أنثى برائحة المطر لحيدر جواد المحمداوي

أنثى برائحة المطر لحيدر جواد المحمداوي

عقدة المنظور الطبقي وحرفية الأحداث السّرديّة

حامد عبدالحسين حميدي

تعدّ الرواية نوعاً هاماً في تجسيد المجتمع بكل حيثياته ، اذ انها ترصد كل شاردة وواردة ، تدخل في سرديات حياتنا المكتظة بالهوس والجنون والهدوء دون استئذان ، تبصر في خبايانا المستترة ، لتبرزها ضمن تداعيات مجتمعية ، والروائي الناجح هو من يحوّلها الى منطقة جذب للقارئ ، كونها مشغلا وورشة للكشف عن كل الايجابيات والسلبيات التي تحدث ، والرومانسية هي احد انواع الرواية التي نجد فيها الحب والعشق المثالي ، والتي تبني علاقات اجتماعية بين الرجل والمرأة ، فتثير العواطف والهواجس والأخيلة ، وتشظيات الوجع والحزن والسعادة والفرح ..

( أنثى برائحة المطر )1 رواية لـحيدر جواد المحمداوي (22 مثلت احداثاً حملت طابع العنونة بكل حرفية ، وهو يجسّ ذاكرة أنثاه التي كان لها الدور الفاعل في تنشيط وتنامي الاحداث السردية ، هذه الانثى التي تركت رائحتها في زمن هكذا أراده القدر ، أن يؤسس لمنطقة تشابك ، تتوالد منه تفرعات لم تخضع إلا لفرضية الوقوع في شباك الغرام السردي ، بطل الرواية تمثلت بشخصية ( سجاد ) الذي يحمل وزرها في توثيق ما لاقاه من تناقضات حياتية ، فهو لم يحظ إلا بنزر قليل من السعادة بعدها تغيب تلك المناخات الضاجّة ، فالعشق يقع تحت منظور طبقي : الطبقة البرجوازية ( تمثلت بمحبوبته مرام ) والطبقة الفقيرة ( التي جسدها هو ) ، هذه العقدة المتشابكة ، والتي لم تنته إلا بفراق وانقطاع تامّ : ( ..، هي رواية تكتب بلا زمن مقيد الامل المفتقد منذ الولادة ازدواجية الشعور ، حين اتكلم معها تتوقف الازمنة لدى ضجيج ضحكاتها يسرقني من واقع مرير هي تعويذة الحب الذي تفوح منه اشتهاء ، .. ) ص 12 .

ما وقع بـ ( سجاد ) كان نسخة مطابقة لـصديقه ( سعيد ) وهي اشارة واضحة ان الاحداث حياتيا تتكرر باختلاف المسميات والأزمنة والأماكن ، لذا نراه ينوّه الى هذا : ( ، سعيد الذي جعلني اتوجس من القدر خشيت من ان يفعل بي ان يموت حبي او يحكم عليه بالإعدام رميا بالقوانين الوضعية او الاعراف ، ما فعله مع سعيد لم يكن سهلا على مسامعي عندما سمعت ما حدث . ) ص 16 .

 وكأن الروائي ( المحمداوي ) يحاول ان يؤكد النسخ اليومي للأحداث الواقعة ، فالتسلسل الروائي منتظم ونمطي يسير بشكل تراتبي وحسب ذاكرة لم تحمل سوى مكابدات ايقظت ذلك الصمت ، ثم يسلط الروائي الضوء على ( سعيد ) ليمنح القارئ متعة تتبع هذه الشخصية ، التي اصبحت الشخصية المركبة ( سجاد ) صورة منعكسة لها ، ( سعيد ) يعيش في جوّ تسوده العلاقات السلمية بين المذاهب والطوائف على اختلاف مسمياتها ، شخصية ملتزمة دينياً يمارس طقوسه العبادية بانتظام ، يساعد والدته كونها مريضة وتعاني من الضغط والربو فهي غير قادرة على الاعمال المنزلية ، مع اخوته (احمد ومشعل ) ، ملاحظة ابيه من تغيرات في وجه سعيد كانت مدعاة قلق لديه ، بسبب ما يتعرض له من ضغط نفسي وإحباط ازاء عدم لقائه بمحبوبته ، وإذا بها تحلّ مع اهلها ضيوفاً عليهم ، يتحايل ( سعيد ) : (وهنا لمعت في ذهني فكرة جهنمية ، سأذهب الى والدتي وأقول لها بان جدي جاءني في المنام وكان يشتهي طبقا من ( الشيخ محشي ) فالأمهات يصدقن مطالب الاموات في الحلم . ) ص 29 .

علاقة مستمرة

كل ذا .. لجعل الفتاة ان تطبخ له ما يرغب بأن يأكل من يدي أنثى احبها  ، هذه العلاقة استمرت لأربع سنوات ، علّ الامل يكون سقفاً لهما ، تتسارع الاحداث ، وبعد عزوف اخيه الاكبر احمد عن الزواج ، تطرح عليه فكرة الزواج من والدته ، موافقة الفتاة وأمها مكتملة عدا الاب ، الذي نسف كل الاحلام ، حينما اخبرته أمه بـ :

( – نعم يا ولدي ابوها لم يوافق اخبرنا انها ( محجوزة ) لابن عمها . ) ص 333 . هنا اشارة واضحة من لدن ( المحمداوي ) الى قيود وأغلال العادات والتقاليد الصارمة التي تعصف بكل معالم الجمال أحيانا لتحيله الى ركام ورماد ، فالمجتمعات التي تمارس مثل هذه الضغوط ، هي مجتمعات مغلقة لا تستطيع ان تنفلت من دوامة العُرف الاجتماعي / العشائري . تتطور الاحداث لنضع انفسنا امام ( العقدة ) الدرامية والمتمثلة ما وراء خيبة وهستيرية ( سعيد ) وعزمه على قتل ( ابن عمها ) :

 ( لم يتمكن من جمع حروفه بكلمة واحدة ، لم اكترث ولم اسمع ما قاله اطلقت عليه ست اطلاقات استقرت ثلاث منها في رأسه والأخريات توجهن الى قلبه فهوى من فوره وأخذته الدماء وتداخل صوت الاطلاقات مع صوت الاغنية ، … ) ص 36 .

 ليفرّ هارباً لما اقترفت يداه ، بعدها يتوصل الطرفان الى الهدنة او ما يعرف بالعرف العشائري ( العطوة ) ، ليسلم ( سعيد ) نفسه الى القضاء ، ليحكم بـ ( خمسة عشر عاما ) ، قضى اربعا منها ، ثم يخرج بقرار ( العفو العام ) ، ليتفاجأ بزواج فتاته من رجل ثري كويتي الجنسية احد اصدقاء والدها ، لينتهي حلمه في دهاليز الظلمة .

 ثم يبدأ الروائي بالولوج في سرد مكابدات ( سجاد ) وبما لاقاه من معاناة ، وعلى الرغم مما حملته هذه الرواية من حبّ وأحلام وتخيلات ، إلا ان الروائي اصرّ إلا أن يضع في ثناياها جملة من الامور التي فرضت عليه نفسها لاعتبارات واقعية :

  • ( لا مكان لفكرة الاطمئنان والسلام فضجيج الموت يحوم على رؤوسنا جميعا .. ) ص 444. اذا / الموت والدمار والخراب مفردات يومية تطالعنا ، لأسباب طائفية أو قومية أو المولاة والتبعية ، ومظاهر التسلح ، والوصول الى قناعة اصابة الفكر العراقي بفايروس الدماء .
  • اهتمام الروائي التعريف بمدارس الفن ، ولاسيما الفن التجريدي والتكعيبي ، وذكر بعض اشهر الفنانين التشكيلين امثال ( بابلو بيكاسو ) و ( ماليفتش ) و( نيتشه ) : ( لم أكن رساما ولا فنانا تشكيليا لكنني اعجبت بهذا الفن ، وأصبح شغفي نتيجة لما سمعت وقرأت ورأيت لدى صديقي ميثاق … ) ص 49 .
  • معاناة الانسان العراقي ، ولاسيما المتقاعدون الذي بات راتبهم التقاعدي لا يسدّ احتياجاتهم للظروف المعيشية وغلائها : ( … لتبدأ رحلة الثرثرة المملة من تلك السيدة الممتلئة الجسم بدأت السيدة بالحديث عن الراتب التقاعدي الذي لا يسد احتياجات عائلة صغيرة …. ) ص 62 .
  • تغليب القوانين القبلية والعشائرية ومحاولة إلباسها المظهر الديني من قبل بعض النفعيين ، والتي حرمت الانسان من التعيش مع الاخرين بسلام .
  • ميل الكاتب الى عرض مبادئ الشيوعية والتعريف بها ، من خلال لقائه مع فتاة جامعية تدعى ( حنان ) : ( .. ، التقيتها خارج الجامعة كانت تحمل بيدها كتاباً عنوانه ( المادية والمذهب النقدي التجريبي ) للمؤلف لينين ، لم امتلك أي معلومة على شخصية المؤلف حتى اني لا اعرف ماذا يحتوي هذا الكتاب لذا سألتها عن المؤلف والكتاب لتخبرني بان صاحب الكتاب رجل شيوعي ، … ) ص 148. لذا نجد حوارية دارت بينهما جسدت الذهاب الى : (

– هذا يعني انك شيوعية

– نعم – قالتها وعيناها مليئة بالفخر

– سمعت يا عزيزتي ذات يوم من شخص يكبرني يقول :

 – أن الشيوعية مبدأهم الانسانية والتساوي لكن لا اعرف أ هو صادق بما يقول لا أعلم فأنا لم التق بشيوعي واحد في حياتي … ) ص 148 .

  • الاعتزاز بالموروث والتراث ، لأنه اصلنا وحضارتنا وماضينا ومستقبلنا .
  • التعايش السلمي مع المسيحيين ، كونهم مكون اساس في المجتمع العراقي ، على الرغم مما تعرضوا له من معاناة حقيقية على أرض الواقع.

 ما بين شخصية ( سجاد و سعيد ) وما يحملانه من رسالة انسانية تفيض عبقاً ، وهما يلطفان الحياة بأنفاس رومانسية ، على الرغم مما لاقاه من مجريات احداث ساخنة ، ذكريات ( سعيد ) كانت العصا التي توكّأ عليها ( سجاد ) ذكريات لم تترك إلا انطباعات الخيبة وانعدام الثقة والهرب من الواقع المأساوي الذي وقع فيه ، عزوفه ما هو إلا رفض للآخر ، الآخر الذي لم يحترم عواطفه وتقديسه للأنثى التي طالما احبها وكابد معها واخلص في نبضاته المتدفقة بالسحر والجمال وعذوبة حديثها ، كل هذا حاول الروائي ان يستعرض لنا الاحداث السردية ، ليجعل من ( سجاد ) تلك الروح الشفافة التي كانت مشروع تضحية ووفاء ، أحداث رواية ( أنثى برائحة المطر ) ، تسير في شقين :

 الاول : علاقة رومانسية جادة وطدت بين ( سجاد ومرام ) انتهت بحبّ من طرف واحد ، ضمن تخيلات موضوعة من قبل السارد ، وحسب المسارات التي اعتمدها .

علاقة رومانسية

 الثاني : علاقة رومانسية احادية الجانب من قبل الفتاة الجامعية ( حنان ) تجاه ( سجاد ) وعزوفه عنها .. بسبب تأثيرات الحبّ الاول .

 يسرد لنا سجاد عن عائلة ( مرام ) قائلاً : ( عائلة خال والدتي متكونة من الأب عاصم والأم حبيبة وثلاث بنات هن ( نادية ، ريم ، مرام ) نادية هي البنت الكبرى تزوجت من استاذ جامعي من محافظة المثنى ، أما ريم فهي طالبة في الثانوية ، ومرام طالبة في كلية القانون المرحلة الاولى هذا ما سمعته من والدتي . ) ص 49 .

 شخصية ( ميثاق ) كان لها الاثر الكبير في تقريب العلاقة الحميمة بين ( سجاد ومرام ) ، لما له من قوة حضور سردي : ( …. فعلى الرغم من خوفي من لعبة القدر الا انه صنع لي لقاء مع ميثاق غيّر الكثير من تفاصيل حياتي ، كما لقائي بك . ) ص 49 .

 هذه عائلة ( مرام ) عائلة باذخة الثراء ، هذا الانطباع الذي ترك لدى ( سجاد ) وهو يجلس على مائدة الطعام مقابلاً ( مرام ) : ( لم اعتد على مثل هكذا جلسة ولم ار مثل هذا المشهد سوى في الافلام ، بدأ الجميع بتناول الطبق الذ وضع امامه وبدأت بتناول طبقي ببطء مصحوباً باستحياء ،…. ) ص 55 .

 التأثيرات النفسية كانت حاضرة المكان ، طغيان شعوري من جانب واحد ، مصحوباً بالتخيلات الجامحة ، والتي لم تنفك عنه ، لتبدأ الخسارات والخيبات في رهان غير مدروس : ( كم تمنيت ان تكوني حلما يكتظ بالرغبات ينتهي عند الصباح ويعود مع عتمة كل ليلة ، أ تدرين يا مرام تمنيت لو كنت فاقدا لحواسي …. ) ص 57 .

بطلة الرواية

ثم يبدأ الشحن العاطفي يتصاعد لدى بطل الرواية عن طريق التسلل الى غرفة الحبيبة وهي نائمة قبل ان يرحل ، ليسرق من غرفتها الورد ، لما بين الحبيبة والورد من أواصر حسيّة مترابطة ، ليضفي على نفسه اصرارا متعمداً في مواصلته البوح والشكوى لشوقه : ( لكنني اردت ان نكون متكافئين أنت سرقتي قلبي وأنا اسرق الورد الذي هو طري كقلبك ، أتعرفين يا مرام لأول مرة أمارس السرقة لكن أي سرقة وأي سارق أنا .. جميل ان ينعتك الناس بسارق الورد شيء ممتع للغاية راقني ان القب هكذا ، .. ) ص 59 .

 كان لصديقه السماوي ( ميثاق )الأثر الكبير في تحقيق حلمه الذي اثقل تفكيره ، وهو يخشى من أمر لا يحمد عقباه في حالة قدومه على المصارحة والبوح عما في داخله ، لكن لحظات التمرد على النفس حان وقتها بلا انذار مسبق ، مثل بيت ( ميثاق ) مرتكزاً لتفجير المشاعر والأحاسيس وتقريب وجهات النظر ، رغم التذبذب الموجود لدى ( سجاد ) تجاه تصرفات ( مرام ) : ( أنا الذي قلت ذات يوم بأني أعرفها جيدا صرت لا اعرفها جيدا فهي تتسم بازدواجية لا تفهم تارة اجدها مغرورة وتنظر للناس بفوقية واعتلاء وأخرى طيبة وذات وتواضع .. ) ص 89 .

لكن الفوقية والبرجوازية والتعالي التي تعاني منها ( مرام ) كثيراً ما كانت مرتكزاً للروائي ( المحمداوي ) وهو يؤكد على هذا الامر ، ليضعنا امام فشل في علاقة غير متكافئة ، بل كان( سجاد ) محطة استراحة بالنسبة لها ولحظة تسلية ليس إلا : ( – ياااه يا لكم من اغنياء تحصلون على سيارة فاخرة في أي وقت أما نحن الفقراء حلمنا ان نحصل على دراجة هوائية – قلتها في سري – ) ص 112 .

هيّأ لنا – الروائي – أيضاً نجاحات لـ ( ميثاق ) في المعرض الذي شارك به ، من خلال بيع لوحاته ، وعلاقته الهادئة والرصينة بـ ( مريم ) أخت (مرام ) ، اللذين مثلا انسجاماً طبقيا متكافئاً .

 في ظل هذه الدوامة من الاحداث السردية ، تنقلنا الى مأساة (الاختطاف والتهجير والقتل ) يعاني منها العراقيون بمختلف طوائفهم ولاسيما المسيحيون ، من خلال خطف وقتل ( دانيال ) ابن الدكتور انطون عامر وهو فنان تشكيلي ، ليترك ارض الوطن مكرها ومرغما خوفا على عائلته من ان تتعرض مرة اخرى لمثل هذه الحالة لتكون السويد مستقراً له .

 التصاعد الدرامي مستمر وبشكل تراتبي نمطي ومتوقع ان تحصل دعوة للفراق مثلت لـ ( سجاد ) حادثة وصدمة قوية ، لترتبط مع معاناة ( سعيد ) الذي كان محوراً أوّلياً : ( لأنها أحدثت انقلابا كبيرا في حياتي ليتسيد الوجع على كلي ولأنها مطابقة لحادثة سعيد ذلك الذي تلاشى حضوره حين قدم كل شيء مقابل الحصول على سعادة لكن للوجع رأيا آخر ، أتراني اصبحت اشبه بسعيد بما قد جناه، …. ) ص 120 .

 يضعنا الروائي ( حيدر المحمداوي ) في ( عقدة كبرى ) من خلال رفض ( مرام ) اكمال مسيرتها العاطفية مع ( سجاد ) ، والتصريح برغبتها بالزواج من رجل قانون كونه من طبقة واحدة ، لينتهي هذا العشق بخيبة وفقدان أمل ، ثم حصول صديقه ( ميثاق ) على عقد عمل في السويد ، وبذا / بدأت بوادر التأزم النفسي لدى بطل الرواية / السارد ، بعد هذه الخيبات المتلاحقة ، وسوء أوضاعه وظروفه العائلية المتردية ، والعودة الى (البصرة ) لتتهيأ له مداخلة العمل في مكتبة داخل الجامعة بأجرة لا باس بها ، العمل في هذا الجوّ الجامعي والاختلاط المستمر ، كانت بادرة في التعرف على فتاة جامعية ( حنان ) التي حاولت ان تجذبه اليها ، لكن مخلفات الماضي وذكراه ، هما الأقوى والأكثر حضوراً لديه ، فلم يمنحها أيّة اشارة دالة على القبول والتبادل ، بل كان بعيداً كل البعد عنها ، مجرد تعارف ليس إلا ، بطل الرواية أصبح رهينها ، لذا بات يصرّح علنا : (فصرت أتوسل بصانع شخصيتي في الرواية أن يغير مصيري وليجعل مرام مطابقة للحب معي ، فمادام الحبر والورق من ممتلكاته وتحت طوعه ، لكن حتى قدر الروائي يلاعبه بخداع فجعل قدره مصيري وقدري …. ) ص 169 .

 لنجد أن هذه الرواية كانت يوميات ساخنة تركت اثرها على ارض الواقع ، لتنتهي بدراما حزينة ، اترك للقارئ الفاعل .. حظوة التشويق والمتابعة النهائية ، لأنه سيجد لذّة غير متوقعة ، وهو يسجل بصمته في رائحة رواية أخذت حيزها وأنت تقرأها فلا تشعر بالسأم أو الملل ، بل المشاهدات اليومية للبطل / السارد .. شكلت حافزاً كبيراً وبلمسات شفافة .

أما بالنسبة للهجة العامية فكان لها حضورها الكبير في جسد الرواية كونها دالة على مقامات شخصياته وما تمثله من فوارق طبقية ، لأنه يعتمد على التوصيل اليومي ، فمثلا ً : ( عيب ما عدنه بنات ينطن رأيهن ما عدنه بنات يطلعن لسفرات ) ص 25 ? و محاورة أم سعيد وابنها : ( – سعيد أكعد اجانه خطار / – يمه سعودي عدنه خطار / – أي يمه هسه بس خلي ابدل واغسل وجهي / – أي بسرعة سعودي يمه ) ص 26 . لذا / استطاع الروائي ان يتلافى ان يجعل هناك تفاوتاً بين اللغة الفصيحة واللهجة العامية ، بحيث نجد تماسكاً وترابطاً يستمر حتى الاحداث الأخيرة لروايته .

استخدام مفردات

كما مال الروائي الى استخدام المفردات غير العربية رغبة منه ، وحسب متطلبات روايته ، مثلاً : (أوكي ، ص 46 /  بابلو بيكاسو ، ماليفتش ونيتشه ، ص 49 / فيكتورهوغو ، ص 55 / بارك هايين ، ص 60 / انطون ، ص 73 / …. الخ ) .

 كما نجد صيغة الخطابية المتمثلة في الضمير ( الكاف ) ، وضمن مقاطع عدّة وردت في الرواية ، مثلاً : ( لم استطع ان اطردك من عقلي فكلي بك مرتبك ، عشقتك وتورطت بك ، …. ) ص 109 .

 فلم يستخدم ضمير الغائب ( الهاء ) كونه يعيش لحظات عزلة وانفرادية ، وحيداً يغرق في عشقه وهو يناجي حبيبته ، فهو لم يكن غائباً بل مخاطباً ، حاضراً بكيانه وقلبه وأنفاسه ، في عزلته وحضوره كان متجسّداً معها .

 تبقى رواية ( أنثى برائحة المطر ) تنتظر من يجسّ مكامنها ، للولوج في خبايا الأزمة العاطفية التي لم تزل توقد جذوتها الايام في انتظار علاقة مثالية خالية من منغصات ، رواية تأخذك الى عالم مملوءة بالمفارقات والتناقضات الحياتية .

……………………………

(1) أنثى برائحة المطر : حيدر جواد المحمداوي ، دار المتن للطباعة والتصميم ، العراق – بغداد ، الطبعة الاولى لسنة 2017 .

(2) حيدر جواد المحمداوي : قاص وروائي تولد البصرة 1984  خريج دراسات بحرية .