تدهور الفن الغنائي وأثره في تراجع الذوق العام.. لوحات تحمل أسى الواقع العراقي

تدهور الفن الغنائي وأثره في تراجع الذوق العام.. لوحات تحمل أسى الواقع العراقي

حسام الدين الانصاري

ان بناء الذوق العام في أي مجتمع بحاجة الى جهود كبيرة تقودها طليعة من المبدعين ورموز الثقافة والفن والى مديات زمنية واسعة قد تمتد الى عدة أجيال من أجل أن تتحقق قاعدة ذوقية رصينة لدى عموم المجتمع تكون محصنة من قبول الفن الهابط ورافضة لأي من حالات الاسفاف والتدهور ، وهذا لا يمكن أن يتم إلاّ من خلال عملية التراكم الحضاري لبناء الانسان وما يحيط به من رموز وشواخص تنطلق من مقومات الثقافة والفنون والآداب التي تنطوي على قدر كبير من الابداع والتجديد الذي يحفز الذوق العام على الارتقاء والتشبع بالقيم الحضارية ونبذ الظواهر المتخلفة التي تعوق حركة التطور

          وإذا ما أردنا الحديث عن الجوانب الذوقية والجمالية وأثرها على مسيرة المجتمعات فان بناء ذوق الانسان هو الدافع لكل تقدم وتطور ، فالانسان الذي يتحلى بالاحساس والذوق والثقافة الفنية يكون قادراً على النظر الى الاشياء التي تحيط به بتوازن وعقلانية ومعالجة الأحداث بواقعية وإدراك ، وإن تلك الصفات لا تأتي من فراغ وإنما يستمدها الانسان من جماليات الحياة وهي عديدة ، وكانت الموسيقى والفن الغنائي من بين زخارف الحياة التي كان لها دور كبير في ترويض ذوق الانسان وتحفيز مشاعره وصقل احاسيسه التي تغمرها روائع النغم والأصوات الجميلة والنصوص الشعرية البديعة التي يجدها في أغنية تملك مشاعره كباقة ورد ترتاح لها نفسه .

          ومن هذا المنطلق تأتي أهمية الفن الغنائي في تربية الذوق ورهافة المشاعر عندما يرتقي هذا الفن لخلق قيم فنية وذوقية ترتفع بثقافة الانسان وتحفيز أحاسيسه .وفي إطار الحديث عن دور الفن الغنائي في التأثير على بناء ذوق الانسان ، أين نجد المستوى الذوقي للفرد والمجتمع العراقي ؟ .. فإذا كانت العقود منذ مرحلة الخمسينات وحتى أواخر القرن الماضي قد شهدت عطاءً فنياً في مجال الموسيقى والغناء فإنها قد عكست ملامح البيئة الفنية العراقية بمختلف زخارفها ابتداءً من أعالي جبال كردستان وحتى أغاني الريف والهور جنوباً ، وكانت جميعها تعبر عن حالة التناغم بين المجتمع وإصالة فنونه وثقافته والتي شجعت الكثير من الشباب للالتحاق بالمدارس والمعاهد والكليات الموسيقية ، وبرزت العديد من القدرات والنماذج التي تميزت في هذا المجال ، وكان لذلك الانتشار الفني تأثيراً في تهذيب وبناء ذوق المستمع والانفتاح على الموسيقى والغناء لرواد الموسيقى والغناء العربي والعراقي والعالمي .

          إلا ان الفاصلة التي عطّلت تلك التوجهات الفنية كانت في أعقاب العام 2003 حينما برزت حالات التشدد على الحفلات والمهرجانات الموسيقية والغنائية ومضايقة الفنانين في اقامة المناسبات الغنائية والظهور في القنوات الفضائية المحلية وخاصة الأصوات النسائية وتراجع حالات حضور الفرق الموسيقية والغنائية في حفلات المناسبات الرسمية واقتصارها على فعاليات تغيب عنها ملامح الفرح الاحتفالية والعروض الغنائية والموسيقية التي تشكل المادة الاساسية للمهرجانات والاحتفالات ومناسبات الفرح والترويح عن النفس . وقد أدى ذلك الى هجرة غالبية الفنانين من الموسيقيين والمغنين من الأصوات الشابة الرجالية والنسائية الذين استقبلتهم العديد من الدول العربية ، بل وإن الكثير من هؤلاء الفنانين تركوا الديار واستقروا في بعض البلدان الاوربية حيث عملوا على التواصل مع فنونهم الغنائية واقامة الحفلات في تلك البلدان التي تحضرها الجالية العراقية والجاليات العربية الاخرى ، اضافة الى تسجيل نتاجاتهم الغنائية في الاستديوهات المتخصصة هناك والتي اصبحت تعرض عبر القنوات العربية وعلى الاقراص المدمجة التي اصبحت في تناول كل من يرغب في اقتنائها من العراقيين وغيرهم ، الامر الذي كسر طوق التشدد ومحاربة الفنون التي مارستها السلطة في اجراءات المنع وعدم التشجيع غير المعلنة ، بل ان بعض الاجراءات التي اتخذتها بعض المؤسسات الرسمية في فصل الطالبات عن الطلاب في معهد الفنون الجميلة عبرت بشكل واضح عن النهج الرافض للصيغ الحضارية لحالة التسامي وأجواء الزمالة الدراسية وزرع الثقة في المؤسسات الفنية .

          ان هذه التوجهات التي اتخذت في مضايقة الفنون أدت الى افراغ الساحة العراقية من الكفاءات الفنية في مجال الموسيقى والفن الغنائي وإجهاض النمو فيه بحيث أدت ردود الأفعال حتى الى غياب الفنون الغنائية التراثية واختفاء رواد قراءة المقام والاغاني الريفية والغناء الشعبي بكل ألوانه بسبب أجواء المنع والمضايقة وانحسار فرص وظروف تقديم هذه العروض ، واشاعة ثاقفة الحزن والإنكفاء .

          وقد جاءت هذه الاجراءات بردود أفعال عكسية على الضد مما كانت تهدف له القوى المتشددة التي وقفت في مواجهة الفنون الانسانية والابداع وصيغ الفرح والتفاؤل الذي يحفز طاقات الشباب وطموحاتهم بالعيش في رحاب الأمل والسعادة وحقوق الانسان، اذ احتلت الساحة الغنائية عناصر جاهلة في أصول الموسيقى والغناء ومن دون أن تتوفر لها أدنى قدر من المهارة والقدرة الصوتية على الاداء واعتماد اسلوب الزعيق بمصاحبة اداء موسيقي يخلو من المقومات اللحنية للموسيقى ، واصبحت العروض الغنائية الهابطة التي يقدمها هؤلاء الدخلاء على الفنون الموسيقية نوعاً من التهريج والصخب الذي لا يمت بصلة الى الفنون الموسيقية والتي أصبحت هي المادة الرئيسية في الأعراس وحفلات الختان وحفلات أعياد الميلاد لبعض ميسوري حال آخر زمان في القاعات المستأجرة التي  يحضرها المدعوين الذين تأخذهم الحماسة في الرقص والغناء مع المغني لتكتمل الجوقة بأسوأ أحوالها .. والجدير بالذكر ان مثل هذه الاغاني والعروض يجري تسجيلها في بعض الاستوديوهات المحلية وتعرض للبيع في الاسواق عن طريق مكاتب التسجيلات .

 ومن الغريب انها اصبحت تجد صدىً وقبولاً لدى شرائح واسعة من المجتمع وخاصة شريحة شباب ما بعد 2003 الذين لم يواكبوا الفن الأصيل وإنما فتحوا أعينهم على الفن الواطي والعروض الرخيصة التي أصبحت الحالة القياسية التي لا يعرفون غيرها .          ولقد فات على المتشددين الذين وقفوا في مواجهة الفنون الموسيقية التي تعمل تحت الأضواء وبشكل علني تحددها الكثير من الاعتبارات التي تحول دون الاسفاف والتمادي وتحاشي العروض الماجنة التي تسيئ اليها أمام الجمهور ، بأن هذه المضايقة أدت الى القفز نحو القاعات المستأجرة والاستوديوهات وتصوير الحفلات والعروض وجميعها خارج السيطرة واختراقها من قبل العناصر غير المهنية والطارئة على الفن والخارجة عن الالتزام بالسياقات النظامية التي تفرضها ضوابط الفن الملتزم والحرفية الفنية وخروقات التسجيل في الاستوديوهات الخاصة وعرضها في القنوات غير الخاضعة للسيطرة ، والتي خرجت عن المعايير الفنية .

          ومع اتساع هذه الموجة وغياب الفن الأصيل فإن هذا التدهور الحاصل في المجتمع والذي طغى على الساحة التي لم يعد روادها الذين اخترقوا سياج الفن سوى مجموعة من الذين امتهنوا الموسيقى والغناء خارج حلبة الفن الغنائي الحقيقي ووجدوا لهم جمهوراً يطرب لهم وتنتشر تسجيلاتهم في سيارات التاكسي و ( الكيا ) وقاعات عروض حفلات الدرجة العاشرة .. والتي وصلت عدواها الى تخريب الذوق العام حين تحولت الفنون الموسيقية بعناصرها الموسيقية والغنائية الى صراخ وصخب وكلمات ساذجة بل ومخدشة للحياء جاهزة للنمو والاستمرار مع ازدياد سيارات التاكسي والكيا وملايين الصبية والاحداث الذين تركوا التعليم وملايين العاطلين عن العمل الذي يندبون حظهم .