حاتم حسن بين الرواية والقصة القصيرة -2-

حاتم حسن بين الرواية والقصة القصيرة         -2-

للفضاء المكاني إمتدادات في الشخصيات

جمال خضير الجنابي

مفهوم  النصّ الحكائيّ

تعودُ أهميةُ المكانِ في الرواية العربية إلي أنه الحاضن للأحداث ومسرح صراع الشخوص،بل الفضاء الرئيس لكل العناصر الروائية الذي يُشكلُ جغرافيةَ الروايةِ ومنه تكتسبُ شخصيةُ البطلِ حمولاتِها الثقافية، وبالتالي يُمكن أن تُعبرَ عن وجهة نظرها حسب البيئةِ الثقافيةِ التي وُلدت وعاشت فيها، وهو الركيزة التي يَنهضُ عليها بناءُ الرواية وتطورها بل المنظور الذي يُطل منه المؤلف على سير الأحداث ونموها وتطورها وتفاعل كل شخصية بحسب المكان وحمولاتِه الثقافية. إن المكانَ المتخيلَ في الرواية،كما يُحدده د.سمر روحي الفيصل :هو المكانُ اللفظيُ المُتخيلُ،أي المكان الذي صنعته اللغةَ انصياعاً لأغراض التخييل الروائي وحاجاته. (1)هذا المكانُ التخيُلي ليس هو المكان الواقعي حتى لو تشابهت ملامحه مع جغرافية المكان الواقعي الذي نعرفُ بعضَ ملامحِهِ ولكن يستطيعُ النصُ الروائيُ كما تُؤكدُ د. سيزا قاسم إن النص الروائي أن يَخلقَ عن طريق الكلمات مَكاناً خيالياً له مُقوماتِهِ الخاصة وأبعادِهِ المُتميزة. (2)

أو هو المكانُ المشحونُ بالعلاقات المُتصارعة الذي يحملُ سمات خاصة كما يُحدده غالب هلسا المكانُ بوصفه تجربةً تحملُ معاناةَ الشخصيات وأفكارَها ورؤيتَها للمكان وتُثيرُ خيالَ المتلقي فيستحضره بوصفه مكاناً خاصاً متميزاً. (3) ويَرفضُ د.عبد الملك مرتاض استخدامَ مصطلح المكان أو الفضاء الروائي أسوة بالنقاد الغربيين،وينادى د.عبد الملك مرتاض بضرورة استخدام مصطلح (الحيز الروائي) وهو ما اشتهر في كتابة الرواية العربية الجديدة،يقول د. مرتاض إن الروائيين اغتدوا يتعاملون مع الحيز الروائي بتقنيات جديدة كالتقطيع، والإنطاق أو الأسنة، والتشخيص وذلك بربطه بالأسطورة .(4) عرف ابن سينا المكان بأنه هو السطح الباطن من الجرم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم ألمحوي,ويقال مكان للسطح الأسفل الذي يستقر عليه جسم ثقيل  (5) ولان المكان هو الكيان المادي للواقع فانه دون سواه يثير إحساسا أخر بالزمن وبالمحلية,فقد حمله بعض الروائيين تاريخ بلادهم,ومطامح شخوصه,فكان وكان واقعا ورمزا وتاريخا قديما وأخر معاصرا شرائح وقطاعات مدنا أو قرى حقيقة وأخرى مبنية في الخيال كيانا تتلمسه وتراه وكونا مهجورا أغرقته سديمات لا نهاية لها . (6) ومكان يتخلص في العمل الفني بأنه الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان  ومجتمعه .(7)

ذلك لان المكان له إبعاده الاجتماعية التي تؤثر على بناء الرواية فهو الذي يكسب الصراع الدرامي حدته ويجعل انسياب الزمن ويزيده وضوحا. (8) يقترن المكان بالوصف لان الوصف يهتم بمظاهر الأشياء فهو يختلف عن السرد في كونه لايعبراهتماما إلى حركة الزمن لان الوصف يهتم بالموضوعات المتزامنة والمتجاورة في المكان (9) كما إن المكان يمثل الخلفية التي تقع فيها إحداث الرواية أي انه الإطار الذي تقع فيه الإحداث . (10) وللوصف أنواعه ووظائفه لأنه يشغل حيزا مهما في القصة,فهو يخلق شيئا من الراحة عندما يوقف راوي القصة سير الإحداث, ليضعنا وجها لوجه إمام مشهد ما ويبعث على التشويق عندما يوقف الراوي الإحداث عند موقف حرج .(11) وهذا يصبح للوصف دوره الفني في تأثيث الرواية بمشاهد ولوحات زخرفية تريح الكاتب من مواكبة حركة الزمن,وتتيح للقارئ تأمل تلك المشاهد واللوحات .بوصفها ذات إبعاد زخرفية وجمالية وتفسيرية أو رمزية كما انه يمنح الكاتب فرصة للتأمل لظواهر الأشياء بما في ذلك الأشياء الصغيرة ذات الصلة بحياة الإنسان وأوضاعه الاجتماعية .

للمكان أهميّة كبيرة في بناء الحدث الحكائيّ فهو البنية الأساسيّة من بنياته الفنيّة و لايمكن تصوّرأحداث قصصية إلاّ بوجود مكان تنمو فيه وتتشعّب لأنّ المكان يحتوي على الأحداث ويبنيها ويشعّبها.ومن داخل الفضاء المكانيّ تتم عمليات التخيّل والاستذكار والحلم فلا يمكننا أن نتخيّل بطلاً أو شخصية قصصية تفكّر وتتفاعل مع أخرى وتراقب وتحلّل الأوضاع الإيديولوجية والاجتماعيّة أو تثبت رؤاها إلاّ من داخل المكان ومن خلاله.ويحدّد المكان في النصوص الحكائيّة مسارالشخصيات وهو ضروري بالنسبة للسرد الحكائيّ لأنّ السرد ولكي ينمو ويتطوّر فإنّه يحتاج إلى عناصر زمانيّة ومكانيّة والحدث لا يُقدّم سوى مصحوب بجميع إحداثيّاته الزمانيّة والمكانيّة ومن دون وجود   هذه المعطيات يستحيل على السرد أن يؤدّي رسالته الحكائيّة. (12)

إنّ الفضاء المكانيّ بامتداداته ومكوّناته يساعدنا على فهم الشّخوص التي تقطنه و وضعها الاجتماعيّ وتكوينها السياسيّ والفكريّ والإيديولوجية المعرفيّة التي تتبناها وبالتالي يمكّننا من أن نفهم مجمل الأوضاع السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة لمجتمع من المجتمعات أو مدينة من المدن فالفضاء المكانيّ لايتشكّل إلاّ عبر رؤية ما،بل ويمكن القول بأنّ الحديث عن المكان هو حديث محوّرعن رؤية ذلك المكان وزاوية النظر التي يتّخذها الرّاوي عند مباشرته له.فالرؤية التي ستقودنا نحو معرفة المكان وتملّكه من حيث هو صورة تنعكس في ذهن الرّاوي ويدركها وعيه قبل أن يعرضها علينا في خطابه . (13)

والفضاء المكانيّ في النصوص الحكائيّة يكشف عن عادات سكّانه وتاريخهم الثقافيّ والمعرفيّ والسياسيّ بتعبيرآخرإنّه يقدّمهم في صيرورتهم التاريخيّة والحضاريّة.ويرى أحد الباحثين أنّ المكان هو الذي يؤسس الحكي لأنّه يجعل القصة المتخيَّلة ذات مظهر مماثل لمظهر الحقيقة . (14)

فعلى سبيل المثال نجد أنّ الدخول في المكان في (ساعة بين صفرين) والخروج منه يعني مزيداً من تدفّق الوحدات السردية، واستحضار الأمكنة الجديدة .إن خروج قطر الندى ويوسف العابد من بيتهما إلى أمكنة جديدة داخل المدينة  جعل السرد يحفل بالأحداث الكثيرة المتشعّبة وبالتالي تعددت صور المكان مع هذا الخروج فهناك في مدينة فضاءات مكانية كثيرة يدخلهما شركة,بيت صديقتها سعاد,الأسواق,ساحات,الأزقة,فضاءات المسجد…… الخ .

ومن هنا فإنّ تشكّل الأحداث و سيرورتها يفترض صوراّ جديدة للأمكنة سواء أكانت واسعة أم ضيّقة .ويرى بول كلافال أنّ المكان بالنسبة لقاطنيه يشكّل رمزاً للأمان و مصدراً للاعتزاز والتعلّق يقول (15) المكان هو أحد الدعائم المفضّلة للنشاط النموذجيّ ينظر إليه من يسكنونه أو من يعطونه قيمة وذلك بطرق مختلفة يُضاف إلى الامتداد الذي يشغلونه ويتجوّلون فيه ويستعملونه في فكرهم امتداد يعرفونه ويحبّونه والذي هو بالنسبة إليهم رمز أمان باعث عزّة أو مصدر تعلّق .

 ومن الفضاءات التي تبدو رمزاً للأمان وصدراً للتعلّق في رواية ساعة بين صفرين فضاء المسجد،وفضاءات أسواق وفضاءات البساتين وفضاءات بيت سعاد,فضاءات الأسواق فضاءات الشركة وفضاءات الساحات الباعة المتجولين ويبدو أنّ دراسة بنية المكان وأوصافه ومحتوياته في النصوص الحكائية ستساعدنا على فهم البنية المعرفيّة والوضع الاقتصاديّ والطبقيّ للسكّان الذين ينتمون إلى هذا المكان فـ وصف الأثاث والأغراض داخل المكان هو نوع من وصف الأشخاص الذي لا غنى عنه.

 فهناك أشياء لا يمكن أن يفهمها القارئ ويحسّها إلاّ إذا وضعنا أمام ناظريه الديكوروتوابع العمل ولواحقه وبشكل عام يظلّ بيت الإنسان امتداداً له،فإذا وصفنا البيت فقد وصفنا الإنسان (16) فعلى سبيل المثال يُلاحظ إن يوسف العابد يوصف المكان قائلا (سبق ليوسف إن مر بهذه المنطقة مرتين أو ثلاثا .ولاحظ الساحة من السيارة المسرعة..وها هي تتسع وتمتد متسللة إلى بدايات الأزقة المجاورة.. ويفترش باعة الخردة الرصيف الجانبي للجامع وبعض من مدخله الذي عج بحمله الإطباق المعلقة إلى أعناقهم ويبيعون السكائر المفرد .. والكرزات وعلب البخور والحلويات الرخيصة المصنعة في أقبية البيوت القريبة وتلك هي البناية الصفراء العتيقة بطبقاتها الثلاث ..وتلوح الشرفة واضحة في وسط الطابق الأول خالية بين شرفات مزدحمة بالملابس المنشورة على الاسيجة وبمبردات الهواء ومختلف الأشياء المركونة,بعيدا عن أمكنة ضيقة . (17)

بناء الزمان

 يعرف ابن سينا الزمان بأنه هو مقدار الحركة من جهة المتقدم والمتأخر .(18) أي من حيث الماضي والمستقبل وما يقع بينهما إلا هو الحاضر, وفي الرواية يرتبط الزمان بالإحداث وبالسرد كساعة وقع الحدث ,وقدرة الكاتب على تكثيف الزمن ورصده وتجسيده بفاعلية,لان القص هو أكثر الأنواع الأدبية التصاقا بالزمن .(19) لان الزمان مرتبط بالمكان,وهذا يحتاج إلى قدرة في الإحاطة باللوحة التصويرية إجمالا بلحظة زمنية , فلا بد للرواية إن تنبسط أولا قبل إن نلم بها بكليتها وقبل إن تستحوذ عليها بصورة كاملة.(20) من النادر إن يتطابق تسلسل الإحداث مع ترتيب الحكاية  أو مع زمن الإحداث لان زمن الحدث يخضع إلى ظروف وتأثيرات  مختلفة, ولهذا نجد ثمة أكثر من زمن مطروح على الساحة,فهو قد يكون زمنا متفجرا لحظة تفجر الحدث.الزمان ظاهرة حقيقية أدركها الإنسان منذ القدم,وسمة الديمومة للزمان,أعطته وجودا حقيقيا.(21) وثمة علاقة تأثير وتأثرمتبادلة بين الإنسان والزمان, واستمرارية هذه العلاقة أضفت على الزمان معنى إنسانيا,بحيث أصبح الزمان جزءا أساسيا من الخبرة الإنسانية كما إن التغيرات التي تحدث في الواقع الإنساني ترجع إلى الزمان,لذا حاول الإنسان السيطرة عليه وإخضاعه لإرادته.(22)

وبسبب هذه العلاقة المتبادلة بين الإنسان والزمان,فان بعض الفلاسفة يرجع كثيرا مما يصيب الإنسان إلى الزمان,فالزمان يفضي إلى الشقاء إلانساني,نتيجة لنقصان الفعل فيه. (23) كما إن حركته المراوغة هي مصدر وجود وفناء الإنسان لان الزمان هو الذي ينبئ الإنسان بموته وزواله وعبثية كل جهوده .. إن الزمان هو الذي يحمل أمل الإنسان ويأسه … انه الكيان الموجود الفاني . (24)

ورغم إن الزمان كامن في وعي الإنسان وخبراته ووجدانه, نظرا لاتصاله بانطباعاتنا وانفعالاتنا وأفكارنا مما يجعل منه معطى من معطيات الوعي المباشر (25) ان تحديد مفهومه يعد امرأ بالغ الصعوبة (26) الأمر الذي جعل القديس أوغسطين يقول (حين سئل عن الزمان) إن لم اسأل فاني اعرف,فان سئلت عنه لا اعرف (27) وبخصوص الزمن يقول الفيلسوف أفلوطين إننا نحس إزاءه بخبرة معينة تحدث في نفوسنا بغير عناء,وعندما نحاول إن نختبر أفكارنا عنه نحتار . (28) ومع تسليم الفلاسفة بصعوبة تحديد مفهوم الزمان,فأنهم حاولوا وضع تصورله,فكلمة الزمان وكل ما يندرج تحتها من مترادفات مثل الدهروالحين تستخدم لتصور الوقت (29) كما أنهم أولوه اهتماما خاصا بسبب طبيعته الانزلاقية المتحركة إذ وجدوا فيها تجسيدا للحركة والنشاط الدائمين في النفس البشرية (30)

فالزمان هو نشاط النفس الإنسانية وحياتها وفاعليتها وهو ناتج عن اختلاف مراحل حياة النفس وحركة النفس المستمرة إلى الإمام تحدث الزمان اللانهائي وبقدر ما تتدرج الحياة في مراحل يمضي الزمان (31) الزمان إذن هو امتداد لهذه النفس وهو الحياة نفسها أو الوعي بالحياة لكونه بحركته يندرج في عالم المتغيرات(32) فنحن نعرف أنفسنا من خلال الزمان كما ان إحساس الإنسان بذاته ووعيه بنفسه مرتبط اشد الارتباط بالإحساس بالزمان .. ذلك إن هذه الذات تنمو وتتحدد معالمها في كنف الزمان (33)لذا فان الوجود الحقيقي للزمان والذي يمس المصير الإنساني منذ هدليته حتى نهايته جعل من الزمان إشكالية أو مقولة فلسفية أرقت لها العقول وتضاربت بشأنها الرؤى واسترعت الاهتمام واستأثرت به وبرزت جميع إشكاليات الفلسفة في ذلك كله منذ وجد الإنسان . (34)

بصورة تحتمل وجهات نظرمختلفة تنبيه بصعوبة إشكالية الزمان قضية فلسفية لا مخرج منها .

وليس الفلاسفة وحدهم هم الذين رأوا في الزمان مصدرا للشقاء الإنساني ومولدا للأشياء كلها إذ فيه ديمومة الخلق والتجدد والنمو ثم الفناء والزوال فالإنسان الشعبي أيضا في بساطته قد رأى في طبيعة الزمان المراوغة والمخادعة مصدرا لشقائه وسعادته ومن ثم عد انتصاره عليه انتصارا لحياته وطلبا لحمايتها من هذا المخادع الذي لا يثبت على حال . (35)

ولما كان للزمان كل هذه الأهمية عند الفلاسفة بخاصة الإنسان بعامة فمن الطبيعي إن نجد أساطيرالحضارات المختلفة عبر التاريخ تجسد الصراع الإنساني مع الزمان والعدم بحثا عن الخلود وليس أدل على ذلك من الحضارة الفرعونية التي انصبت جهودها على تأكيد عقيدة الخلود في الحياة الأخرى تحديا للزمان (36) والحضارة الإغريقية التي انشغلت بمقولة الزمان مما نتج عنه كثير من الأساطير المتعلقة بشان الزمان أشهرها أسطورة الإله (كرونو) الذي كان يخشى على ملكة من أبنائه ومن ثم اخذ يلتهمهم الواحد تلو الأخر مثله في ذلك الزمان الذي ينجب الكائنات ثم يقضي عليها لذلك فان الإنسان الإغريقي على مر عصوره التاريخية انشغل بوضع مفاهيم تتعارض مع مفاهيم العدم والزوال والفناء مثل الأزلية والسرمدية والأبدية التي أخذت التي أخذت صورا وطرائق مختلفة معبرة عن محاولة الإنسان الإغريقي التغلب على سطوره الزمان .ولم يقتصر انشغال الحضارة الإغريقية بالزمان على مستوى القصص الأسطورية بل تعداه إلى مستويات شعرالملاحم الشفوي والشعرالتعليمي والأغاني الفردية والجماعية التي اهتمت بفكرة الزمان لاسيما جانبه المأساوي . (37)

وفي الحضارة السومرية نجد أسطورة كلكامش التي يرجع تاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد تقريبا التي تنسب إلى السومريين أقدم سكان بابل حيث تحكي الأسطورة عن الملك جلجامش الذي اهتدى عن طريق جده الأكبر إلى سر الخلود الذي يكمن في نبات سحري ينبت في قاع البحر وكان على الملك جلجامش الوصول إلى ذلك العشب السحري العجيب ليأكل منه كي يسترجع شبابه الذي ولى كما أراد إن يوزعه على شعبه حتى يفوز بالخلود. (38)

ولا تخلو الحضارة العربية من الاهتمام بمقولة الزمان ففي العصر الجاهلي كان لدى العرب ظن بان للزمان قوة قاهرة تهيمن على الحياة وتهلك الناس (39) ومن ثم اعتاد العرب سب الزمان وسب اشد اللعنات عليه لاعتقادهم انه مصدر الشر والشقاء (40) وقد اظهر القران الكريم نظرة عرب الجاهلية إلى الزمان في قوله تعالى (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر)(41) الأمر الذي جعل سيدنا النبي محمدا صلى الله عليه وسلم ينهي عن سب الدهر فيما اخبر به عن رب العزة في الحديث القدسي (لا تسبوا الدهر فاني إنا الدهر) (42) ومن أهمية الزمان لدى الشعوب والحضارات المختلفة ننتقل إلى مكانته حيث رأى الفلاسفة ومنهم كانط في فلسفته النقدية إن الزمان متقدم على المكان وان له الأفضلية والمرتبة العليا ذلك إن المكان هو شكل تجربتنا الخارجية إما الزمان فهو شكل تجربتنا الداخلية . (43)  فالزمان ذو طبيعة تجعله يخاطب العالم الإنساني الداخلي لذا فهو حضورا من المكان وأفضل منه مرتبة .ولا تختلف نظرة الفيلسوف صموائيل الكسندر إلى الزمان عمن سبقه فقد أعلى من شانه حيث ذهب إلى إن المكان بدون الزمان كتلة مصمتة ذلك إن المكان جسد الكون والزمان عقله . (44)

ولتواتر فكرة أفضلية الزمان وتقدمه على مكان اجمع الفلاسفة على إن الزمان ليسا على قدم المساواة إذ إن الزمان يدرك نفسيا بينما المكان يدرك حسيا فإذا كان المكان صورة أولية ترجع إلى قوة الحساسية الظاهرة التي تشمل حواسنا الخمس فان الزمان صورة أولية ترجع إلى قوة الحساسية الباطنة بصفة مباشرة (45) ومن ثم يقول عنه الفيلسوف الإسلامي أبو حيان التوحيدي انه أمر روحاني.(46)

إما في مجال الدراسات الروائية فان الفصل بين عنصري الزمان والمكان يعد امرأ شكليا نظرا لارتباطهما معا ارتباطا كليا في النص الروائي فالحدث الروائي لابد إن يقع في مكان معين وزمان بعينه .فالزمان والمكان إذن عنصران متلازمان ورغم ذلك فان بعض دراسي الرواية اثروا دراسة كل منهما عنصرا قائما بذاته وذلك من اجل الوصول إلى فهم أفضل لوظيفته وبالتالي للعمل في كليته. (47) ودارسو الرواية يرونها فنا زمنيا بحق حيث إن الرواية تستطيع إن تلتقط عنصرا لزمان وتشخصه في تجلياته المختلفة فضلا عن إن الزمان يحكم الجنس الروائي في مستوياته المختلفة. (48) ومرد ذلك إن الرواية فن قصصي والقص هو أكثر الأنواع الأدبية التصاقا بالزمن . (49)

ذلك إن كل قصة تقتضي نقطة انطلاق في الزمن(50) ولابد لها من جذور ضاربة في الزمان وليس أدل على ذلك من البداية الاستهلالية لمعظم حكاياتنا الشعبية (كان يا مكان في سالف العصر والأوان) تلك البداية التي تدل على إن الزمان هو وسيط الحياة والموضوع الأزلي الذي شغل الإنسان في كل قصة يحكيها.(51)

والاهتمام بزمنية الرواية لا يقصد به الاهتمام بـ زمنها الخارجي المرجع الذي تصدر فيه أو تعبر عنه فحسب إنما المقصود … زمنها الباطني .. المتخيل الخاص أي بنيتها الزمنية التي تتحدد بإيقاع ومساحة حركتها والاتجاهات المختلفة أو المتداخلة لهذه الحركة كما تتشكل بملامح إحداثها وطبيعة شخصياتها ومنطق العلاقات والقيم داخلها ونسيج سردها اللغوي ثم أخيرا بالالتها العامة النابعة من تشابك وتضافر ووحدة هذه العناصر جميعا (52)

ولأهمية الزمان في الرواية فقد أصبح من المستحيل بالنسبة للروائي إن يغفل الزمن داخل بنية روايته. (53) ولإتمام هذه البنية وتحقيقها لابد من خبرة الروائي في الحياة ووعيه بالزمان فكلما ازدادت تلك الخبرة ازداد وعيه بالزمان الأمر الذي ينعكس بدوره على إنتاجه الروائي بل إن دارسي الرواية ذهبوا إلى ابعد من ذلك حين جعلوا فهم أي عمل روائي متوقفا أساسا على فهم الزمان فيه كما أنهم أدركوا إن الاختلاف بين عنصر الزمان والمكان يكمن فقط في طريقة توظيفهما روائيا حيث يمثل المكان الخلفية التي تقع عليها إحداث الرواية بينما يمثل الزمان الإحداث نفسها وتطورها .

وفي دراستهم للرواية فصل النقاد بين عنصري الزمان والمكان من حيث إدراكهما فالزمان عندهم يدرك نفسيا وهو أعلى وأسمى درجات الإدراك بينما المكان لكونه حسيا فهو يدرك بالحواس وعللوا إدراك الزمان نفسيا بان الزمان في ذاته غير مدرك أثره فقط ومن ثم كان وجوده مرهونا بوجود الوعي به أو للإحساس به (54) وهو بذلك يصبح معطيا مباشرا للوعي والوجدان ويقترن بالحالات الشعورية والنفسية في النص الأدبي . (55)

لقد أعلى النقاد من شان الزمان أيضا لقيمته البنيوية العالية التي تفوق لدى بعض النقاد قيمة الفضاء الروائي ضمن الآلة الحكائية فالزمن هو العنصر الأساسي لوجود العالم التخيلي نفسه ولذلك كانت له الأسبقية في الأدب على الفضاء الروائي . (56)

وبناء على ذلك صار الزمان بنية قائمة بذاتها داخل العالم الروائي ومجالا خصبا للعديد من الدراسات والبحوث والأطروحات تشع بسحر هذا العنصر وقدرته على تشكيل القصر وتعدد تقنياته .

وتجدر الإشارة إلى إن دراسي الرواية قد تناولوا عنصر الزمان بطرائق مختلفة فمنهم من درس هذا العنصر من الجانب السردي البنيوي الشكلي المؤسس على منهج الشكلانيين الروس ذلك المنهج الذي ينحو إلى تقسيم الخطاب السردي زمنيا إلى زمن القصة وزمن الحكاية او المتن الحكائي والمبنى الحكائي .

والمقصود بالمتن الحكائي الدراسة التي تأبه بزمنية ومنطق تنظيم الإحداث التي تتضمنها الرواية تلك الإحداث المتصلة فيما بينها والتي يخبرنا بها النص الروائي .إما المبنى الحكائي فهو الدراسة التي تعني بنفس مجموعة إحداث المتن الحكائي بيد أنها لا تهتم بالقرائن الزمنية والمنطقية للإحداث قدر اهتمامها بكيفية عرض هذه الإحداث وظهورها في النص الروائي . (57) ومن دراسي الرواية من تناول عنصر الزمان في الروايات من الجانب الانطولوجي والمقصود به الزمان اللاعقلاني النفسي الداخلي الذاتي  الإنساني وبعبارة أخرى الزمان الخاص بالإنسان وهو زمان لا يطابق الزمن العقلاني الكوزمولوجي الطبيعي (الفلكي) أي زمن الوجود الخارجي بل يتعارض معه.(58)وتكمن أهمية الزمان الداخلي الإنساني في انه يمثل الزمن الحقيقي لأنه يقوم على الثبات وليس على التغير وهذا الثبات هو الذي يتحقق فيه وجودنا ومشاعرنا(59)  وقد عد بعض الباحثين هذا الزمن نسيج الوعي نسيج الحياة ونسيج الواقع .(60) ولان الزمان مرتبط دائما بالوجود ونظرا للعلاقة المتبادلة بينهما فإننا لا نفكر في احدهما دون الأخر بالإضافة إلى إن وجودنا في حد ذاته يرتبط ويتحدد بالزمان . ((61

{  كاتب ومفكر وباحث وناقد