إستذكار التشكيلي العراقي كاظم حيدر

659

 إستذكار التشكيلي العراقي كاظم حيدر

نصوص تستلهم ملحمة الشهيد الإنسانية

علي إبراهـيم الدليمي1

 في كلية الفنون الجميلة، نظمت جلسة إستذكارية خاصة في تجربة ومسيرة التشكيلي الراحل كاظم حيدر، حضرها عدد كبير من الفنانين والمهتمين وطلبته.

جدارة الفنان الراحل كاظم حيدر، تكمن في شجاعته القوية وتحديه الكبير لمرضه الخطير (اللوكيميا) الذي عرف أصابته به مبكراً، ولكنه لم يستسلم له أبداً، بل قرر أن يستغل الوقت المتبقي والقصير من حياته، أن يرسم موته ونهايته الأكيدة بلغة تراجيدية مؤلمة، فكانت من ضمن أعماله الأخيرة المأساوية لوحة (اللوكيميا).

والولوج داخل عالم الفنان التشكيلي الراحل كاظم حيدر1932- 1985 تستدرجنا الكتابة حتماً عن تجاربه الإبداعية ومسيرته الفنية، بكتاب ضخم مستقل، لابزاوية صحفية كهذه، لكي نستطيع أن نوفيه بعض ما علينا من واجب إتجاهه.

إلا أنني هنا أود أن أستذكر بعض النصوص النقدية تجاه موضوع مهم وخالد قد أنجزه فناننا الراحل، وكان له تأثير بالغ وإنعطاف فكري عميق في المشهد التشكيلي العراقي منذ منتصف العقد الستيني المنصرم، الا وهو موضوع الشهادة وقيمتها الإنسانية والبطولية في واقعة كربلاء.. حيث أستلهم من هذه الفاجعة صور تعبيرية رمزية، قدمها في معرض شخصي في بيروت عام 1965 تحت عنوان ملحمة الشهيد، مجسداً فيها كذلك مضمون قصيدة درامية تتألف من 15 بيتاً شعرياً قد نظمها الفنان بنفسه.

إذ يستقرئ الفنان والناقد نوري الراوي هذه الأعمال: إن دراسة شاملة لسلسلة اللوحات التي ألغت وحدات هذه الملحمة تقودنا إلى الإحاطة بما في ذلك العالم من نقائض.. فالخيول المنهمكة تقابلها خيول مستنفرة.. مستفزة، وضخامة السيوف التي شكلت باحتزامها ظرفاً تأريخياً متأزماً، حققت إنتصاراً زائفاً، سرعان ماتحول إلى فضيحة تأريخية، إتسمت بعار”الجرائم النكراء” وبقي في النهاية، ذلك السيف الوحيد، الذي منح من الشجاعة بقدر ماجرد تلك السيوف الغادرة من كل صفة للنبل والشرف.

كما يؤشر الناقد والفنان شاكر حسن آل سعيد هذا الحدث/ المعرض: إن معرض ملحمة الشهيد في عام 1965 كان بمثابة المؤشر الواضح لمستقبل الفن التشكيلي في مرحلة الستينيات، ولابد أنه كان حافزاً في حينه لشباب الفنانين من أجل البحث عن رؤيات جديدة ذات أبعاد ميتافيزيقية أحياناً وملحمية أحياناً أخرى، ان فكرة الخير والشر والمأساة من أبرز مميزات كاظم حيدر.

كما وصفها الفنان نزار سليم: وقد تجلت هذه النزعة في معرضه ملحمة الشهيد التي تقص مأساة الحسين في كربلاء، بأربعين قطعة كبيرة، فبعد أن كان الإنسان في لوحاته الأولى وحيداً محصوراً في كتل تحددها خطوط هندسية مكعبة، نراه ينطلق في جو مأساوي حاد، مستوحياً المواضيع الدينية ذات الأثر العميق في حياة الكثير من العراقيين.

ويؤسس الناقد عادل كامل لتلك الملحمة: فكان كاظم حيدر يرسم ضد القواعد، بفرشاة كبيرة، موضوعات مأساة الحسين، ذلك القتل الذي أخذ يتكرر في جسد الأمة.

ويميز الناقد جبرا إبراهيم جبرا أعمال هذه التجربة: في بعضها نرى الإنسان محصوراً في مربعات أو مكعبات.. الإنسان مقرفص، أو منحن، أو مجزأ، غير أن معظم صوره مأخوذة بموضوع كبير لا يستطيع أن يتصدى له إلا رسام ككاظم حيدر، يرى الحياة من إصطخابها وصراعها، مأساة تتجدد، وإستمرار الخلق الخلق لا يستنفد تفاصيلها، من أهم ما أنتج مجموعة من أربعين لوحة جلها كبير الحجم، صوّر فيها ملحمة متصلة الأطراف سماها بـملحمة الشهيد إستلهم فيها إستشهاد الحسين بن علي في كربلاء، لقد شحن كل صوره منها، بحس الشر والظلام، ومقارعة الإنسان لكليهما.. آسنة ورماح وسيوف وخوذ وخيول.. فرسان مدججون.. ومؤامرات ومعارك وقتل وإغتصاب.. ووحشة البطل الأخيرة وسموه في مصرعه، لا أحسب إلا رسامين قلائل جداً تطرقوا إلى موضوع كبير كهذا بهذه السعة وهذا التنويع وهذه الشدة – منذ أيام النهضة الأوربية – كل صورة بالطبع لها إستقلالها وقوتها، ولكنها في الوقت نفسه حلقة في سلسلة لما تنته حتى اليوم، وهي إذ تجعل منطلقها من موضوع ديني عميق الآثر في حياة أهل الالعراق، تتخطى معانيها الزمن والحدود.. لقد حقق كاظم حيدر شيئاً جديداً في الرسم العراقي، لقد جعله يعبر بلغة اليوم عن مأساة الإنسان الأبدية.ويقف الأديب جميل الجبوري عند ملحمة كاظم حيدر معبر عنها: عبر التأريخ الحافل الذي تنقله صور الملحمة تقرأ معاني البطولة وتكشف دناءة المؤامرة، وتعيش أجواء المعركة بما فيها من كر وفر وهجوم ونكوص وقتل وإستلاب.. ثم ترى سمو الفداء متجسداً بأبهى جلال من أجل المثل الرفيعة التي أستشهد من أجلها الحسين عليه السلام وصحبه الأكرمين.

ويبدو أن موضوع هذه الملحمة كان يتجسد ويتبلور في حياة ويوميات وتفكير فناننا الراحل كاظم حيدر، قبل هذا التأريخ بسنوات طويلة.. وتعالوا نقرأ ما أستذكره الكاتب سعدون العبيدي في هذه الوثيقة/ الحقيقة:

عام 1959 فوجئت بسقف الغرفة الكبيرة التي يسكنها الفنان كاظم حيدر في لندن يزدحم بملحمة مدهشة.. رماح، تروس سيوف عربية، خيول، رؤوس مقطوعة، عربات، شموس، وأشياء أخرى، لوحة كبيرة ملأت كل مساحة السقف بألوان منسجمة وخطوط قوية وظلال معبرة، تعكس قدرة ذلك الفنان العملاق وإمكاناته الخلاقة في تجسيد الأحداث بواسطة فرشاة الرسم، إنشددت إلى تلك اللوحة، وأخذت أتمعن كل شيء فيها، تصورت نفسي وكأني في ركن من متحف قديم، قلت له: زرتك قبل إسبوع، ولم يكن سقف غرفتك يحمل ولا حتى ضربة فرشاة واحدة، متى بدأت بهذا العمل؟ أجاب: قبل خمسة أيام، وأتممته قبل ساعات قليلة. قلت: لكن كيف خطرت ببالك هذه الفكرة.. قال: كلما كنت أنظر إلى سقف هذه الغرفة، أجد مساحة بيضاء كبيرة تجذبني إليها، أشعر وكأنها تهمس في أذني قائلة.. أرجو أيها الفنان الغريب، أرجوك أن تملأ هذا الفراغ، أبعد عني هذه العزلة القاتلة.. بقيت أفكر طويلاً، ثم أتخذت القرار بتحويل هذا السقف إلى لوحة من تراثنا الغني، قلت: حسناً فعلت، ولكن هل أخذت موافقة صاحبة المنزل؟ قال: أجل، شرحت لها رغبتي في ذلك، فلم تمانع، قلت: وما رأي السيدة العجوز فيها؟ قال: لم ترها لحد الآن بشكلها النهائي، وبعد مدة قصيرة سمعنا صوت تلك السيدة ينطلق عن قرب: هل تسمح لي بالدخول لمشاهدة ما أنجزته من رسم اللوحة ياسيد حيدر؟ أجابها كاظم: تفضلي ياسيدتي، أهلاً بكِ، دخلت المرأة المسنة إلى الغرفة، وما أن رفعت رأسها إلى أعلى حتى بدت علامات الدهشة والإعجاب واضحة على وجهها، ثم مدت يدها مصافحة صديقي الفنان كاظم حيدر قائلة: أنت فنان عظيم حقاً.

ضوء في مسيرة الفنان كاظم حيدر:

حاصل على شهادة الليسانس في الأدب من دار المعلمين العالية عام 1957 وفي نفس العام كذلك حصل على دبلوم رسم من معهد الفنون الجميلة/ الدراسة المسائية.. فضلاً عن دراسة فنون الرسم والديكور المسرحي والليثوغراف في الكلية المركزية للفنون بلندن، وتخرجه عام 1962 وقد شارك في أغلب المعارض الجماعية داخل العراق وخارجه، كما أشترك مع الخزاف فالنتينوس في معرض عام 1966 ساهم في تأسيس جماعة الأكاديميين التي أقامت معرضها الأول عام1971 كذلك شارك في المعرض الأول لجماعة الزاوية عام 1967 وفي معارض جماعة الرواد، عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، ورئيساً للدراسات التشكيلية فيها ورئيساً لرابطة نقاد الفن التشكيلي في العراق، وفي العام 1984 أصدر كتاباً منهجياً في فن التخطيط والألوان، عمل في تصميم الديكور المسرحي، وأبتكر أسس وقيم معاصرة لفن تصميم الديكورات، وقدم الكثير منها للمسرحيات المحلية، أقام معرضه الشخصي الأخير في المركز الثقافي العراقي بلندن في العام 1984 الذي كان له صدى إيجابي واسع بين الجمهور والنقاد.. مثلما أثار معرضه الأول ملحمة الشهيد صداه الكبير أيضاً عام 1965 توفي يوم 23/12/1985 أثر إصابته بسرطان الدم الذي فأجاه عام .1983

مشاركة