
ذاكرة حي القاهرة
السباية في الدلفية وعزرا يخرج من المحكمة
محمد جبر حسن
الجزء الأول
عصابة شيطنه – الچولة
في نهاية الستينات كانت المنطقة المقابلة لحي القاهرة في بغداد (والتي هي الآن منطقة دور الضباط) عبارة عن منطقة خربة وبقايا لطوف طين البيوت الطينية والصرايف المتهدمة التي تركوها اهلها في بداية الستينات وسكنوا بدلها اما في حي القاهره او حي جميلة او مدينة الثورة بعد ان بناها المرحوم الزعيم عبدالكريم قاسم ، اطلق الناس على هذه المنطقة ب( الچوُلَة ) لأنها خالية من اي بناء أو سكن ماعدا مسجد آل الرسول الذي بناه عام 1963 بعض اهالي المنطقة (المرحوم علي النعمة واولاد عمه يوسف وجبر نمر رحمهما الله ) ، وبعد فترة ليست قصيرة جاءت لمنطقة الچولة عائلة من المعدان الذين يربّون الجاموس وهم بيت ابو ( إجميلة ) وتلفظ هكذا بكسر حرف الجيم ، وتتكون هذه العائلة من إجميلة وابوها وامها ، ومعهم بعض الكلاب الشرسة وبقرتين ودجاجات وعشرة جواميس تأخذها إجميلة الى الساجية (النهير الصغير) الذي يجري من نهر دجلة ويصل بالمنطقة التي تقع خلف دور الأرامل الآن ، ومن ثم يمر بحي القاهره من جهة سوق فرج لغاية مصبه في قناة الجيش ،
منطقة الچولة تمتد رقعتها الجغرافية عمقاً لغاية السدة الترابية التي تمر بمحاذاة نادي الأمة ( سابقاً ) والذي تم تهديمه وبني عليه لاحقاً بناية المعهد القضائي ، ويحد الچولة من الجهة الشرقية شارع ابي طالب ومن الجهة الغربية دور الصحة وحي المطابع ، في هذه المنطقة الخربة كانت مجاميع الاطفال تجد فرصة لكي تفرغ طاقاتها ، فتراها تنشغل باللعب طوال العطلة الصيفية من الصبح ولغاية المغرب تتخللها فترة قصيرة يرجعون فيها لبيوتهم ليتغدوا ما طبخت امهاتهم من التمن والمرق وكذلك الخبز الحار الذي كان يخبز يومياً بكل البيوت ليعودوا بعدها ليلعبوا مختلف الالعاب ،
لم تكن كرة القدم ( الطوبة ) هي اللعبة الوحيدة التي تشغلهم بل كانت هناك العاب اخرى مثل الجميدان ، وشطييييط ، و(عودة وبلبل) ، والمصرع ، والدعابل بكل العابها مثل الطنب والأورطة والغميگان والذبانة ، وكذلك لعبة السبع سيفونات والچعاب ومصيادة اللاستيك ام بتوت الحمر والبتوت السود ومصيادة اللاستيك اللي توجع حيل ، وتقليد لقطات افلام الكابوي والجگارة التي توضع بطرف الفم و( هانزب ) مع مسك فك راس الباچة وكأنه مسدس البطل ! وكذلك لعبة التصاوير التي يشتروها على شكل ورقة كارتونية تضم صور مثل لاعبي المنتخب العراقي الفائز ببطولة كأس العرب عام 1965 امثال ( الگولچية) حامد فوزي ومحمد ثامر وانور مراد واشهر اللاعبين في حينها جمولي وحسن بله وجبار رشگ وصاحب خزعل وشدراك يوسف وعمو بابا وباسل مهدي ومحمود اسد وگلبرت أويقم وقيس حميد وهشام عطا عجاج ومحمود اسد وقاسم زوية وگوريكيس اسماعيل ونوري ذياب ومظفر نوري وفليح حسن ومجيد علي وغيرهم كثيرون من مختلف الاندية العراقية حينذاك مثل فريق الثالثة وآليات الشرطة والجوية والبريد والمصلحة ، وايضاً كانت هناك صور للممثلين العالميين مثل كاري كوبر وكيرك دوگلاس وبريجيت باردو وصوفيا لورين والن ديلون وبيرت لانكستر وطرزان وغيرهم من الممثلين ، وهناك العاب اخرى ما اعتقد موجودة ببقية المناطق سيتم التطرق لها لاحقاً ،
في مثل هذه الاجواء كانت هناك مجاميع من الاصدقاء تلعب فيما بينها وحسب سنين عمرهم ، ومجموعتنا كانت اعمارهم لا تتجاوز الثمان سنوات ، هذي المجموعة يقودها شخص تتوفر فيه كل مميزات القيادة ( قيادة الاطفال طبعاً ) ، نشط سريع ويقفز على الحياطين والاشجار وشاطر بكل شيء إلّا الدراسة !
…
الجزء الثاني
عصابة شيطنه – صلاح عبدالغفور
كان الاطفال الذين تتكون منهم هذه العصابة لا تتجاوز اعمارهم الثمان سنوات ، ويترأسهم شخص تتوفر فيه كل مميزات القيادة ( قيادة الاطفال طبعاً ) ، فهو نشط وسريع بالركض ويقفز على الحياطين والاشجار وشاطر بكل شيء إلّا الدراسة ، ويبدو ان شطارته هذه استثمرها ليترأس عصابة سميت بكنيته التي اشتهر بها بين اقرانه .. عصابة شيطنه !
اما افراد عصابته فأنهم كانوا من معارفه واصدقاءه مثل ابن عمه محمد وصديقه ماجد ( كريم ) والتوأم كريم وقاسم وستار العامري ولقبه ستار كومرلي وآخرون يتواجدون بين الفينة والاخرى مثل صفاء وعادل عباس العامري ، وهناك خط ثاني للعصابة وهم الاصغر سناً ، مثل هاشم ، وعبدالخالق ، وعادل ، ومؤيد ، وطالب ابن عليوي وآخرون ، يسكن قسم منهم في الشارع الرئيسي المقابل لمنطقة الچولة والذي سمي لاحقاً شارع 18 والباقين يسكنون في زقاقي 6 و4 اللذان يقعان خلف هذا الشارع ، ولا يبتعد عنهم سكناً سوى ابن خال شيطنه ( صلاح ) وعادل العامري اللذان يسكنان عبور النهر او ما تسمى (الساجية ) .
الانتماء لهذه العصابة لا يخضع لمقاييس خاصة أو معرفة افرادها بالحيل والمشاكل او فنون القتال ، ولا يحتاج ايضاً ان تكون لهم مواصفات ذهنية متميزة ، كل ما مطلوب هو الحضور والتواجد بمنطقة الچولة صباحاً والمشاركة بالفعاليات التي يبتكرها رئيس العصابة طوال اليوم .
عام 1965 حدث تطور جديد في حي القاهرة ، حيث قررت الحكومة تبليط الاحياء الجديدة ، ابتدأ العمل بتبليط شوارع الحي الرئيسية ،
وكان الشارع الفاصل بين منطقة الچولة وحي القاهرة من اول الشوارع التي ابتدأ بها العمل ، بدأت الآليات بالتواجد واخذ المساحون يقيسون المسافات ويحددوا عرض الشارع وطوله .
قامت (الكرابات ) بقشط الارض ووضع الارصفة ومن ثم وضعوا مادة السبيس وتعديله بالحادلات ( النعّامة ) وهي آلية ضخمة تكون فيها الاطارات على شكل اسطوانات كبيرة من السمنت الصلد ومن ثم رصف مكان الشارع بالطابوق وبعدها مدّوا وفرشوا عليه رولات مادة عازلة وصب الشارع بخليط من السمنت والرمل والحصو وليرشوا عليه مادة الزفت ليقوموا اخيراً بتبليط الشارع بمادة الجير الاسود!
استمر العمل بصورة مستمرة لفترة اكثر من شهر وعلى شكل قطوعات ووضع فواصل صغيرة للتمدد ، فرحة اهل حي القاهرة لا توصف وهم يرون هذا الشارع العريض الذي يمتد من منطقة سوق فرج لغاية بيوت الطرابلة (عدة بيوت تسكنها عوائل من عشيرة الطرابلة ) وبمسافة كيلو متر تقريباً ، ولكن الفرحة الأكبر كانت من حصة الاطفال وبالاخص افراد عصابة شيطنه الذين وجدوا هذا الشارع ملعب اضافي لهم ولألعابهم الجديدة مثل عربانة الخشب المثلثة وچروخها الحديد ام الصچم ويجلس عليها الطفل ويدفعه طفل آخر لتنطلق العربانة بأنسيابية حلوة في هذا الشارع ، وكذلك اللعب بعربانة القواطي ( قواطي زيت المحركات والحليب الكيكوز التي تربط بسيم معدني ووضع فواصل (واشرات ) من سدادات قناني المشروبات الغازية ( السيفونات ) بين القواطي ، ابدع رئيس العصابة بصنع هذه العربات التي كان يزينها بأكسسوارات جميلة مثل مرايا جانبية ( من مخلفات السيارات ) او وضع قطع بلاستك ملون عليها ، ولكن الذي كان يبدع اكثر بهذه الشغلة هو حميد ابن سيد جبر والذي لم يكن من ضمن افراد العصابة، كان فناناً بحق ، فالعربات التي يقوم بتصنيعها تتطلب منه جهد استثنائي لأنه يقوم بتغليف العربانة بالوايرات الملونة والعربانة تكون بطابقين ! بينهما مكان على شكل سلة لوضع الحاجيات التي يريد ينقلها من مكان لآخر .
مصدر هذه المواد من منطقة الانقاض ( مكب مزابل ) قرب السدة حيث يتفق افراد العصابة ومعهم السيد حميد ومجيد عبدالله وسلام نعمة وغيرهم للذهاب هناك لجلب ما يحتاجوه لصناعة عرباناتهم الخشبية ( ام الصچم ) والقواطي والوايرات وتايرات السيارات القديمة ، وقد اطلق الاطفال على هذا المكان اسم ( الشورجة ) لكونهم يتبضعون منها الادوات التي يصنعون منها العربات .
في سنة 1966 حطت في حي القاهرة عائلة من اهل ديالى / السعدية وهم بيت عبدالغفور وكان اولادهم عبدالعزيز وصباح وصلاح ونجاح وثلاثة بنات وسكنوا في بيت حجي خلف ابو كامل ، بيت ركن صغير يقع مقابل الچولة ومجاور لبيت ابو (چلوب ) حجي رمضان الساعدي ،
كان اب العائلة مصاب بالشلل ويجلس طول اليوم على كرسي في طارمة البيت ، ومن الايام الاولى ظهر نشاط ملحوظ لهؤلاء الاولاد وبالأخص صلاح الذي كان بعمر اثنا عشر عاماً فقد عمل علاقات صداقة مع ابناء الحي مثل ضياء وبهاء وجمال وعباس وسمير ونجم وجاسم والسيد احمد ورحيم وفيصل كاظم وينادوه فيصل ابن المدير كون والده كان استاذ كاظم النداوي مدير مدرسة بور سعيد الابتدائية وغيرهم الذين كان يكبرهم جميعاً بسنتين او ثلاث ، وكانت لصلاح موهبة اشتهر بها بين اقرانه الا وهي موهبة الغناء وقد تبين ذلك بوضوح عندما غنى بحفلة زواج حسن فرحان وهو احد شباب المنطقة ،حفلة الزواج صارت بزقاق 6 بعد تبليطه ايضاً ، تم تهيئة المكان ، كنسوا الشارع ورشوه بالماء وتوزيع الكراسي الفافون الملفوفة بالوايرات الملونة ابتداءً من بيت (اسبكتر) ابو عدنان أخو العريس ولغاية بيت عبدالله جنزيل ابو مجيد ، ابتدأت الحفلة برقص وغناء الكاولية وكنَّ يجلسن بين الحين والآخر قرب احد المعزومين بالحفلة مقابل مبلغ لا يتجاوز الربع دينار يدفعه لها ، كان بعض الشباب يتسابقون لنيل ودّ الكاولية كي تجلس جنبه ويقوموا برفع شالها ومد يدهم على شعرها وتسمى هذه ب( التفريعة ) ، لتقوم بعد ذلك لتجلس جنب شاب آخر قبل ان تنزل للساحة لتأخذ فاصل رقص على انغام ربابة مصنوعة من قوطية (تنكة زيت فارغة وقديمة ) مربوط عليها سيم رفيع ويصاحبها صوت مطربة غجرية ودقات طبلة و(زنبور)،بعد ذلك تقدم صلاح ليغني بعض اغاني ناظم الغزالي وقد نال في وقتها تشجيعاً كبيراً من الحضور لحلاوة صوته وحلاوة الاغاني التي غناها ، لم تمر الحفلة دون ان يكون لعصابة شيطنه بصمة في هذا الحفل الكبير ، فأتخذت العصابة من حائط بيت ابو لطيف المقابل لبيت عزيز ابو صباح وبيت السيد جبر مكاناً لجلوسهم ومشاهدة الحفلة وكذلك لتصيد بعض الحاضرين بمصيادة الوايرات ، هذي المصيادة السهلة الصنع لا تحتاج إلّا لسلك قوي بعض الشيء ويكون على شكل رقم 7 ويمسك بيد ويوصل بين طرفيه لاستيكة تنسحب بواسطة اليد الاخرى بعد ان توضع فيها قطعة صغيرة من الواير التي تنطلق بقوة بأتجاه الضحية ، التهديف لم يكن عشوائياً فقد تم اختيار بعض الاشخاص منهم بعض الاطفال والكاولية ولم يسلم منها حتى المطرب الصغير الناشيء صلاح عبدالغفور !
وهناك مقالب اخرى كانت هذه المرة من نصيب ( العبيچية ) ، وهم مجاميع شباب كانت تأتي من الناصرية والعمارة للعمل في بغداد كعمال بناء ( عمّالة ) لوجود حركة بناء في الاحياء الجديدة ويسكنون بالدكاكين والكراجات الفارغة ويكتفون بأقل الصرفيات من مأكل وملبس ليوفروا مبلغ بسيط يرسلوه لأهلهم هناك ، وللترفيه عن انفسهم يذهبون لحفلات الاعراس ويجلسون مع الحاضرين ، لحظتها شيطنه ابلغ عصابته بأن يشدّوا شطفة ( غترة ) العبيچية بعضها مع بعض او ربطها بالكرسي الجالسين عليه وثم ينادي هو عليهم ليقفوا حتى يسقطوا ارضاً!! ويضحك عليهم وينهزم قبل ان يقع بأيديهم .
مرت فترة على حفلة العرس ظهرت لصلاح عبدالغفور موهبة اخرى وهي عمل عربانات الخشب ام الصچم وكانت له عربة متميزة جداً حيث اضاف لها ستيرن ( سكان ) سيارة يثبته في مقدمة العربانة ويقوم الاطفال بدفعه وهو يغني لهم بمرح بعض الاغاني الشعبية ، لم تستمر الاوضاع لعائلة صلاح عبدالغفور بهذه السهولة فقد حدثت له مشاكل ومشاجرات مع بقية الاولاد انتهت بعركة قوية مع ضياء الذي لقنه درساً بفنون المصارعة مما اضطرهم للأنتقال من حي القاهرة وربما العودة للسعدية من جديد !
الجزء الثالث
عصابة شيطنه – محكمة الثورة
الشارع الجديد وارضيته المبلطة الناعمة لم تشغل شيطنه وعصابته عن موطن العابهم الاول (الچولة )، فمنطقة الچولة وطبيعتها الطينية الجرداء لها سحر خاص لا يعرفه الا من عاش تلك الفترة وفي هذا المكان بالذات ، هذا المكان المشرق صباحاً وكأنه روضة من رياض الجنة والموحش ليلاً كأنه مقبرة مخيفة ، اكتشفوا فيه العابا لم تخطر على بال احد . العاباً لا تجدها في اي مكان آخر ! بعض الالعاب كان منبعها وحافزها اما احداث سياسية او دينية..في اواخر عام 688 القت الاجهزة الامنية العراقية القبض على مجموعة من اليهود العراقيين ومعهم بعض الشخصيات السياسية والتجار العراقيين المسلمين بتهمة التجسس لصالح اسرائيل ! وتمت احالتهم لمحكمة الثورة التي يترأسها القاضي علي هادي وتوت الذي اشتهر صيته وقتها ، وعرضت بعض وقائع جلسات المحكمة تلفزونياً ، وانتهت سريعاً بأصدار حكم الاعدام بحق الجميع ، تم تنفيذ الاحكام في بداية عام 69، وكان اشهر المعدومين هو عزرا ناجي زلخا وهو تاجر من مواليد الموصل ويسكن البصرة ، وكذلك محافظ لواء بغداد مدحت الحاج سري ( اخو رفعت الحاج سري مدير الاستخبارات العسكرية عام 1959 والذي اعدمه عبدالكريم قاسم نتيجة فشل حركة الشواف) الذي اتهم بإدارته شبكة لصالح امريكا!
تم عرض جثث الجواسيس وهي معلقة على اعواد المشانق في الباب الشرقي والبصرة وقد شاهدها العالم كله من خلال شاشة التلفزيون العراقي وبقت الجثث معلقة لعدة ايام ليشاهدها الناس وتكون درساً لهم على قوة الحكم الجديد !
هذه الوقائع واحداثها اثرت بشكل وآخر على ذهنية وتفكير شيطنه !
فبعدها بأيام طلب شيطنه من عصابته ان يجلبوا معهم ثاني يوم ادوات لحفر حفرة ! لم يعترض اي منهم عليه وذلك لمعرفتهم بحسن درايته ، وفي الوقت المحدد حضر الجميع مستصحبين ادواتهم التي جلبوها من البيوت ، منهم من جلب فأس صغيرة وآخر اصطحب (چمچة ) وغيره حضر ومعه كرك صغير يستخدمه اباه في الحديقة ومنهم من جاء بقزمة وآخرون جلبوا معهم ادوات مختلفة ليس لها صلة بالحفر ! اما ستار كومرلي فقد جاء بطاستي عمّالة ! وهن من أدوات عمل اخيه الخلفة شاكر والمشهور بأسم (سكران) ، وعندما اكتمل العدد استعرض الزعيم شيطنه الجميع وابلغهم بأنه قرر ان يجعل للعصابة مقراً يجتمعون فيه !
لقد تفاجأوا بهذه الفكرة !
مقر ؟ ماذا يعني مقر وماذا يعملون بهذا المقر ؟
اخذ شيطنه فرّة عليهم وقال .. بما اننا لا نستطيع بناء مكان خاص بنا فوق الارض لمَ لا يكون لنا مقراً تحت الارض ؟
سألوه وكيف ذلك ؟ قال : اسمعوا وانتبهوا لما اقول : يكون المقر على شكل حفرة عميقة وبطول مترين وبعرض متر او اكثر ، على ان يكون عمق الحفرة يعادل طول قامة اطول واحد بالعصابة والذي هو بالطبع رئيس العصابة ! ورفع يده فوق رأسه : اي بطولي بالضبط ..متر ونصف المتر !
كانت القياسات تعتبر كبيرة جداً لأولاد صغار ، ومع ذلك لاقى هذا الاقتراح موافقة ورضا الجميع ، لم لا وهو صادر من زعيمهم شيطنه ، حقاً كانت الفكرة جهنمية وغريبة ، لذلك اخذ كل واحد منهم يسرح بخياله عن هذا المكان واهميته ، سريعاً وبأشاره من شيطنه ابتدأ العمل بحفر الحفرة والتي كان مكانها تقريباً على بعد 200 متر في عمق الچولة ، وبالضبط بالجهة المقابلة لبيت حجي جبر ابو لطيف ، قام شيطنه بتقسيم العمل بين افراد العصابة ، قسم يحفر وقسم آخر يرفع التراب والطين المستخرج بطاسة العمّالة الى خارج الحفرة ، واثناء العمل كان الاولاد يرددون اغنية لم يعرفوا معناها السياسي :
سفن أب دگ الباب
سينالكو رد الجواب
الببسي والكوكا بالسجن
احكم بكيفك يا مشن
حچي مشن منريده
أنريد الكسرنه ايده !
بعد مضي ساعات من العمل وعند غروب الشمس انسحب افراد العصابة لبيوتهم بعد ان هدّهم التعب من جراء الحفر ، نام افراد العصابة بما فيهم رئيسها شيطنه وهم يحلمون بمقر العصابة وكيف سيكون شكله ؟
ثاني يوم جاء الجميع بدون استثناء وواصلوا الحفر وهم فرحين لهذا العمل الذي لم يألفوه سابقاً ، وقبل فترة الغداء اي تقريباً بحدود الساعة الثانية عشر ظهراً انتهى الشغل بالحفرة وبقي فقط تغليفها من فوق او وضع سقف لها وترك مكان للنزول فيها ، هنا اقترح احد افراد العصابة ان تكون هناك مقاعد من الطين داخل الحفرة وتكون على شكل مصطبة للجلوس عليها ، وآخر اقترح ان يجلبوا قطع من الچينكو لوضعه على الحفرة ليكون سقفاً لها ، اما شيطنه فقال ؛ الافضل ان نضع ابواب السيارات القديمة التي ترمى بالانقاض الموجودة قرب السدة الترابية !
وابلغكم ان هذي الحفرة ستكون مقراً لنا وبنفس الوقت ستكون قاعة لمحكمة الثورة !
ثم استرسل بالكلام قائلاً :
وآني سأكون القاضي علي هادي وتوت !
التفت اليه الجميع بإندهاش واستغراب وقال احدهم : والجواسيس منين راح نجيبهم ؟
قال شيطنه :
سنعدم مكانهم كل الكلاب السائبة الموجودة بالچولة !!
ذاكرة حي القاهرة
عصابة شيطنه – التشابيه
كان تواجد افراد عصابة شيطنه قرب الحفرة التي حفروها بأيديهم في منطقة الچولة يكاد يكون شبه يومي ، حيث يتناوب بين ستة الى ثمانية افراد من العصابة على البقاء فيها طيلة فترة الظهر والعصر ، وفي بعض الايام ينسون انفسهم باللعب والحكايا الحلوة التي تشغلهم ولا يعودوا لبيوتهم لتناول وجبة الغداء او حتى لشرب الماء ! فترى محاياهم شاحبة بعض الشيء وهناك بقع بيضاء على وجوههم نتيجة العطش ، ومع ذلك لا يبالوا ولا يهتموا ماداموا فرحين بلعبهم وشقاوتهم ، حفرتهم التي حفروها صارت لهم مقراً وايضاً محكمة مثلما اخبرهم رئيسهم (شيطنه ) انها ستكون محكمة اسوة بمحكمة الثورة التي حاكمت الجواسيس عزرا ناجي زلخا وجماعته ، الحفرة بمرور الايام صار لها استخدامات اخرى وواحدة من هذه الاستخدامات مشجب اسلحة لهم ! ومن المؤكد انها اسلحة تلائم اعمارهم والعابهم.
في أواخر الستينات وعند اقتراب شهر محرم من كل عام كانت تقام استعدادات وتحضيرات في منطقة الدلفية (وبالضبط خلف تانكي الماء الكبير ) من قبل الحاج حميد بدن واخوته لاحياء ذكرى استشهاد الامام الحسين واصحابه ، فيقوموا بتهيئة المكان الذي ستجرى عليه ( السباية ) او ما يسمى بالتشابيه حيث يقوموا في يوم العاشر من كل محرم بتمثيل واقعة الطف وبشخصيات تجيد تجسيد الادوار الموكلة بها ، والذي بقى بالذاكرة هو دور الامام الحسين الذي يتم تكليف السيد عبدالواحد الجابري ( من سكنة حي القاهرة وعند محل مواد غذائية في منطقة الكم / راغبة خاتون ) في كل عام بأداءه وما يجرى له بعد ان يتم قتله من قبل حرملة ابن كاهل حيث يقوم الناس المشاهدين للسباية بأخذ قطع قماش من ملابس السيد عبدالواحد للتبرك بها !!
والسباية لما لها من تأثير درامي حزين كانت تقام وسط حضور جماهيري غفير يأتون لمشاهدتها من كل المناطق المحيطة بالقاهرة وحي الشماسية والصليخ وحتى من الراشدية ، وطبعاً ومن المؤكد يكون لعصابة ( شيطنه ) حضور ومشاهدة الاحداث حتى يعيدوا ثاني يوم تقليد الاحداث التي رأوها !
ان تجسيد واقعة الطف من قبل (شيطنه ) وعصابته يتطلب بعض المستلزمات الضرورية مثل السيوف والرماح والقوس ( الگوز والنشاب ) التي يتم خزنها قبل فترة في الحفرة وكذلك تحضير الازياء الخاصة بطرفي واقعة الطف اي مجموعة الحسين عليه السلام ومجموعة يزيد .
يصطحب ( شيطنه ) عصابته الى المنطقة التي يسموها ( الشورجة ) قرب السدة الترابية وذلك ليتبضعوا منها الاسلحة المطلوبة والتي هي اسياخ الكباب الحديد القديمة ، وبعض قطع الحديد الفولاذ المتآكل وغيرها من القطع التي يعاد تأهيلها بالطرق والتعديل من قبل العصابة لتكون سيوف ورماح تستخدم بالتشابيه ، وكذلك بعض العلب ( القواطي ) التي تقص ويصنعون منها ( الدرگ ) ! اما الملابس والاكسسوارات فكانت كالتالي : ملابس جماعة يزيد وعمر ابن سعد فأنها كانت ملابس ملونة لذلك امرهم ( شيطنه) ان يجلبوا (تراكسوداتهم ) المدرسية التي يلبسوها في درس الرياضة بالمدرسة ، اما جماعة الحسين فقد كانوا يلبسون الدشاديش والتراكسودات تحتها ويلفون رأسهم بقطع قماش اخضر ، وهناك ايضاً خيم للنساء ولعلي السجاد المريض ، الخيم كانت عبارة عن وصل قماش لملابس قديمة وتثبت بالارض بأوتاد خشبية صغيرة ،
الشخصيات كانت توزع حسب ماكان يأمر به ( شيطنه ) فهو يأخذ دور عمر بن سعد ( وهو يرتدي يشماغ وعباءة والده ) وستار عباس العامري بدور حرملة وثائر صدام دور الشمر بن ذي الجوشن والسيد حميد يقوم بدور الحسين ومجيد بدور العباس ومحمد بدور علي الاكبر وصلاح بدور الحر الرياحي وكريم بدور القاسم وعادل وهاشم بدور اولاد مسلم وهكذا بقية الادوار ويتغير توزيع الادوار حسب الحضور والتواجد من قبل أفراد العصابة !
مكان السباية بمنطقة الچولة وبالقرب من الحفرة وبحضور عدد ليس قليل من الناس وبالاخص البنات الصغيرات اللواتي يقمن بالعياط مع مجريات الاحداث التي تبدأ قبل صلاة الظهر ابتداءً من قطع الحر الرياحي الطريق على الحسين ومن ثم انضمامه لاحقاً لمعسكر الحسين الذي يُحاصر من قبل جماعة عمر بن سعد، يقوم جيش الحسين بالدوران في معسكرهم مع ترديد كلمات تنتهي بكلمة ( يزيد ) بالتزامن مع رفع سيوفهم الى الاعلى :
دول الدولات .. يزيد
چعب القندرة .. يزيد
مرته محمرة … يزيد !!
ولا ادري ما علاقة ( حمرة ) زوجة يزيد بالموضوع ؟؟
بعد هذه الاهزوجة المضحكة تبدأ المعركة بقتال الامام العباس وقطع يديه اثناء عودته من جلب ( زمزمية الماء ) لأخته زينب وللأطفال ، ومن ثم تبدأ المبارزة الفردية لعلي الاكبر الذي يخرج للقتال منادياً :
انا علي ابن الحسين ابن علي
اضربكم بالسيف حتى ينثني
ضربة غلام قريشي علوي
اشبه الناس بجدي وابي
وتنتهي مبارزته بقتله عدد من جماعة يزيد حتى يستشهد ، ومن ثم يبدأ القتال بين الطرفين ، واللطيف بالموضوع ان من يتم قتله من جماعة الحسين يتنحى جانباً وينزع دشداشته ويبقى بالتراكسود الملون ويصير ( كومبارس ) ضمن جيش يزيد !
تنتهي المعركة بعد مضي نصف ساعة تقريباً بمقتل الحسين ومهاجمة المعسكر وحرق خيم النساء من قبل شيطنه وكـــــذلك حرق تاير سيارة قديم ينبعث منه الدخان ليضفي على المكان والاحــــــداث جوا تراجيديا حزينا !
























