هبة الدين الحسيني

هبة الدين الحسيني

مجتهد تنويري من طراز خاص

 عـلاء لازم العـيـسى

  هو المصلح الأكبر ، والمجتهد المجدّد ، السيّد محمّد علي ـــ الملقب بـ  هبة الدين  ـــ بن السيّد حسين بن السيد محسن الحسيني الشهرستاني .

    ولد السيد هبة الدين بمدينة سامراء ظهيرة يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر رجب سنة 1301هـ الموافق للعشرين من مايس سنة 1884م ، في بيت علم وعزّ وشرف ، فقد كان والده عالماً فاضلاً شاعراً ، فنشأ محاطاً برعاية أبيه ، انتقل مع أسرته إلى كربلاء ، ثمّ عاد إلى مسقط رأسه سنة 1891 بعد أن أتقن القراءة والكتابة وشيئاً من النحو ، وبعد وفاة المرجع الأعلى السيد حسن الحسيني الشيرازي سنة 1895 قرّرت الأسرة مغادرة سامراء والعودة ثانية إلى كربلاء فأكمل مرحلتي المقدّمات والسطوح على يد والده ، وبعد وفاة والده سنة 1910 انتقل إلى النجف الأشرف فاستكمل ما بدأه في طلب العلم على علماء أعلام ، حتى بلغ درجة الاجتهاد  فتصدّى للتدريس في جامع الشيخ الطوسي في النجف الأشرف ، وفي كربلاء والكاظميّة ، وألقى محاضرات في الفلسفة والفلك والرياضيات ، إلى جانب علوم الفقه والأصول والعقائد  فتوافد عليه طلّاب العلم من مختلف البلدان ، ومختلف المذاهب ، بهدف الارتشاف من منهل علمه ، أو الظفر بإجازة منه .

    أصدر مجلة  العلم  في النجف الأشرف ، صدر عددها الأول مطبوعاً في بغداد في ربيع الأول 1328هـ الموافق للتاسع والعشرين من آذار سنة1910  فكانت أول مجلّة عربية بعد الثورة الدستوريّة العثمانيّة تصدر في النجف الأشرف ، عرّفها صاحبها السيد الشهرستاني بقوله :  مجلّة شهرية دينيّة فلسفيّة سياسية علميّة صناعيّة  ، صدرت المجلة بـ   48  صفحة ، واستمرت أكثر من سنتين ، وتوقّفت عن الصدور بعد  21  عدداً لذهاب صاحبها إلى الحج واندلاع الحرب العالميّة الأولى ، مديرها المسؤول الشاعر المشهور عبدالحسين الأزري، ويبدو إنّ المجلة قد اشتهرت بعد ذلك وعرفت في العالم الإسلامي ، وحتى بين المسلمين في ديار أوروبا فصاروا يبادلون صحفهم بها ، فقد جاء في أحد أعدادها  وتحت عنوان  مبادلات الصحف مع مجلة العلم  ما نصّه :  ذكر الصحف المشهورة المهمّة من الأمصار المتمدنة التي وصلت إلينا ، وهي : من الأستانة الحضارة والعدالة وشمس … من بيروت الإتحاد العثماني اليومي والرأي العام والإقبال والبشير والحقيقة … ومن دمشق  المقتبس والعصر الجديد والحقائق ، ومن العراق جميع صحفه ، ومن قاهرة مصر المؤيد والمنار والشمس ، ومن إيران أكثر جرائدها ، ومن الهند الأخبار اليومية وحبل المتين ، ومن امريكا الزمان ، ومن اليابان الإتحاد الإسلامي ، ومن فرنسا نهضة العرب ، ومن ايطاليا السياسة المصوّرة  .

تنوع مؤلفات

 أسّس السيد هبة الدين سنة 1911  مكتبة العلم العامة  في الكاظميّة ، ضمّت مؤلفات تنوّعت أغراضها وبأربع لغات شملت : العربيّة ، والتركيّة ، والفارسيّة ، والفرنسيّة ، وبعد ثلاثة عقود على تأسيس مكتبته تلك ، أسّس أخرى في سنة 1941 سمّاها  مكتبة الجوادين   وهي تقع في أقصى الجانب الشرقي للصحن الكاظمي الشريف ، احتوت أكثر من ستة آلاف كتاب بمختلف اللغات شرقيّة كانت أم غربيّة .

    قام في سنة 1912 بجولة في بعض الأقطار العربيّة وإيران والهند ، استغرقت رحلته التي ابتدأها من النجف اثنين وعشرين شهراً ، قطع فيها نحو خمسة عشر ألف ميل ، وزار أكثر من ستّين بلدة ، وشاهد اثنتي عشرة حكومة وإمارة ، ووفّق أثناءها على تأسيس وتشكيل إحدى عشرة مؤسّسة علمية واجتماعية ، وبعد عودته إلى العراق شارك في الجهاد ضد الاحتلال البريطاني وخاصة في معركة الشعيبة ، وواكب كثيراً من تفاصيلها وتداعياتها طيلة فترة المواجهة مع المحتلّين ، من خلال ممارساته اليوميّة من اتصالات مع القادة الأتراك ، أو علماء الدين ، أو شيوخ العشائر ، أو تحرّكاته الميدانيّة سواء في حثّ أبناء العشائر على الجهاد وجمع المتطوّعين ، أم في مراقبة مجريات الأحداث في سوح القتال ، وبعد انتهاء معركة الشعيبة التي أسفرت عن إخفاق الجيش العثماني والمجاهدين في مواجهتهم الغزاة البريطانيين كتب كتاباً بعنوان  أسرار الخيبة من فتح الشعيبة  بيّن فيه أسباب الهزيمة ، مع ذكر أبرز الأخطاء التي تسببت في ذلك ، وما نجم عنها من خيبة آمال أبناء البلاد ، ومن ثمّ استقاء الدروس والعبر من التجربة المذكورة لتجاوزها ، وعدم الوقوع في أمثالها مستقبلاً .     عيّن وزيراً للمعارف في ثاني وزارة عراقيّة تم تشكيلها في اليوم الثاني عشر من أيلول سنة 1921 ? ثمّ أسندت إليه رئاسة مجلس التمييز الشرعي الجعفري في آب  1923 وأمضى في هذا المنصب أحد عشر سنة ، انصرف إلى التأليف والبحث فترك آثاراً كثيرة قيّمة ، إذ ألف في مختلف المواضيع ، منها : رواشح الفيوض في صلاح العروض ، مواهب المشاهد في أصول العقائد ، المعجزة الخالدة ، نهضة الحسين ، الهيئة والإسلام ، تحريم نقل الجنائز ، ما هو نهج البلاغة .     وممّا ينمّ عن بعد نظر السيد الشهرستاني ، ودعوته للتجديد والتجدّد ، هو اهتمامه بالاستشراق وآراء المستشرقين ، ففي المرحلة المبكرة من نشأته وتكوينه الفكري ، وحينما شرع بتأليف كتابه  الهيئة والإسلام  استعان بعدد من مؤلفات المستشرقين المتخصصين بدراسة تاريخ علم الفلك عند العرب المسلمين ، كما انعطف اهتمامه هذا انعطافة كبيرة ، إثر اصداره مجلة  العلم  فقد خصّص جزءً غير قليل من صفحات أعدادها لموضوعات تعلقت بنتاج الاستشراق وأبرز روّاده ، إذ زادت نسبة ذلك على 10 بالمئة من مجموع صفحات جميع أعدادها الصادرة ، وهي نسبة جيدة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنها مجلة شاملة غير تخصصية من ناحية ، وهي من مجلات مرحلة الريادة والتأسيس لصحافة العراق بداية القرن العشرين من ناحية أخرى .

اغتنام فرصة

    ومن دعوته للتطور والتجدد هو اغتنامه فرصة وجوده في منصب وزير المعارف في وزارة السيد عبدالرحمن النقيب الثانية ، ليعبر عن طموحاته الوطنية الهادفة إلى تطوير القطاع التعليمي في العراق ، وإصلاح مؤسساته ، وتجسدت جهوده في زيادة عدد المدارس بنسبة 42 بالمئة وزيادة عدد التلاميذ بنسبة 48 بالمئة خلال عامي  1921 / 1922   وتأسيس دار المعلمين في بغداد لإعداد الكوادر التدريسية ، كما قامت وزارة المعارف في عهده بإعداد نظام خاص بالبعثات ، فتمّ إرسال مجموعة من الطلاب لإكمال دراساتهم العلمية التخصصية ، وتعد هذه المجموعة التي تكونت من  9  طلاب أول مجموعة تحصل على فرصة الدراسة في خارج العراق على نفقة الدولة .     ومن جهوده الوطنية والتنويرية في وزارته هو موقفه من السياسة التعليمية التي اتبعها مدير معارف الموصل  سليم حسون  ، بإفساح المجال للحركات التبشيرية ، وتكريس الانقسامات بين المسلمين والمسيحيين ، فتصدى لهذا المشروع الخبيث ، وبذل قصارى جهده لإقالة مدير معارف الموصل ، ونجح في مسعاه على الرغم مما أبداه المستشار البريطاني       فارل  من عناد وتمسك شديدين به ، إلا أن صلابة السيد الشهرستاني وثباته في موقفه جعلته ينجح ليس في إقالة سليم حسون ، وإنما طالب وبشدة باقالة المستشار البريطاني فارل أيضاً وإبعاده عن وزارة المعارف ، فتحقق له ذلك ، عندما أصدر المندوب السامي برسي كوكس أمراً بإقالة المستشار ، فكان ذلك إنجاز يحسب لوزير المعارف ، لأن وزارته كانت أول وزارة عراقية تتخلص من قيد المستشار البريطاني .     إنتقل السيد هبة الدين الشهرستاني إلى جوار ربّه الكريم عشيّة الإثنين  26  من شهر شوّال سنة 1386هـ ، الموافق  6 / 2 / 1967م  ، فشيّع باحترام ، ودفن في مكتبته التي أسّسها في الصحن الكاظمي الشريف ، وأعقب ثلاثة أولاد ، هم : السيّد جواد ، والسيّد عبّاس ، والسيّد زيد .