
قراءات في ثلاثة كتب عراقية جديدة
ناطق خلوصي
تلقينا مؤخرا ً ثلاثة كتب عراقية جديدة رأينا أن نتوقف عندها قي هذه القراءت التي تأتي حسب تسلسل وصولها إلينا .
1 ـ دراسات في أدبيات عزيز السيد جاسم
صدر هذا الكتاب للباحث رزاق ابراهيم حسن عن ” بيت المتنبي ” في بغداد ، وجاء في190 صفحة وابتدأ بمقدمة موسعة تناولت في الجزء الأغلب منها الجانب السياسي في تجربة السيد جاسم ( وهو ما لا يعنبنا هنا )،ويبررالباحث ذلك بالقول أن كتاباته الفكرية تحتوي على تشخبصات دقيقة لأمراض وإشكالات ثقافية على صلة بالسياسة .يتوزع الكتاب على ثلاثة أقسام ، جاءالأول منها بعنوان ” خطوات في مسيرة ” ويتوزع بدوره على عنوانين فرعيين : ” الشعر في الكتاب الأول ” و ” الروايات في القراءات الأولى ” ، يشير الأول منهما إلى أن السيد جاسم لم يكتب الشعر لكنه أولاه اهتماما خاصا ً من خلال ما كتبه عنه وعن عدد من الشعراء وان أغلب ما ضمه كتابه ” دراسات نقدية في الأدب الحديث ” ، وهو أول كتاب صدر له ، كان عن الشعر والشعراء . ويورد الباحث عناوين موضوعاته . ويأخذ على الكتاب الذي كان قد صدر عام 1970 : لامنهجيته وتشتت موضوعاته وجمعه بين اللغة الشعرية واللغة النقدية وسطوة روح الشباب على المؤلف وتأثره ببعض المدارس الفلسفية . ويوردآراء للمؤلف منها ” ان للشعر زمنين : الزمن العصري وهو زمن كتابة القصيدة والزمن اللاطبيعي …. وهو زمن الشاعر الحقيقي ” ص 18 .وتتعدد موضوعات الكتاب التي يفصح المؤلف من خلالها عن رأيه في موسيقى الشعر والشعر والحدس والشعر والرقص . كما يتحث عن ضرورة الشعر وغربة الشاعر أما القسم الثاني الذي يحمل عنوان ” الرواية في القراءات الأولى ” فيشير الباحث إلى اهتمام السيد جاسم بالرواية العالمية منذ بداية وعيه الثقافي . وفي كتابه الذي أشرنا إليه ثماني دراسات عن الرواية منها ما يقدم تنظيرا ً ” عن أخلاقية وتوزع الروائي ” ومنها ما يتناول روائيين معينين ومواضيع رواياتهم . وهي ” تتوزع بين التنظير للرواية وبين دراسة روايات وروائيين من خلال موضوعات معينة بعضها أخلاقية وفلسفية ونفسية وبعضها يهتم بما هو انساني عام ” ( ص . (33 ويلمح الباحث إلى تأثر الكاتب بالوجودية ويستشف ذلك من خلال الروايات التي تناولها وهي في الغالب لروائيين تأثروا بها. أما القسم الثاني من كتاب الباحث ، وقد جاء بعنوان ” دراسات وشعراء ، فبتناول اهتمام السيد جاسم بالشعر ياحثا ً ودارسا ً . فمن كتابه : ” البحث عن الحرية عند الرصافي ” ، إلى الالتزام والتصوف في تجربة البياتي “و إلى ” دراسة نقدية لشعر حميد سعيد ” ، حيث يتعمق الباحث في دراسة شخصيات هؤلاء الشعراء وخصائص اساليبهم الشعرية . وينتقل الكتاب إلى اهتمام السيد جاسم بالخصائص الشعرية لعبد الأمير الحصيري مارا ً بما هو شخصي في حياة الشاعر وسلوكه الذي لم يكن موضع قبول أقرانه ونقاده . وتحت عنوان ” عزيز السيد جاسم وحرية الشعر ” يكشف الباحث عن استفادة السيد جاسم من المناهج التاريخية والفلسفية في تناوله لبعض القصائد والشعراء ، ولكنه ” يوظف هذه الاستفادة في ابراز وعي الشاعر للحرية ، و احساسه بها ، وفي بحثه عنها وتواصله معها ، وفي شعوره المأساوي بفقدانها ، وصراعه منع القوى المعوقة والمعادية لها ” ( ص 111). وجاء القسم الثالت للكتاب تحت عنوان ” الروايات والقصص ” يتناول ما كتبه السيد جاسم من الأعمال السردية بادئا ً بروايته الأولى ” المناضل ” مارا ً بروايتيه ” أزمة المفتون ” و” الزهر الشقي” ، ومتوقفا ً عند ما كتبه من قصص قصيرة من خلال مجموعته القصصية الوحيدة ” الديك وقصص أخرى ” .يقول الباحث عن ” المناضل ” : ” ان السياسة ذات بصمة كبيرة في هذه الرواية وهي زاخرة بالتعابير والمصطلحات السياسية وذات وحدات وشخصيات سياسية ” ص126 ) ) ولكن الروائي حاول أن يخفف من قوة هذه البصمة وهذه الهيمنة .
2 ـ في قطار الشحن
هذا الكتاب ( وهو مجموعة قصصية للقاص عبد المجيد لطفي ) ، صدر عن دار الشؤون الثقافية العامة ضمن سلسلة ” سرد ” وجاء في 112 صفحة من القطع المتوسط وضم اثنتي عشرة قصة قصيرة وتمثيلية، وهو ثالث كتاب للأستاذ الباحث الدكتور نجاح هادي كبة عن القاص الرائد عبد المجيد لطفي بعد ” عبد المجيد لطفي كاتبا ً وقاصا ً ” ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ 2007و ” عبد المجيد لطفي وذاكرة الثقافة العراقية ” ـ دار الثقافة والنشر الكردية ـ . 2014
يفتتح الكتاب بمقدمة موجزة كتبها الباحث يليها بعض مما قيل عن القاص الرائد ، ثم وقفة عند اسلوبه القصصي يقول فيها الباحث بأن ” اسلوب لطفي في قصصه القصيرة اسلوب واقعي اجتماعي جمالي …… فقد عرف عن لطفي انحيازه للطبقات الفقيرة وحب الخير كما بدا واضحا ً من كتاباته وقصصه ومسرحياته ، وكان كاتبا ً وشساعرا ً واقعيا ً اجتماعيا ً صوّر بأدبه معاناة الانسان الاقتصادية والثقافية والسياسية ” ( ص .(13 والوافع ان عبد المجيد لطفي كاتب متعدد الاهتمامات فقد كتب القصة والرواية والمسرحية والقصة الحوارية والتمثيلية الاذاعية فضلا ً على الشعر العمودي والمنثور والرباعيات وكتب العمود الصحفي ومارس الترجمة ( عن التركية بشكل خاص وفي كتابه الثاني ” قلب الأم “الذي صدر عام 1944 أربع قصص قصيرة مترجمة عن هذه اللغة ). القصص الاحدى عشرة الأولى في مجموعة ” في قطار الشحن ” لا تحمل تاريخا ًولابد من أنها من نتاج سنوات شيخوخة القاص المتأخرة لأن الباحث يقول أن القاص الرائد أملاها على ولده خالد ، وهذا صحيح إذ لم تكن يده ، وهوفي تلكم السنوات ، تقوى على حمل كتاب ولم تكن أصابعه تقوى على مسك قلم . ولا شك في أنه كان قد أملاها على ولده في أوقات متفاوتة . ومما يعرف عنه أنه لم يكن ، في الغالب ، يميل إلى استخدام المسودات ، وكأنه يعمد إلى صياغة مادته ـ قصة أو مقالة ، في ذهته كاملة ً قبل أن يكتبها على الورق . وفضلا ً على هذه القصص ثمة قصة واحدة بعنوان ” سرّ قد اختفى ” وهي تحمل تاريخ 3/3/1970 وإلى جانبها تمثيلية بعنوان ” الطيبة والشر “مؤرخة في 20/12/ 1969 أرى أن نشرها في هذه المجموعة القصصية لم يكن مناسبا ) . إن قصص هذه المجموعة تندرج ضمن المنحى الواقعي الاجتماعي الذي انتهجة القاص الرائد في عطائه الابداعي .مما يلاحظ أن الدكتور الباحث تعامل مع القصص بوفق معايير اللغة المعجمية الصارمة فقام بتصحيح ما ظنه خاطئا ً لغويا ً حتى ليخيل لقارىء كتابه أن لغة القاص الرائد لم تكن سليمة وهذا غير دقيق لأن القاص الرائد كان متمكنا ً من اللغة العربية في نحوها واملائها علما ً أن هذه القصص لم تكتب بخط يده وإنما بخط يد ولده ولأنها غير منشورة فهذا يعني أنها لم تخضع لمراجعة القاص الرائد نفسه .يأخذ الأستاذ الباحث على القاص الرائد ، مثلا ً ، استخدامه عبارة ” خمسة دنانير ” في إحدى قصصه ويصححها إلى ” خمسة الدنانير ” ، وهو نفسه يقول أن ” اسلوب لطفي في قصصه القصيرة ـ الموضوع الحالي ـ اسلوب واقعي اجتماعي جمالي” ( ص 13 ) ويعلم أن القاص الواقعي الاجتماعي يستمد شخصياته ومادة أحداث قصصه من الواقع فتأتي لغته متساوقة مع هذا النمط من القصص أ بل يمكنه أن يطعم لغته بمفردات عامية ، فمثل هذا الكاتب يكتب ما تمليه عليه لحظات التوهج الابداعي . ولاشك في أن هذه الملاحظات وغبرها لا تنتقص من قيمة الجهد المشكور الذي بذله الدكتور الباحث في الكشف عن ما لم ينشر من أعمال القاص الرائد عبد المجيد لطفي والقاء الضوء عليه.
3 ــ أبو الطيب المتنبي
رؤية في سماته الشخصية
أعرف الدكتور صادق التميمي منذ أكثر من ستين سنة فقد جمعتنا خيمة دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد ) طالبين مستجدين في قسم اللغات الأجنبية في مطلع السنة الدراسية1956 / 1957 وكان نزوعه الأدبي واضحا ً منذ ذلك الحين ، وتجلى اهتمامه في الترجمة بشكل خاص وهو ما زال طالبا ً، وظل يمارسها بعد ذلك . فاجأني صادق التميمي بروايته ” بصراوية ” عام 2015 ليكشف عن جانب آخر من توجهه الابداعي ثم ليواصل تنويعه الابداعي فينتقل إلى البحث الأدبي هذه المرة من خلال كتابه ” أبو الطيب المتنبي : رؤية في سماته الشخصية ” الصادر حديثا ً . صدر هذا الكتاب عن دار ” سطور للنشر والتوزيع ” وجاء في144 صفحة ويستهل بمقدمة تشي بالمنحى الذي يعتمده الباحث في تناول شخصية المتنبي فبقول ان كتابه ” مبني على محاولة تفسير شخصية المتنبي عن طريق تحليل سماتها استنادا ً إلى مفاهيم علم النفس وتفسيراته العلمية. فهو محاولة تربط بين مجموعتين من المعارف والعلوم الانسانية ، هما الأدب العربي من جهة ، ومفاهيم علم النفس من جهة أخرى ” ص (5) ليضع كتابه في خانة ما يسمى ” علم النفس الأدبي ” ( كما تقول المقدمة ) ويورد بعض ما قاله عدد من الدارسين في هذا المصطلح . يتناول الباحث أولاً جوانب من السيرة الذاتية والسمات الشخصية للمتنبي والتعريف به من خلال ما أورده عن هذه السيرة بعض الباحثين العرب وغير العرب ، ويقول في هذا الصدد أن ” لأبي الطيب المتنبي ديوان شعر أشرف على كتابته بنفسه ،انتقى منه ما هوى من أشعاره ، فحذف منه وعدّل فيه ، وأسقط بعضا ً منه ، وقام بترتيبه ، وأرخ قسما ً من قصائده وأشعاره فيه بدقة ” ( ص 11)يشخص الباحث ثلاث عشرة سمة من سمات المتنبي الشخصية وهذه السمات هي :الطموح ، الأنوية ، العزة بالنفس ، التوحد في ادعاء النبوة ، عدم الاستقرار ،القلق ، المدح ، التملق والنفاق،فوبيا الحسد ، الازدراء والاستخفاف بالآخرين ، العدوان اللفظي ، والشكوى . ومايلبث أن يستعرض عددا ً من التعريفات والمفاهيم التي هي على علاقة بعلم النفس ليحلل سمات المتنبي المذكورة بشكل موسع على ضوء هذه المفاهيم فيخصص لها الفصل الأخير الذي يغطي العدد الأكبر من صفحات الكتاب، مؤكدا ً ذلك بما يستشهد به من شعره . ويختتم الكتاب بالمصادر التي اعتمدها الباحث في دراسته التي يمكن القول أنها من الدراسات العلمية الجديدة لجانب حيوي من سيرة المتنبي الشخــــــــــــــصية والابداعية .
























