قراءة في شعر مجبل المالكي

قراءة في شعر مجبل المالكي

حكاية الغصن والشراع.. المسافة بين البداية والنهاية

 قيس كاظم الجنابي

-1-

يشكل الغصن/ الفرع المنبثق من شجرة الحياة/ شجرة الخطيئة محوراً مهماً في شعر مجبل المالكي في سنواته الأخيرة، يتحوّل فيه الغصن حامل الثمرة / التفاحة الى سارية لشراع سفينة النجاة ، والسارية اذا تهالكت تتحول الى رماد ، فتعود مادة عضوية للأرض، من جديد، كما تتضمن السفينة احالة الى الأرض التي يعيش عليها الانسان؛ لهذا بدت مفرداته الشعرية مرتبطة بالأرض/ السفينة للخلاص من محنة العزلة/ الغربة/ الخوف، لكي يحقق التوازن المطلوب بين الحرمان والانتماء ؛ لأن احساسه بالخديعة جاء بسبب خيبته مثل گلگامش في العثور على عشبة الخلود، ويئسه من الحصول على الفردوس المفقود.

في مجموعته (باتجاه مساقط الضوء) يؤسس لمشغله الشعري نوعاً من الصور الشعرية التي تطمح أن تشكل صوره عبر محورين:

الأول: توجه الفعلان: (الماضي والمضارع) نحو رسم صورة لها أبعادها في اثارة القارئ/ المتلقي.

الثاني: محالة انتاج صور عبر الجمل الاسمية ، يقوم فيها الاسم مقام الفعل من خلال سيرورة حركة الزمن (الماضي والحاضر) بطريقة متشعبة.

لأنه يريد أن يخلق صورة عبر اطار زمني لها طراوتها، حتى يقضي على نمطية التراكم، بحيث يصبح ترتيب الصورة الشاملة مكتملة بذاتها، منشطرة الى مجموعة من الصور موضوعياً وسببياً، من خلال الافادة من ألوان الطبيعة وموجوداتها؛ والتي يبدو  النبات/ الخضرة هو المهيمن عليها، لهذا سيتحول الغصن الطازج الى سارية لشراع سفينة الهجرة.

في قصيدة( فتى “الطين”) التي كتبها في ذكرى استشهاد صديقه (عبدالملك عبود) في آب 1986م، ثمة محاولة لاسترجاع عصر الحروب الصليبية واستحضار صورة الجسد الذي تحول الى جذع/ مصلب، فقد كان للسدرة حضورها في قوله:((1

باسم ربيع يسّاقط ورداً من جذع بهائِك،

توقد شمعاً وأهازيج رصاصٍ

اذ يحيل الربيع الى الغصن الطازج ويفاعة الطفولة، ولكنه يتحول الى جذع/ سارية تدفع سفينة تبحث عن النجاة، وهو يترجح بين الماضي  والتشبث بالخلود، عبر حضور العطر التعويضي المعبر عن تخليق الجسد بالعطر ليقاوم الفناء، وفيه يتحول الانسان الى كبش فداء للأرض/ السفينة.

     لقد كان شعراء السبعينات بمصر أشبه بشعرائنا بالعراق، وخصوصاً بالنسبة للشاعر مجبل المالكي، خلال عقد التسعينات ،مثل مسيح مصلوب/ كبش فداء، فأصبح الياقوت والتراب هما التعويض المناسب عن الجسد الذي أفنته الحروب ،فقد أصبح الشاعر ذاتاً تنطوي على ذوات متعددة ومتناقضة أحياناً، لأن ذاته تتأرجح بين الواقع والايديولوجيا، فلم يستطع أنْ ينجح في خلق صيغة صحيحة تمنح القدرة على الحركة المعقدة بين داخله وما تحوطه من شرائط وعلائق ، لذا لم ينجح في دمج الداخل والخارج في بنية معقدة، بل ظل دائماً هناك صوت العاشق أو المغترب المهزوم ، أو النبي المصلوب.((2

-2-

   في قصيدة (الساحة الهاشمية) المؤرخة  في (عمّان، 1998م)، من مجموعته (معاقة التراب) الصادرة عام 2004م، تتماهى صورة الجسد بالتراب، كماهي النبات حينما يحترق ليعود الى دورة الحياة من جديد الى الأرض، من خلال مراقبته لسيول حركة الكائنات من أجل البقاء، فهي تلتصق بلحاء الأجساد حدّ الجنون؛ بينما تتمرغ العيون (بشهوة الشبق)، أي الرغبة بوصفها تجديداً للحياة، تماماً كما حملت السفينة  من كل نوعٍ من كل زوجين اثنين ،لأن عمّان جبل شكله يشبه السفينة، وفيه جرى الاتصال بين البنت وأبيها من أجل تجديد الحياة، لهذا نجد الناس في هذه القصيدة معفرون بالتراب ،تراب الوجود، الذي سيكون سبباً في انبات الأغصان التي ستصبح اشرعة لتلك السفينة، ومن المفارقة انه يستهل قصيدته بذكر(السيول)، اشارة الى ازدحام الكائنات، وهي احالة مضمرة الازدحام السفينة/ عمان اثناء الطوفان، وعلاقتها بالرحيل/ السفر؛ حيث يقول:((3

سيولٌ من كائنات

ترتطم بسيول جاثية وراحلة

صوب المجهول.

ثم يقول:

طوابير مدججة بالتسكع فوقَ أرصفة الضياعِ

غائبون من أزمنةٍ سحيقة وقادمونَ

معفرون بتراب أضرحتهم.

أبرز ما يتضح في هذه القصيدة ، أنها تجمع بين المتضادات، وتحرك الصرعات والرؤى المختلفة، تجمع صعاليك العالم في سفينة مبحرة في خضم الامواج لإعادة انتاج الحياة من جديد، ثم يحصل اللقاء بين هؤلاء الصعاليك وصعلوك العالم القديم(أنكيدو)، صديق (گلگامش) الباحث عن الخلود، والذي تحوّل من البداوة الى التحضر، والذي تجلى في صورة الزاهد / الصوفي الحسين بن منصور الحلاج، في قصيدة (كلكامش الذي بكى كثيراً عليك) المؤرخة في (عمّان 1998م)، وگلگامش ملحمة تحاول ان تعيد صياغة الحياة من جديد، فيها اشارة الى انه كان عائداً من السفر/ الرحيل، أي الى الاستقرار ؛وهي محاكاة لإحساسه بالغربة ،وغربة الشاعر تشبه غربة(أنكيدو)،بينما كان صديقه گلگامش يخشى النهاية المحتومة/ الموت؛ لذا يقول:((4

أنا كلكامش الذي غادر جنائن فضاءاته الحالمة

وسفائن سواحله المكتظة بالدفء وأعشاش

القرنفل ولغط  الطيور المذهبة

بشمس الجنوب

ليعانق صفاء أخيه (أنكيدو)

الذي غادره دون قبلة وداع.

وكانا معاً يأكلان من فتات هم واحدِ.

ويقطنان في صومعة واحدة.

ثم تستمر تداعياته في رحلته مع گلگامش حتى يبلغ قوس النخل، ومدينة البصرة والسياب، ليقترن الغصن بالنهر؛ من اجل اعادة دورة الحياة ، في الرحلة في الانتقال من الفناء الى الولادة الجدية، ليعود صعلوكاً مثل تبط شراً ، صنو أنكيدو، في قصيدة( نص روحاني)،المؤرخة في (صنعاء بتاريخ 23/ 12/ 1999م)، موشوماً بالترحال ليبقى مجردَ هيكل سارية (تخفق  دون شراع في لجّ البحر)، في مملكته (المنقوشة / في أغوار شموس الماء) ( (5بحث عن جوهرته الخضراء، لعلها شجرة آدم.

-4-

اذا كانت قصيدة (نص روحاني) في مجموعته (معلقة التراب) اشارت الى مملكته (المنقوشة / في أغوار شموس الماء)، فإنها تحولت الى مجموعة عنوانها (نقوش مسلّة الروح) التي صدرت في (صنعاء عام 2005م)، ففي قصيدة (منارة الشاعر) ثمة استشراف لموت الشاعر، ويقين بأن منارة رؤياه ستبقى تحت ظلال الجنة ؛والمنارة رمز ديني خاص له قدسية، ولكن لفظة منارة هنا تحيل الفنار على المرافئ الذي يهدي سفن الراحلين ،والشاعر يربط موته أو موت الشعراء بالغضارة ،وهي أناء من خزف، وكل هذه ترتبط أيضاً بجذع النخلة الذي يصفه بانه منخور الروح، ولكن الروح تتلاشى ويتحوّل الغصن الى جذع / سارية؛ فالجذع يحيل الى صلب السيد المسيح، والى ترجيب  النخيل،وقداسة شعاع الشمس ، ومنارة المسجد وفنارات الموانئ وكأن الشاعر عَلَمٌ يشع مثل قرص الشمس، أو مثل شجرة سامقة، هي الوحيدة التي ترمز الى الكون ،وتعبر عن الحياة وشبابها وعن الخلود والحكمة.(6 ) فهي شجرة الميلاد وشجرة الجنة وشجرة المعرفة(الهرمسية/ شجرة النور والبقاء).

    وفي قصائد مجموعته ( نقوش في مسلة الروح) ثمة احالة الى النقوش التي تكتب على الحجر لتخليد تاريخ الاجداد، والنقش فعل سحري مثله مثل الخواتم، واحالات الى العمل اليدوي الفني، والى نور المعرفة، ولأن مجبل المالكي شاعر يقطن خارج وطنه، فانّ علاقته بالأمكنة هشة/مريبة ،فان علاقته بها حساسة اتجاه الموجودات، تدفعه لأن يتخيل نفسه ميتاً، حتى ليبدو مفتوناً في جوهرته، في قصيدة(جوهرتي… وأنا المفتون بنكهة أنينها)، حين يبحر مسافرا للبحث عنها ، فيقول:((7

    سيبحر صوب تخوم شواطئها

    يصطادُ نجوم جآذرها

   المفجوعة فوق سهوب الروحِ

   يلفُّ يواقيت العُمرِ المورقِ

   بين أريج جزائرها

   ليس سوايَ  …

 غصن شجرة

اذا كان العمر مورقاً مثل غصن شجرة أليفةٍ، فانّ عمره المورق يقترن باليواقيت، اي بالحجر المنقوش التي يخلد أحداث التاريخ، وهنا تبدو الجملة الشعرية رخية، جملة فعلية تستند الى الفعل المضارع؛ وهذا يعني هيمنة الزمن الحاضر، بحيث أنّ (سين الاستقبال) تستحوذ على مساحة  لا بأس بها، وتخضر أجواء الجفاف ،حتى أنه يصوِّر نفسه مثل مسيح السياب، يصلب على مجامر النار، اذ أخذت هواجس الغربة تقترب من حياته محاولاً  تمثل حياة السندباد في غربته ورحلاته، ففي قصيدة(مرافئ جنوبية) تتقوس غصونه ويحترق الورق اليابس ،وفي قصيدة (عرش النوبيّ) ترتجف أغصان الظلال والأعمدة، حيث تبدو أشرعته مجنونة بالترحال ،وفي (مسلة ذهبية ) يقول:((8

   ألف مسيحٍ يُصلبُ في هيكل قامته

  المطمورة

 تحت غبار مقابره

   وهي احالة الى صورة السيد المسيح عند السياب ،ولعل صورة المدينة التي  عاش فيها هي التي كانت توحي بذلك، لهذا نجد صورة البحر واضحة، ولكن الملاحظ ان الجملة  الفعلية بدأت تبتعد عن المواجهة الامامية، وتتقدم عليها الجملة الاسمية ،وتصبح الافعال مجرد استكمال للأسماء، فهي غير فاعلة وليست جوهرية، وبات الايمان بالمستقبل ضعيفاً، والقناعة بضرورة الرحيل أكثر وضوحاً، وهو ما كانت توحيه حياته اثناء الدراسة في ضرورة الرحيل للبحث عن فرص عمل اكثر فائدة ،ولعل شعوره بالإحباط كان وراء ذلك.

-5-

تضم مجموعة (أوراق مهاجر في أصقاع الوحشة) الصادرة في (صنعاء عام 2007م)، أبرز قصائده اثناء عمله في اليمن استاذاً جامعياً؛ وهي محمّلة بالغربة والوجع ،وقد هيمنت عليها مفردات الرحيل كالسفن والفنارات ، فبرز فيها حنينه الى النخيل والافياء والاصدقاء ،وهي أشبه بحكايات قصيرة ،مكتنزة تحمل كل قصيدة/ ورقة حكاية خاصة، ولكنها تشترك جميعاً في موضوعة واضحة ورؤية مركزية لمفردات ،مثل :(الاعشاش، النخل، الصخر، السواحل، الشناشيل، الصحراء، العناقيد، الواحة، فنارات، الافلاك، السفن/ السفائن، الطيور، الاغصان، الاسواق، الشجر، الاقحوان، الشمس، اليواقيت، الاقاح، العبير ، القوافل).

وتشكل لديه الغربة نوعاً من الاحساس بالفقدان ،وهاجس داخلي يعبر عن الشعور  بالوحدة، ونوع من الرفض للأمكنة والاشياء القريبة، وعدم الاكتراث بالحاضر ،وعودة مشحونة في وجدانه وذكرياته، وهذا بحد ذاته قاده نحو نوع من الحلم/الرؤيا لها صلة بتلك الأمكنة؛ وتبدو قصائده قصيرة شبه ببلورات مكتنزة مثل حبات المسبحة، يتصل بعضها البعض، لتشكل سلسلة تدور من البدء وتنتهي عند النهايات المرتقبة؛ القصيدة/ البلورات هنا هي شبكة من الصور التي رسمها الشاعر، أو نقشها على صفحة حياته؛ فيبدو السفر/ الهجرة  موضوعها الرئيس، كما يعد شراع السفن واحدة من صورها المضمرة، او المرسومة بسيميائية عالية الوحشة، والحكاية هنا تشير تدفق عاطفي يستند الى شحنة من الانفعالات المكبوتة، فكل شيء مقترن بالقريب وبما هو طارئ، بحيث يشكل صراعاً مضمراً بين الماضي والحاضر، مكانيا/ عاطفياً/ جسدياً/ لغوياً؛ حتى ان اللغة تتخلى عن بعض مظاهرها وتتحول الى كلام طارئ قابل للتلاشي، والعنوان (أوراق) يوحي بطريقة أو بأخرى بان هذا الكلام مسجل على أوراق يمكن ان تتطاير وتغادر أعشاشها، تماماً مثل الطيور المهاجرة ؛ فلا يبقى لديه سوى الاوكار القابلة للانهيار.

  وفي قصيدة/ ورقة (القلعة) المؤرخة في(صنعاء 3/11/ 2005م)، ثمة احالة من العنوان الى المنعة؛ وبقاء الشاعر خارج هذه القلعة التي ربما يشير الى قلعة صنعاء القديمة؛ فهي عصية على الاختراق ، والقصيدة تتحدث عن غابة النخيل ، التي ربما يرى بها نخيل البصرة، وهي عبارة عن حكاية ريفية حزينة عن غابة النخيل، فهو يبدأ بلفظة(غابة) مقرونة بالنخيل، في اشارة الى المتاهة والضياع، والنخيل احالة الى الاغصان التي غدت اشرعة للسفن المبتهجة، وهذه اشارات الى تحوّل الغابة الى التصحر، نتيجة احتراق التخوم، وتشظي الاحجار.

   أما قصيدة/ ورقة (محض سؤال) فيستهلها بالتمني مستخدماً الفعل المضارع، واضعاً  نصب عينيه سؤاله الابدي كمهاجر 🙁 هل أقدر أن أصنع فلكاً)؟ في عودة الى الطوفان وصناعة السفن للخلاص من الغرق/ الموت، لكن خلاصه يكون بالخيبة مثل گلگامش الباحث عن الخلود:(9)

   محض سؤال

    أعرف أنْ سوف يقوضني،

  ويذر فتات دمي

  لكني لن حوي ما أورق في كفي

   جلجامش أو انكيدو،

   لن أحوي غير جنون لظاي

  فهو لن يحصل على شيء ، لأن الزمن الحاضر يحاصره، حتى أصبح أدنى حظاً، من جلجامش؛ وجمله الشعرية تبدأ غالب الاحيان في هذه الورقة بالفعل، لكنها ترتطم بجدار الاستدراك بـ(لكن)، فلماذا هذا الخوف والتردد في ولوج الحلبة لمصارعة الحاضر؟

  أما قصيدة/ ورقة (الملاذ) فتشير الى بحثه عن الخلاص، وتبدأ بالزمن الحاضر من خلال استخدام الفعل المضارع(أفرُّ)،والفرار هنا تعبير عن الخوف والمأزق ،لانه يود العودة الى أعشاشه الاولى بوصفه طائراً مهاجراً، وبحثه عن مكان (فيروز) عبقر بالعطور والبهاء، وأما قصيدة/ ورقة (في جفن الشمس  تظلين) المؤرخة في (صنعاء 14/12/2006م)،فهي طويلة نسبياً  ويهين على بدايات جملها الاسم، وهي تقترن باسراب الطيور المهاجرة نحو الغربة، وفيها احالة الى قصيدتي ابي تمام عن عمورية وابن زريق عن بغداد، وما قاله علي بن الجهم عن عيون المها والجواهري عن دجلة، والتي يستهلها بقوله:(10)

صرعى في الكرخ ينوحون

وبين رصافة أحبابي والكرخ

أيائل تساقط ثاوية بين أكف بنيها،

أسراب طيور يقتلها الظمأ المر،

وأقبية تكتظ بأضرحة الموتى ..

دجلة والجسرُ يلفهما القصف الوحشي

وهذه اشارة الى ما كانت تعانيه بغداد بين عامي 2003-2006م من فوضى وحرائق  وصراعات؛ وهنا أتساءل: لماذا تبدأ جمله بالأسماء، ثم تأتي الافعال تابعة لها، مع ان الافعال أكثر تأثيراً في بناء الجملة الشعرية ورسم الصورة وصياغة العبارات! وهذا ما يبدو على قصيدة/ ورقة (حريق المستنصرية) المؤرخة في(صنعاء14/1/2007م)،وهي قريبة زمنياً من سابقتها.

-6-

تتكون قصيدة (نثار الياقوت) الصادرة عام 20016 من((110 مقطع مرتبة ترتيباً يشبه – الى حدٍّ ما – ترتيب السلسلة ؛ أيّ أنها تترابط موضوعياً   ولغوياً بنظام يقترب من النظم القرآني، أما لماذا أختار العدد((110

الأن العدد (100) رقم له وقعه، ثم أردفه برقم (1) ليصبح استثنائياً مثيراً، لانه يتعلق بالتراب والنقوش  وموجودات الطبيعة، التي صاحبته في رحلته، بحيث بدت الألوان والنقوش صديقة لهذا الطير المهاجر، ربما لاعتقاد البعض أنّ العين تتلقى الالوان والصور بشكل منقوش في حروف بذاتها ولكنها لا تتصل به الاّ عندما تعود به من صورته المجردة هذه الى صورته الحسية المبــاشرة.(11 ) بحيث تمر العلاقة بين الانسان والاشياء عبر موشور الرؤية، رؤية العين للأشياء، فاذا كانت هذه الأشياء تتأثر فإنها تتحول الى لقى/ شظايا حينما يتعرض الموقف الى ضغوط خارجية، لعلها هي الحروب والصراعات التي تصلح ان يكتب عنها ملحمة شعرية متواصلة ومتسلسلة. فهو منذ البدء يؤكد على صراع الموجودات ،وتحول النبات/ الغصن الى جماد؛ في عودة الى الصيرورة الأولى ،صيرورة العودة الى التراب، لذا يقول:

(12)  شجر موغل في ثرى الروح

 مستبسل .. غابة ، في لهب.

  كلما  قطعوا وهج أثدائه ..

  أورقت روحه بالذهب.

وينهي هذه القصيدة بمقطع أخير، برقم( (110 يقول فيه:(13)

فانثروا زنبقاً عابقاً

في ثنايا الدروب التي أرّقت أهلها،

في أوجه المدن النادبات.

مسافة واضحة

  فثمة مسافة واضحة بين البداية والنهاية ،اذ يبدأ  بحالة الى سيرورة الوجود ، ثم يعود اليها، بينما يطالب هو في نهاية القصيدة بنثر الزنبق في الدروب والعنوان يشير الى نثر الياقوت؛ بحيث تبدو بين البداية والنهاية دورة كاملة للحياة من الولادة الى الممات، كما ان يحاول ان يبعث الحياة بنثر العطور/ المنعشات، والنثار هنا يحيل الى العنوان واللقى الحجرية وقوتها السحرية. ثم ينتقل الى علاقة السدرة/ الشجرة (شجرة آدم)، لان جذورها في لظى البحر، ولان الشموس  أدمنت حبها، في اشارة الى علاقة الشمس بالماء في خلق الاشياء، واعادة بناء الاشرعة ،وذلك ما تؤسسه الرؤية البصرية للأشياء، حين يقول:14))

  فرط حمل الغصون

قوضت جذعها المُزدهي

في صفاء العيون.

وتعاني هذه الشجرة من وطأة حملها للغصون، وهي تبدو مزدهية في صفاء عينيه؛ فالبصر هنا مرتبط بالهاجس الداخلي، بالواقع النفسي، وليس بحقيقة الأشياء، لان الجذع الشامخ يتحوّل الى شرا/سفينة تحمل المهاجرين والمغتربين، وغالب نصوصه هذه تبدأ بالاسم وتجعل الفعل تابعاً له، لذا يبد الفعل الماضي شاحباً امام الاسم او فعل الامر؛ مما يشير الى معاناته لضغوط نفسية تكشف عن ان نثار الياقوت هي استمرار لمعلقة التراب.

   ولقد بقيت نزعة الابحار/ السفر/ الهجرة واضحة وكأنها جزء من علاقة مضمرة بين الغصن/الحياة والموت/الرحيل/ الشراع؛ بحيث تبدو السفينة رمزاً للخلاص، حين يقــــول: ((15

 كلُّ فجرٍ بصداح الديكة

   أغسل الوجه وأمحو بدموعي

              في الصلاة.

ما تبقى من همومٍ مزقتني

ورمتني جثةً فوق المياه!

يبدأ هذا المقطع بـ(كل) من أجل التعميم، والكشف عن استمرار الفعل مع حركة الزمن الفطرية، حيث  يعتمد الناس على صوت الديكة لتمييز وقت انبلاج الفجر عن الدجى، وكذلك للخلاص من همومه التي رمته فوق الماء/الطوفان ،لان ثمة علاقة مضمرة بين وقوف الديكة على الاماكن المرتفعة وبين جثته فوق الماء ،كما تبدو علاقته بالطيور المهاجرة الى اليمن واضحة لأنها تحلق في الفضاء الاعلى، تنظر وترى الماء والسواحل؛ وكأنْ كينونة الوجود هي عبارة عن(ماء/ طيور/أرض)، في دورة مستديمة بين السماء والارض، لهذا يشعر دائماً بالخسارات وفقدان الاشياء؛ لهذا يقول:((16

 حين أمرُّ بَابِ النجار.

لا أملك الاّ أنْ أختار

    مكتبة الروح

ونعش الجسد المنهار.

وهنا تتراجع قوة الفعل، وتتقدم عليه قوة الاسم، وتتحول الجملة الى لعبة من النفي والاستثناء للتوكيد على نهايات الاشياء، ونهايات نصوصه ،مثل: ( العمر تكاد تقوّس هيكله الريح)،و (ينضب في جرّة خضرته الماء)،وانه يصارع موته ( في الزمن القاحل)،و(هيكله نعش)، وحلمه فاتك كالجنون، وخاتمته عند (قبر مهين)، ونوارسه (مذبوحة فوق ربيع الماء)، ينتظر الغرق في(جحيم البحار)، وهو عليل ينزف في سبيل الخراب، وكل ما يطمح اليه ( شبر من الارض) في العراق (يغرس جثته) فيه في العراق، تلك هي تصوراته في نهاية رحلته، مثل نهاية حياة گلگامش الفطرية الخائبة.

-7-

   في (قصائد) له غير منشورة، التي تتكون من (عشر)نصوص ترسخ في ثناياها هاجس الغربة، غربة الدخل وغربة الخارج، غربة المهاجر خارج وطنه، وغربة المنفي  داخله، وهو يبدأها بقصيدة(غربة) ويختتمها بقصدة(عناقيد)، في محاولة لرسم صورة حية لترتيب الجمل والنصوص، على وفق ترتيب العنقود، وهو غالباً ما يسردها بطرية سرد الحكاية، اذ يسرد كل قصيدة على انها حكاية شعرية/ بلورة بطريقة مركزة تجعل النص مثل حبة واحدة مكتنزة، تهيمن ليها حركة الزمن ونهاياته او نهايات الاشياء،  فكل شيء يتغير بفعل الزمن؛ فعلى الرغم من حضور الافعال في بداياتها، الاّ انها تبدو شاحبة معفرة بغبار السنين، وكأن الفعل المضارع هنا فعل منسي خلف ركام الذكريات، بينما تفعل الحكاية الشعرية تفعل فعلها في بناء القصيدة لتغدو حكاية سردية تقوم على نوع من الفوضى المضمرة ،فوضى المشاعر واحتدام الهواجس.

يبدو مغترباً في (غربة) يجوب المطارات؛ لهذا يقول:

   وأبكي على من خبا نجمهم

  في فضاء الفراق المدمّى

  وعصف السنين

   فلا غربتي تتجلى عن دمي ساعةً

  ولا وردة الروح تستلُّ حزني الدفين!

  تبدا القصيدة/ النص بالاسم (مُقيم) ، ثم تبرز أدوات النفي(لا) لتعطيل حركة الفعل وتغيير مساره؛ مما يشير الى احساس دفين بالرفض للواقع، رفض حركة الاشياء نحو الخصب،  بشكل يكشف عن صراع الخصب مع الجدب/ الموت / الغربة، وثمة احساساً خفياً يلاحقه مثل ما كان يحس به گلگامش بالخوف من الموت ،كما في (سر طائر محترق):

  هادئاً مرّ،

   يخطو سريعاً الى حتفه،

    دسّ جثته بغتة بين أصفاد تابوتهِ

   وارتمى طائراً مُقمر الروح في قاعه المستطاب

ازمة شاعر

مما يشير الى انّ أزمة الشاعر هي ازمة وجودية، أزمة عدم ثقة بالمستقبل، وخوف مؤجل منه، ولهذا بدت جمله الشعرية في ريبة من أمرها، تخشى هيمنة الفعل، وتحاول دائماً الاستعاضة عنه بالاسم أو بالمصدر، او بالظرف(المفعول فيه)، او النفي حتى بات دور الفعل اشبه بالمراقب الذي لا يستطيع ان يغير سيرورتها ،كما في (عناقيد) حين يصف نفسه ب(الناطور) على (الفنار)، اي مراقب مرافئ السفن، والاشرعة، انه مجرد علامة للآتين والراحلين، يسكن في خيمة كما يسكن البدوي ، وبغيته أشياء منفية/ غير موجودة أصلاً ،كما في قوله:

  أبتغي ما لا يطالُ

  لا عناقيد الفصول الخضر تحييني،

  ولا درّ السلال

  قطع الجدب حنايا قامتي الثكلى،

  وادمى بهجة العمر المحال

فهو يقف على نهايات الاشياء(العمر/ الزمن)، بعد أن خرج خالي الوفاض،وغادرته العناقيد والسلال، عاش حياته في جدب؛ ومن المحتمل ان يكون هذا الاحساس نابع ليس من غربته، وانما من خيبات في الحب والعلاقات الجسدية ، خيبة في الاتصال الروحي بالناس والمادي بالأجساد، مثله مثل السندباد دائماً يعود ادراجه وقد تكسرّت مراكبه، ولعل لشخصية السندباد وحكاياته الاسطورية السبع  في حكايات(ألف ليلة وليلة) البصرية(من البصرة) مؤثراتها على احساسه الداخلي، لهذا جاء سرد هذه الحكايات / البلورات الشعرية وكنها فعلاً حكايات لبحار لا يملك اشرعته المحطمة.

المصادر

1-      جريدة الجمهورية، ع (16181 ) في آب سنة 1986م.

2-      المجاوزة في تيار الحداثة بمصر بعد السبعينات: أماني فؤاد، المجلس الأعلى للثقافة( القاهرة، 2006م)، 63-64.

3-      معلقة التراب: مجبل المالكي، وزارة الثقافة والسياحة (صنعاء، 2004م)،ص10.

4-      نفسه، ص 12.

5-      نفسه،ص15.

6-      من الطين الى الحجر، قراءة في سفر الخلود: د. تركي علي الربيعو، المركز الثقافي العربي (بيروت- الدار البيضاء، 1997م)، ص 151-153.

7-      نقوش فوق مسلة الروح: مجبل المالكي، اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين(صنعاء، 2005م)، 53.

8-      نفسه، ص88.

9-      أوراق مهاجر في أصقاع الوحشة: مجبل المالكي(صنعاء، 1428هـ/2007م)، ص 67-68.

10-    نفسه، ص88.

11-    التفسير النفسي للأدب: عز الدين اسماعيل، دار العودة – دار الثقافة(بيروت، د.ت)،ص57.

12-    نثار الياقوت : مجبل المالكي، شركة الغدير للطباعة والنشر (البصرة،2016م)،ص1.

13-    نفسه،ص110.

14-    نفسه،ص13.

15-    نفسه، ص24.

16-    نفسه، ص35.