة الروائية 1-2
وجهة نظر بشأن تراجيديا الوجود العراقي
نعيم عبد مهلهل
(1) الرواية والميثولوجيا ودبابة بول بريمر
نهاية عام 2003 كتبت مقالاً في الزمان الدولية بعنوان ( الميثولوجيا من نرام ــ سين الى بول بريمر ) على شكل رواية لمشهدٍ معاصر ، وصدرت ضمن كتاب جمالي حمل نفس العنوان عام 2006 لحدثٍ أتحدث فيه عن صورة نشرتها الواشنطن بوست عن جندي امريكي يدخن سيكاراً كوبياً فوق دبابة على بوابة المتحف الوطني ــ منطقة علاوي الحلة في بغداد وهو ينظر بعدم اكتراث الى عشرات الناس وهي تسرق في موجودات المتحف الوطني من آثار والبعض بسبب ثقل بعضها وعدم معرفته بقيمتها أو انه (يعرفها ) ويحطمها قصدا ومدفوع الأجر مخابراتياً..
انها تراجيديا الوجود العراقي المصنوع بقدرية تأريخيه مكتوبة بعناية رهبانية وملوكية وغامضة أنْ تكون أقدار هذه البلاد مرتهنةً بطوفانٍ في كل عصر….!
هذه الشاكلة تكررت في ربيع الفيس بوك المصري بداية ثورة 25 يناير …وسيتكرر في سوريا حيث هناك الآن اربعة آلاف موقع أثري مكشوفة ومن دون حماية ، وكأن الثورات في جدل حماستها ونشوتها تصنع من رعاعها الذين لا ينتمون اليها معاولا لتحطم الأثر على هامش الجهل والتعصب والغضب والتكفير او بواعز فتوى دينية تقول : كل مادفون تحت الأرض ، ملكاُ مشاعا للبشر..! ..
رؤية رواية هذا الحدث بصفته الدرامية والميثولوجية تعطي للروائيين وكتاب القصة وحتى العرافيين مادة دسمة للتفاعل مع مقدار الألم الذي تناله هذه الامكنة المقدسة والتي تحمل ذاكرة الازمنة التي نحتاجها اليوم كثيرا لنتخلص من إزعاج الدبابات وناطحات السحاب الكونكريتية واحزمة الانتحاريين المخبولين.
أضع هذه الرؤية أمام الروائيين وكتاب القصة من الذين يحملون غرام التعامل مع الزمن بالصيغة المتحركة والمطلقة ، أي اولئك الذين بأمكانهم مسك الزمن بأطراف اصابعهم مثلما يمسك بتهوفن مفاتيح البيانو ويستطيعون بوعي الموهبة الإتيان والذهاب بلحظة الزمن وفق رؤية الروائي الفرنسي سانت اكزبوري :اجعلها مكاتيب تفي بالغرض ، وتجعل ساعي البريد يرتاح في عمله.
هي دعوة لجعل الميثولوجيا احدى قارئات العولمة ، ولن يستطيع اي مذهب ادبي ان يفعل ذلك مثلما تفعل الرواية فهي في دهشتها الوصفية التي تصل الى ابعد ما تريده اسئلة الحياة من اجوبة تشفي غليل القارئ والدارس والتمثال الذي تحطمُ جسده معاول السُراق والغرباء والمحتلين.
أني أعقب هنا على سطحية ما يتناولونه في هذا الجانب أو ما يتحاشاه بعض النقاد في الخوض في هذه المساحة الخطرة من المنتج الروائي بشكلٍ عميق في مقالات عابرة اقرأها في الصحف اليومية ، وبعضها بدت سريعة واستعراضية وحذرة كعادته دوما ، كتلك التي نشرها الروائي العراقي الكبير ( محمد خضير ) ضمن مقالات متسلسلة في جريدة الصباح .
وهنا أود مناقشته في هذا الجانب في محاولة بسيطة الى لفت انتباه المثقفين الى هكذا روي مهم يحمل همومه واشتغالاته القليلة من كتاب الرواية العراقية في اهتمام ربما ابتداه الصديق الروائي عبد الخالق الركابي في سبعينيات القرن الماضي مع روايته المهمة ( سابع ايام الخلق ) في تعاقب اجيال المكان ومحليته الموسومة بالميثولوجيا المتوارثة ولكنه اشتغلها بمستوى من الوعي الكبير داخل مشاعر الروائي وهو يرصد المكان وخصائصه واهمها ( الانسان وموجوداته وهاجسه وهذا التوارث والتعاقب الازلي .كل يخرج من ضلع الكل ولكن بهاجس جديد).
الرواية التي تأخذ مادتها من الهاجس الميثولوجي هي من ضلع القدبم ـ الجديد الماثل امامنا والمتكرر في كل لحظة .
هذه الدائرة الخصبة ، المجنونة والرومانسية والممتعة بفنتازيتها واخيلتها وغرائبيتها والحادها وآلهتها ، هي الوحيدة التي يمكنها أن تزود قراءها والذين يعيدون صياغتها والباسها قميص الحداثة بفيض لاينتهِ من الرؤى والمشاهد والفصول والاخيلة والحداثة.
وعليه فأن تبويب المنتج الروائي في خانة الاهتمام والعناية والدراسة من قبل النقد يظهر لنا ( يوتيبيا ) جديدة لظاهرة كتابية علينا أن نفصلها ( نظرة ، وتدقيقا ) عن بقية ازمنة الروي ومفزاته . وهذا لايعني ابدا تشظية المنجز العراقي وتقطيعه وانما هو ايمان مني أن الكتابة الجديدة في عالميتها ينبغي أن تستغل مثل هذه الدهشة التي تملأ الواح وكتب التراث العراقي أكثر من أي حضارة في العالم وبأمكاننا صناعة ميثولوجيا متخيلةٍ ومرتبطةٍ بحدائق الامس الالهية الساحرة وربطها بكل ما يحدث اليوم من التلاسن السَمج في قاعة البرلمان ودردشة تويتر ودمعة المفخخة ومرورا بلحظة الحلم في الاشتياق لوطن بالنسبة لكاتب منفي كل عمره مثل سعدي يوسف وسلام ابراهيم وحميد العقابي وبرهان الشاوي ونجم والي وبلند الحيدري وهو في قبره…!
أعود الى دبابة بول بريمر التي لم تحم تراثنا في الأيام الأولى من التغيير ، فأتخيل المقطع الأخير من رؤيتي الروائية في مقال (الميثولوجيا من نرام سين الى بول بريمر ) لأستعير موسيقى ألم كل الميثولوجيات المكتوبة في حزن العراقيين منذ احراق أور (ماقبل التأريخ ) والى صمت ضحايا حقول الالغام والمقابر الجماعية .
أتخيل الإنسان الأول ، الروائي العراقي الأول ، من خَلفَ آدم ( ع ) بعد موته . عاريا إلا من ذاكرة متسعة وبدون حدود لذهن المكان المسور بطابوقة البيت . مدى مفتوح ، وتعبير تسكنه الأشارة ، وطبيعة تزخر بالغموض والخوف والرهبة .
شمس تسطع بقوة ، فتتغير في مواقيت الزمن ، ليل يهمن عليه وجلَ السكون وظلمة مكتئبة وسماء لامعة بأضوية براقة بعيدة ، فيما تظهر خيوط الهلال الاصفر ولتتحول بعد ليال الى دائرة من ضوء مبتهج ، ربما يستطيع ببهائه ومغرياته الصفراء أن يدفع السكون والاطمئنان إليه ويغفوا قليلاً غير مذعور من عواء قريب او هسهسة مخلوق ما لايعرف حتى إسمه وطباعه . وبالرغم من كل هذا كان مجيء الصباح المتكرر هو مساحة الأمل الأولى التي رسمت بعض مشاعر الاطمئنان والفرح لديه ، لهذا كان يمضي الى التأمل في الموجود العالي ويتخيله بصور شتى .
هذا التخيل انساه أشارات وكلمات الاب الاول لتظهر الرغبات الجديدة مع كشوفاتها ، بعون من الحجر ، واغراءات الأنثى وتعلم التدجين . وهكذا مشت الحياة الى مراحلها الاخرى لتصل الى خواطر الدبابات والصواريخ وقهقهات ماكروسوفت .
غير أن البدء الذي خلق الوعي من خلال الخيال والأنشداد إلى سقف السماء ومكوناته يظل ، الرؤية الأبدية لكل خيارات الحضارات مهما سارت الى الامام وصنعت عولمتها بطرائق شتى ، مابين الإحتلال والغزو الثقافي وحمى وسائل الإتصال ، فليس هناك أروع من ذاكرة بابل وهي تصف البدء من خلال فم الأسطورة ، وتعجنه بتخيل جميل لنجد قراءتنا امام مذهل حقيقي لاتعوضه احدث برامج الكمبيوتر ولااجمل سيناريوهات الافلام . فالذي كتب الخليقة السومرية والبابلية وملحمة جلجامش ، هو عقل متفرد لم يتكرر حتى في شبيهٍ لراوي عظيم أنجبته الأرض منذ هوميروس وحتى نجيب محفوظ .
( 2 ) الفرق بين روايات ماركيز ورواياتِ سلمان المنكوب
الغرام الحقيقي هو ما تعطيه وأنت تمسكَ الجمر لتحرق من معكَ وسلمان يغني لكم من شفتي شاكيرا ليصنعَ مثل هذا الغرام ، فيما غابريل ماركيز يحسبه خصما روائيا لدوداً فالنفس البشرية تعطي عندما تشعر أن في جوعها بلاغة لكلام يشبع الآخر عطرا قبل أن يشبعهُ خبزا وجسدا ..!
الله جعل حواء مكملا لما يحتاجه آدم …وحين أخطأت … فكرَ آدم ليجعل من خطيئتها حاجة اكبر …وعندما حملت في رحمها من آدم …الله علم آدم النسيان قبل التذكر …ليكون يومه معها جديداً..!
آخرَ العلاج الكي …وآخر رعشة في هذهِ السمفونية …
شاكيرا تتحضر لزفافها ..وماركيز يعاود كشف الاحساس المخفي بوصيته وسلمان في القبر بدون كهرباء ..
مقطع من نص قديم
عام 2012 صدر كتابي القصصي ( غراميات شاكيرا وسلمان المنكوب ) في ردِ فعلٍ روحي مني أزاء فقدان واحد من أجمل صناع الشجن العراقي في سمفونيته السومرية الهائلة والآتية اصلاً من مشاعر ما تعكسهُ لنا ( ملحمة جلجامش) عندما فقد الملك الأوروكي خلهِ انكيدو وصارَ يمرُ كل يوم على بيتهِ فيجدهُ فارغاً ، فجاءتْ أغنية المطرب الراحل سلمان المنكوب ( أمرن بالمنازل ..منازلهم خلية ) ومنذ قبعة الجيش وخواطر عرفاء الفصائل المغرمينَ بأغانيَّ هذا ( المغني ). أشعرني صوت سلمان بطاقةٍ هائلةٍ في ليل الضجر الشمالي لأمضي في أستذكار ايامي على شكل حكايات اجمع بعض من تفاصيلها في رواية يخطلها قلم الرصاص ، وأشعر أن صوت ( سلمان ) وبحته الشجية يصحح معي التفاصيل والمشاهد والفصول ويقودني بفطرتهِ وطيبته الجنوبية الى أبعد ما أريد الوصول اليه في جعل المحكي الذي انتجه قريب من قناعتي بصناعة ما أوده وأشتاق اليه ويجعل الاضواء مسلطة عليَّ بولادة كاتبٍ موهوبٍ صنعَ من جحيم حروب الرواقم ومياه الاهوار الضحلة وغابات البعوض في بحيرة الاسماك ومخافر تلال سلسلة حمرين روايات وقصائد هي السيرة الذاتية وخداع حماسنا في شعورنا أن الوطن يهددهُ الاخرون وعلينا أن نتحول الى مشهدين في نهارات الوطن ، أما نعوشا أو عشاقاً يعرفون تماماً كيفية ممارسة الغرام بفنيةٍ عاليةٍ.
في ذلك الزمن عندما كانت الحروب تسجل خواطرها بحبر الشظايا وجمال ونحافة الليدي ديانا سبنسر اميرة ويلز وظهور الساحر ماردونا في ساحات كرة القدم وامتلاء حوانيت الجيش في الوية المقاتلة بصناديق علب الببسي كولا بسعرٍ مدعوم . جاءتنا رواية غابريل ماركيز ( مائة عام من العزلة ) لتدخل دهشتها وغرائبيتها في ذائقتنا القرائية وترغمنا على التحول والانبهار وحتى التقليد بجعل فنتازيا غابريل السحرية من بعض وقود الكتابة الابداعية عندنا ، لنستقبل منه اسحاراً اخرى في ( خريف البطريق ، وليس للعقيد من يكاتبه ، وفي يوم نحس ، ورائحة الجوافة ) حتى صارت تلك المدونات الساحرة ملازمة لحقائبنا ونحن نلوذ بجهات الحرب مع رعب الموت ورعشة صوت سلمان المنكوب ومطاعم الطريق التي تقدم لسواق الحافلات الأكل الجيد ولنا تقدم لحوم الحصان والرز البائت .
كان لماركيز رواياته على شكل كتب توقظ فينا اللحظة الانسانية بشكلها العابر للقارات حاملة معها دهشة اللغة وحداثة المخيال ووقائع تكاد تقارب تماما واقعنا ولكن برؤية عالية التناول والغرابة والرومانسية ، فقد كانت رواية ( مائة عام من العزلة ) حدثاٍ على مستوى البناء الروائي شكلا وحدثا ولغة وفنتازيا غرائبية لم نعتدها في كلاسيكيات وواقعية ما كنا نقرأه منذ هوميروس وحتى كولن ويلسن.وكان لسمان المنكوب رواياته ايضا ، حنجرتهُ المليئة بقارات الحزن والحكايات وسعال دخان سكائر الجنود وهم يكتبون من وحي المنازل الخالية رسائلهم الى حبيباتهم وزوجاتهم واهاليهم.
وقتها شعرت أن لهذه الحرب شاهدين يقظيين وفاعلين هما روايات ماركيز وحنجرة سلمان التي افترضها اليوم راوية ساحرة لماتنطق به مشاعر الجنود وتحسه. حتى أن سلمان في قدرته على منحنا طاقة الروي ، وربما يكون هو الراويَّ يتفوق في بعض ساعات الليل على الاعادة المكررة بالنسبة لنا في قراءة عزلة ماركيز لمزيد من المتعة فيكون التمازج الشعوري واللاشعوري قائمٌ في الجمع بين الروائي والمطرب في نص واحد ونحن نناجي الامكنة البعيدة التي تركناها هناك وصرنا في هذا الليل نتعلق مثل نجوم الثريا على ربيئة في جبل تاريار بمنطقة بنجوين سماها الجنود ( المنازل الخالية ) ربما لانها تطل على قرية كردية هجرها اهلها بسبب مدافع القصف المتبادل وكان اسمها قبل هذه التسمية الجديدة ( ثدي الغزال ):
((أنت يا أمي ..الأغنية العاطفية الأشهى في جلسات كل برلمانات العالم …أنت يا نغم الوشم الصيني في صحن خزف عليه صورة ( الملك والزعيم ) ، وأين الوصي…؟
العرفاء يعرفون مصيره
ديغول يقول :كل ملكية زوالها قسوة الدمعة .وكما عند المعري هذا ما جناه أبي …لويس السادس عشر يكررها : هذا ما جناه مخدعي وسرير نومي..))
مخدع أمي في صوت سلمان ومنازل التي جعلتها الحرب خالية ..هناك فوق نهود جبال الله المرتفعة كهامات السحب السكرانة والنعسانة والعريانة أمازج بين نبيذ كولومبي وشيئا من حنجرة سلمان .هذا توافق الاشتياق المميز بطاقاته الجنسية ، حتما لا تصنعه غير أمهات من الضوء والنواح وشق الثوب من الصدر…
أو تلك الفنتازيا التي تأخذ من سلمان هاجسها وتقول :
((تتحدثوا عن الشوق في العلن لأنه عندما لا يكون سرا مكتوما فلن يُخلدْ الشوق أبدا..!
أمي تلتْ هذه العبارة في قداس الأميرين شارلز وديانا : لا تسمعوا موزارت والموسيقى الارمنية المدهشة قبل أن تسمعوا سلمان المنكوب .وأبي كتب هذا في وصية موته :لا تقولوا إلا وبطونكم تغرد فيها عصافير البرتقال …هذا ما أخبرنا به الحاج ماركس….تعرفونه كلكم …..الرجل الذي دخل كتب الابتدائية من استمناء الخبز وعصي الشرطة وشفاه مارلين مونرو…الرجل الذي غنى ( شمس الأصيل وأنت عمري ) في جبهات الحرب بشمال العراق وجنوبه…الرجل الذي لم يبعنا ولكننا بعناه بقرعة السلع المعمرة واجبان لا فاش كيري وفيزا الصيف إلى سواحل اليونان ..
وأنت يا شاكيرا أنا أسمعكِ الآن وأعيد قراءة ماركيزا مع الغنج الفاحش بين نهديكِ اكتشف الكوليرا وخواطر العقيد والعزلة ونبات البابنك يشرب فينا أقداح الحمى .وأنت يا شاكيرا التي تحب سلمان وأمريكا ألاتينية وقطاع (55 ) في مدينة الصدر..لكِ كل دهشة سقراط ، لك لذة قيصر في فم الملكة المصرية .لكِ محبة الله، فكل الطرق تؤدي إلى خصركِ .وحدها دمعتي طريقها إلى آلة التسجيل فيلبس..!))
الكولمبي كتب رواياته بطريقته المبتكرة وطبعها على آلته الكتابة وصدرها الينا رواياتً وربما فقدت الكثير من متعتها أثناء الترجمة ، وسلمان كتب رواياته دون أن يبتكر شيئا لأن مافي حنجرته من شذى ومتعة ودموع هو المتوارث الشرعي ورثه من بحة الحزن الاولى التي تحدثت عنها الالواح السومرية وضحايا المختنقين بسبب نفاد الهواء في اقبية الموت الجماعي في مقبرة اور المقدسة وهم يستمعون بخشوع ويأس الى نغم قيثارة شبعاد اليائسة مثلهم في موتها الجماعي الذي ربما يؤكده الروائي سلمان المنكوب من خلال صدى حنجرته انها الاب الحقيقي للمقابر الجماعية التي صنعتها الحروب وطغاتها في العصر الحديث .
(3)الرواية ( الشعرية ) ..من يكتبها ..؟
ولكن إذا ما استأنس رجل ما بحزنه،
فَلْيؤتَ به إلى ضوء النهار! والرأي عندي
أن يُقْتَلَ، وإِلاَّ
فستقوم فتنة..!
سان جون بيرس ( آناباز )
البعض ممن لايفقه معنى أن ينزفَ أحدهم من روحه ..وتراهم يتأبطون رؤاهم بكبرياء قيصر دون خوذة وسيف وكيلوباترا ، يطلقون الحكم المسبق بدافع ما يتأبطونه مما تجود عليهم صحف الصباح وبعضٍ من احلام اليقظة ، وكتابٍ عابر قرأوه واستقروا عند فهرسته ، عباقرة او نقاد او كتبة اعمدة يومية عن البطاطا ومتشردي محطات المترو والحكومات الزائفة التي تعيش فينا . هؤلاء لايفقهوا أصلا أن هناك رواة وشعراء ينبغي أن نتركهم كأباطرة وملوكٍ جرمانيين.
هذا تفكير الروائي الفرنسي آلن روب غريه أصنعه أنا في متخيل مشاكس تماما لما يفكر فيه غروب غريه في رده على سؤال صحفي وهو يحدد قيمة أن نترك أولئكَ الذين يدفعهم حرصهم وصمتهم وموهبتهم ليكتبوا رواية ، وأنا هنا أترك كل هواجس الكتابة الروائية ومذاهبها وأتجهْ الى الرواية ( الشعرية ) معتقدا ومؤمنا أنها وحدها لقادرة أن تفهم العالم بمستوى الوعي السقراطي الذي ينبغي أن نحصل عليه ومن خلاله يمكن تفسير العالم بالنظرة المثالية التي حملتها الحكايات السماوية ومراثي صلب القديسين والانبياء وتلك المآثر الحقيقية والحزينة التي كتبها العشاق والفقراء واصحاب الموهبة.لااعرف سوى أن أكتب رواية شعرية ، هذا قدر تفكيري وصنعة نبض قلبي ، معتقدٌ وبحرص كموروثٍ من جيب ابي المخروم ودمعته : أن التعامل مع الأشياء عن طريق موسيقى الكلمات وجدواها يؤدي بالغرض المثالي لتكون أنتَ وحدكَ من ينظر الى منجزكَ في مرآة الشعور بالفخر . أما الذين يقرأوك فلهم الورد دائما دون الحاجة للحديث عن راقصات حفل في ناطحة سحاب او الآئي يقشرن البطاطا في المطاعم الآسيوية أو سباق المنابر الساذجة لنيلِ موافقة الشعب ( الأثيني ) لتنصيبه سيناتورا مدى الحياة.ذلك الشِعرْ الذي ينمو في الحكاية ويجعلها بلمعان تزاوج المحار على وسائدِ الرمل بمقدورهِ أن ينجزَ شيئاً للتراثِ الروائي العالمي ، وربما يستطيع أن يستوعبَ كل التراث الشعري المحكي قصائدا وأساطيرا منذ خليقة الحرف والى اليوم ، وبحياء وصمت سينسحب الشعراء الى زاوية المتحف وليتركوا الروائي ( الشاعر ) ليؤسس القدر الجديد للأدب ، الأدب الذي اشعر أن متعته توازي تماما متعة الأصغاء الى موسيقى حالمةٍ لحظة الارتماء في حضنِ امرأة شهية. قد ينزعج الشاعر من فكرة الغاء موهبته واحساسه ، ووربما سيلجأ الى مجده الغابر في أحقيته ليقول أنه المنشد الأول في هذه الحياة ووحدهم الشعراء من جعلوا الحناجر تطلق اغانيها والقيثارات تعزف الحانها ، وعلينا أن نعترف أن هذا الحق الازلي يرتهن بالشعراء وحدهم لكن التفكير الذي صنع الثبات الحضاري وطور التفكير في ذاكرة البشر وجعلهم يكتشفون قبل أيام أن حشرات طائرة آتية من كواكب بعيدة تعيش اليوم في الغلاف الجوي للارض هو نتاج النص المبتكر بطريقة السرد والوصف والموعظة الدينية والمقال العلمي والبحث النفساني وحتما وراء كل هذه النصوص التي صنعت هكذا ظواهر وعصور حضارية هناك حكايات واحداث تعتمد في أغلبها على الشعور الذي يتحول الى فعل بفضل مايروى عنه.كما في الكتب السماوية واساطير الشعوب وتواريخ الملوك والامم والاكتشافات العلمية.
لا أعرف لماذا سكنني الهوس بشعرية (الحَكيّْ ) وقدرته على انتاج الهاجس الجميل الممتلئ بالمشاعر الانسانية والروحية والعولمية ، حتى انني اشعر أن النص الذي يفتنني في قصيدة شعر مثلا يقودني الى تخيل العالم المنظور في رواية شيء ما يسكن قلب الشاعر ليرويه بأيقاعه ليتحول الموزون لديه الى حكاية العالم الذي يراه بطريقة المغشي عليه ولكنه هنا كرواية يؤسس لحدث الحكاية وليس لقصيدة يُطرب فيها سامعيه. وعليَّ الآن جعل قصيدة ( آناباز ) لسان جون بيرس انموذجا لشعرية الروي في قلب احدهم ، ودائما يطلق على آناباز ملحمة وليس قصيدة لانها واحدة من روايات الحكاية الانسانية في موقفها الصعب والحرج ولكن هذه الرواية كتبت بشعرية فائقة التصوير والدهشة والبلاغة والغموض والحكمة.
كتب بيرس قصيدته تحت تأثير القصة الاغريقية المؤسطرة في الرؤية البطولية والحكيمة للقائد الأغريقي ( الأكزينون ) في حملته العسكرية المساة ( حملة العشرة آلاف جندي ) وراح يسرد الحكاية بالشكل السمفوني العالي المفردة والايقاع جامعا قدرة الوصف والحديث عن المشاعر والمصائر بصيغة الانشاد المروي ، وكأنه يجر في حكايته وقائع ما فاتنا ليحذرنا مما سيكون ، انه كما عند ديستوفسكي الروح الشعرية القلقة مما تعيشه وتراه وتحسه وتقوده ليكون مجرما او تائها او مرتعشا مما فيه من انطواء وطموح وشهوة .
هذه الرواية ( الشاعرة ) التي كتبها بيرس تمثل في معناها واحدة من خيال الوصف المقتدر للتبشير برؤية جديدة لهذا العالم ، وكأنه هنا يريد أن يجعل هذا الروي مفتاحا للتبشير بالمتغيرات التي ستبشر بفتوحات جنونية بدأت مع الحرب الكونية الاولى وانتهت بانهيار ابراج منهاتن والربيع الجديد للاوسط الشرقي الذي كان من بعض روايات بيرس الشعرية يمثل الوقوف عند اسوار صور وبابل ومجاملة الاسكندر في تفكيره بالذهاب مع حكايات ذاكرته الاستعمارية الى أبعد من زمجرته للكاتب الذي يرافقه في فتوحاته :اكتب ما أحققه في انتصاراتي شعرا على شكل حكاية ليفهمها الجميع. وربما هذا المقطع من آناباز يرينا حجم المروي الشعري في نبض وحبر قلم شاعر كبير مثل سان جون بيرس :
((شعوبكم المبادة تنبثق من العدم، ومليكاتكم الطعينات يتحوّلن إلى يمامات في العاصفة، في اقليم الصواب عاش آخر فرسان القرون الوسطى، ورجال العنف ينتعلون المهاميز لأجل العلم. وبكتابات التاريخ الهجائية تلتحق نحلة الصّحراء، وعزلات الشرق تمتلئ بالخرافات. والموت ذو القناع الإسبيداجي يغسل يديه في ينابيعنا.) أنه هنا يختصر الشعر كله في رواية التأريخ لكل احداثه والرؤى التي شكلت منذ ابدية آدم وحتى حوارات التعايش الحضاري بين الفاتيكان والازهر ، صورة المعاش قديما وحاضرا ومستقبلا.
أميل للرواية ( الشعرية ) وأفكر بكاتبتها والابقاء على احساسي ضمن ما تفكر فيه حواسي مع كل تفكير جديد بصفحة اخرى في مشروع كتابة عن جمع ( الآلهة والجواميس في زنزانة في مديرية امن مدينة الناصرية ) ، أحتفي بالموسيقى النثرية التي تسكن ذكرياتي وانا اتلبس شخصية البطل والبطلة واتخيل المرئي في تفكيرهما وحكايتها في سيناريو لن يكون مكتوبا دون موسيقى خيال رومانسي وجميل حتى مع ايقاع صفعات المحققين ما دمت انا اشتغل المحكي في رواياتي على هاجس شريط الذكريات واستعادة ما حدث لأخت بطل رواياتي بعد غياب بعيد له في مهجره.اشعر أن المنفى المروي بدون شعرية يبدو باهتاً وغير مكتمل التفاصيل وأن الواقعية لم تعد تعطي ما يبتغيه العولمي في الحصول على جمال مبتكر يتفوق على منافسة الفضائيات ومقاطع اليوتيب والموضة المنفلتة في كل شيء بدءاً من مبتكرات الايفون وانتهاء بمهزلة سرقة مشاعرنا في فوضى البرنامج السياسية.وسط هذه المحنة تأتي اساطير المحكي (الشعري ) لتخلصنا من الضجر الذي كان أول دافع للملوك ليموتوا مبكرين ومن الضجر كما يصفه جاك بريفير ، وهو ايضا يحكي في نصه الهائل هذا رواية البشر في تعاقب وجودهم وتصنيفاتهم ووطبقاتهم عندما يضع نهاية الانسان الى عدم واحد تختلف طرائــقه في قوله ( جاك بريفير) :
(( الكل يموت ..الملك والحمار وأنا ..الملك من السأم ، والحمار من الجوع ، وأنا من الحب …!))
لهذا أجعل وعلى هدي من بريفير الرائع روايتي تتفوق على أي مشاعر اخرى ليكون الحب ( لُبها وقصيدتها ) وبذلك يرتفع في وجداني الهاجس السقراطي وأستطيع أن اقف امام المرآة بغرور أني استطيع أن انتج مادة جيدة ، امضي بها لصناعة المرح والفائدة في افئدة آخرين اتألم تماما حين اراهم يصيرون ابناء بررة لابائهم الطغاة واللصوص أو اولئك الذين يقتنعون ببؤس من خَلَفَهُم ليكونوا مثلهم قانعين بقدر أن يظلوا عمال طين أو وقودا للسيارات المفخخة.
أن قدرية التاريخ هي المتغير ابدا ، ولن يوقف هذا المتغير أي صاروخ بالستيكي ولا حاملة طائرات أو فتوى ارهابيٍ ملتحٍ..أو قس متعنت ، أنما الحركة بوجودها وارثها ومنتجها مرتهنة بالأنسان الذي يقترب من وجدان الحلم وتخيل ما كان موجودا ليؤسس عليه ما يريد أن يُوجده.
وعلينا أن نختصر حركة التاريخ وطموحنا في هذه الرؤية ونمضي معها بعيدا في صناعة منتج يجعل حضارتنا اكثر ثمرا ومبررا وحقيقة لتُعاش كما كان يتمنى أجدادنا أن تُعاش في تفكيرهم :
ابحث عن الفردوس الذي في الارض قبل أن تبحث عنه في السماء.
وحتما الفردوس الارضي لن نجده دون أن تكون هناك مشاعر محفزة وتفكير جميل على مستوى الثقافة والعلم ومجمل ظواهر الابداع من الموسيقى الى التبشير بالحب عن طريق قناني العطر.
الرواية ( الشعرية ) من يكتبها ، هنا العودة الى بدء المقال ، وفي قناعتي أنَ من يكتبها ، الذي يستطيع ان يتفوق على صفاء المرايا في اول نظرة لها ، وعندما لايستطيع لن يستطيع أبدا كتابتها حتى لو وضعوا بين اصابعه الف كمان والف قاموس والف وردة……….!
( 4 ) ساكو وفانزيتي ( إشتراكية السينما والرواية) لاأعرف لماذا يسكنني هاجس ما يقول : أنك لاتستطيع أن تكتب رواية إلا عندما تتخيل أنكَ تراها . وعلى هذه الرؤية ، ومثل الذي تسكنه رعشة قبلة من ممثلة سينمائية مشهورة كانت بداياتي الكتابية تضع هذا التصور في تفكيرها حتى من دون أن اشعر فيه ، ولا اعتقد أبدا أن روائيا سينجح ويصبح شهيراً دون أن يكون صباه وطفولته مسكوناً بخيالات السينما ورواياتها ، لأني اعتقد إن معظم الروايات الخالدة في التاريخ منذ حرب طروادة وحتى رواية ماركيز في ساعة نحس تم تحويلها الى افلام سينمائية.
كنت في في الثالثة عشر من عمري عندما أصطحبني أخي الكبير المرحوم ( عبد اليمة / 1953 ــ (2008 لمشاهدة الفيلم الأيطالي ــ الفرنسي ( ساكو وفانزيتي ) والمنتج عام 1971 .أخراج جوليانو مونتالدو وبطولة جان ماريا فولونتي . أتذكر الزحام الهائل على شباك قطع التذاكر في سينما الأندلس في مدينة الناصرية 360 كم جنوب بغداد / على مقربة منها ولد النبي ابراهيم ، والرسام الكارفيتي المدهش فائق حسين والمطربون الاسطوريون داخل حسن وحضيري أبو عزيز وناصر حكيم ، وفيها أسس فهد الحزب الشيوعي العراقي ، وفيها ولد ثلاثة من رؤساء وزارة العهد العراقي الجديد عبد المحسن السعدون وصالح جبر وناجي طالب وفيها ولد ايضا واحد من كبار كتاب الرواية العراقية عبد الرحمن مجيد الربيعي )) .وكان الحضور خليط كل شرائح المجتمع وكأنهم بأصرارهم للحضور في العرض الأول يريدون تكريم هذين الكادحين الايطاليين نيقولا ساكو وبارتيليميو فانزيتي واللذين هاجرا الى امريكا ولينتميا الى حزب يطالب بحقوق العمال مما ازعج السلطات الامريكية ليفبركا لهما التهمة المعروفة ، تهمة قتل الصراف وحارسه وليدفعا الثمن ( الأعدام ) وهما جالسين بصمت وكبرياء على الكرسي الكهربائي.مازلت أتخيل وجهي ساكو (صانع الأحذية ) ورفيقه فانزيتي ( بائع السَمك ) بوجيهما الحاديّْ التقاطيع والنظرات الغريبة والمليئة بتساؤلات جبروت يدل على براءتهما ، مما الهم هذا الكثير من كتاب العالم المتحضر لينشدوا بأسمها القصائد ويكتبوا القصص والمسرحيات . وكما شرح لنا معلمنا في الصف السادس الأبتدائي عندما عرف أن نصف الصف ذهب لمشاهدة الفيلم قال :هذا درس للحرية والحياة والمواقف العظيمة .ما شاهدتموه يمنحكم ثقافة واحلاما واخيلة ومواقف اكثر نفعا بألف مرة من قصص محمد عطية الابراشي التي تملأ مكتبة المدرسة بقصص العفاريب وخرائب الاهرامات والجنيات. أنتم تحتاجون الى الواقع أولا ومن ثم تستعينوا بالخيال.
بعد ستة اعوام من اخراج هذا الفيلم وفي عام 1977 أعلن حاكم ولاية ماساتشوستس في تصريح رسمي براءتهما. لأكتشف ومع كلام معلمي أن الحرية عندما تدان ويقاضونها ظلما فأن براءتها دائما ترتهن بأعتراف متأخر من ضمير التأريخ . وخاطرة المعلم هذه وحدها من أسكنت في الرغبة لأروي مع نفسي حادثة اعدام ساكو وفانزيتي بطريقتي الخاصة.
وعليَّ أن اتخيل الليل الطويل فوق سطح غرفتي الطينية وأنا ارسم سيناريو تخيل أحداث الرواية التي أكتبها بخواطر اجفاني في زمن لم ينضج قلمي بعد ولم أع حرفة القص وشروطه ، وربما كان بأستطاعتي أن أكتب قصة ساذجة بفضل درس الانشاء ولكن أن تكتب رواية فهذا من المستحيلات ، وكانت قناعتنا في هذا العمر المبكر أن الذين يكتبون تلك الروايات التي تصنع لنا الاماني والاحلام والشهوة حتما رؤوسهم لسيت بحجم رؤوسنا ، وأتذكر اني نلت اعجاب مدرس العربية في الثالث المتوسط عندما كتبت في احدى تلك الانشاءات عبارة : لو لم يكن انشتاين رواياً جيداً لاحلامه لم يستطع ابدا اكتشاف النظرية النسبية.في تلك الليلة ورواية الفيلم ( ساكو فانزيتي ) تسكنني بالحزن والغضب والتعاطف أصل الى تخيل الحدث وحوارته والدراما التي مر بها ، وأتمنى أن يأتي الصباح لأقص على ابي واخوتي ما تخيلته في الحدث وما اريد أن ارويه أنا عن شغيلة يشبهون حلم أبي وصراعه مع الحياة ويعيشون معه في ذات مكان عمله. ( حمالون ، صاغة ، حدادون ، صافرون ، نجارون ، عطارون ، ندافون ، فكهانيون ، عمال بلدية ، حلاقون ، نوادل مقاهي ، خياطون ، عمال مطاعم الكباب والتشريب ، بناءون ، حائكون ، الرقاعون والأسكافيون) تلك هي أغلب المهن التي يؤم اليها الفقراء لتمنع صفير الجوع في بطونهم ، الطبقات الكادحة التي بسبب هذا العزل المجتمعي وخجل الشرق وقسوة الحاكم وجندرمته لايفكرون في الدفاع عن احلامهم بالطريقة البارعة التي روى فيه الفيلم موقف الرجلين الكادحين.أؤمن أن تلك كانت الروايات في زمننا انشط كثيرا من أي حزب يساري ، فمعظم الاحزاب اليسارية الحالمة بالكادحين والخبز والحرية كانت تشتغل في السر ولاتؤدي في فعلها المساحة التي تغطي فيها كامل تواجد الطبقات ، وربما النخبة فقط من يستطيع ان يصل الى ادبيات والمنشورات السرية لتلك الاحزاب واغلبهم من المنتمين أليها، ولهذا كان أبي والاغلبية الساحقة من اصحاب مهن الفقراء لايعون تماما رسائل تلك التنظيمات ، غير أن الروايات كانت تعمل في العلن وتجلس في رفوف المكتبات والارصفة ويقرأها الجميع لهذا كانت تقرأ ويعرف من احداثها طبيعة ما يجري في هذا العالم ، وكنا نقرأها ونحاول أن ننقل بعض من احلامها وسردها وحكايتها الى اباءنا الذين في الغالب يتذمرون من سردها الطويل وتفاصيلها الصعبة وشروحاتنا المملة ، وبالرغم من هذا أبي اصغى طويلا لساكو فانزيتي وانا ارويها بطريقة بدائية وركيكية ولكنها حماسية ، وعندما اخبرته في نهاية الروي : أني افكر لأكتب عن كل اصدقاءه من الفقراء وكادحي علوة بيع الحنطة والشعير.ضحك وقال : دعْ رواياتك لحين تصير معلماً او موظفا ، واتركها حين تصير عريفاً متطوعا في الجيش.لكني حينما اصبحت عريفا في الجيش في الخدمة العسكرية الألزامية بعد التخرج لم اتركها ، فقد حملنا الروايات معنا في حقائب السفر والجبهات لاكتشف أن اجمل متعة في هذا العالم بعد احتضان المرأة التي تعشق أن تقرأ رواية على قمة جبل شمالية في سيدكان أو مرتفعات حوض بنجوين ومع نسائم ليل بارد ، أو أن تغوص في احلام شخوص رواية ما مع موسيقى القصب الجنوبي تحت سماء صافية وضوء فانوس في واحدة من ليالي الهور الساحر.
























