أفكاري مستوحاة من الطفولة
هدير نجم
يعرف فن المصغرات او الدايوراما بانه فن تجسيد مشاهد معينه من الواقع او الخيال باحجام مصغرة وتتميز هذه المشاهد بغزارة تفاصيلها و بقربها من الواقع ، عرف مصطلح الدايوراما لاول مرة في فرنسا في القرن التاسع عشر و بالتحديد عام 1822 و لكن جذور هذا الفن تمتد الى عصر الحضارات الاولى حيث وجد العديد من المشاهد المصغرة ترجع الى عهد الفراعنة و السومريين . التقت ( الزمان ) بالفنان علي العميدي وكان معه الحوار الآتي:-
{ من أين جاءت لك هذه الفكرة ؟! ولما أخترت هذا النوع من الفن ؟!
– علمتني والدتي القراءة في سن مبكرة جدا فاصبحت قارئاً وخصوصا للروايات المترجمة التي كانت متوفرة في وقتها.. حسنت القراءة مخيلتي و شدتني للفنون و لكن فكره بناء مجسمات مستوحاة من تلك القصص لم تبارح ذاكرتي . عام 2010 وبالصدفة عثرت على خشب يسمى خشب البالسا و هو خشب سهل التقطيع و التشكيل واحسست حينها ان الوقت قد حان للبدء بتحقيق حلم الطفولة … من بعض الواح خشب البالسا و شفرة صغيرة و القليل من القهوة بنيت اول مصغر و كانت النتيجة مشجعه جدا حاولت ان ابحث عن هكذا اعمال على صفحات الويب لكن عدم وجود هكذا فن في منطقتنا العربية وانعدام المواد و الادوات الضروريه شكل عائقا امام حصولي على المعلومات عن هذا النوع من الفنون .. حاولت ان ابحث باللغة الانكليزية و لكن عدم معرفتي باسم هذا الفن بالانكليزية كان عائقا اخر.. بعد مرور شهور من البحث تعرفت على كلمه Diorama و منها بدأت بالبحث اكثر عن هذا الفن و كانت البداية.
{ هل ترى أن هناك اي أرتباطاً بين أختصاصك العلمي و عملك الحالي ؟!
لا يوجد اي رابط بين مجال دراستي و العمل على المصغرات انا درست هندسة السيطرة والنظم في الجامعة التكنولوجية .. و عملت كمصمم جرافيك تلفزيوني في عدد من الدول العربية و لكن شغفي بالمصغرات هو ما دفعني للعمل عليها.
{ كيف توضف أفكارك بالعمل ؟!
– اصعب مرحلة في العمل على المصغرات هو ايجاد الفكرة المناسبة .. اختيار عمل معين يحتاج الى اشهر من الدراسة و البحث في كل تفاصيل العمل بل في تفاصيل التفاصيل و معرفة الفترة الزمنية و المكانية لكل تفصيل .. عادة تقع اختياراتي على مشاريع لم تعمل من قبل على سبيل المثال اخر مشروع لي كان استوديو تصوير من العام 1900 و هو الاول من نوعه في العالم حيث لم يقم اي فنان مصغرات بالعالم ببناء هكذا مشروع لصعوبة الحصول على معلومات كافيه عن هكذا عمل .. استغرقني البحث بحدود الشهران بسبب قلة المعلومات و الصور عن استوديوهات التصوير في تلك الحقبة الزمنية .. و جميع الصور بالاسود و البيض و قليلة الدقة مما يتطلب دراسة فعلية لهذه المهنة في تلك الفترة .. فقرأت اغلب المقالات عن التصوير في الـ1900 و درست طريقة بناء الاستوديوهات و كيفية استخدام المصورين لضوء الشمس كمصدر وحيد للاضاءة بالاضافة الى دراسة كل تفـــــصيل على حدة ابتداء بالكاميرات المستعملة في تلك الفتــــــــــرة الى الاثاث و الالوان المستعملة في الاستوديوهات.
{ هل وجدت الدعم اللازم لك ؟! ومالذي تفتقر له ؟!
– لم احصل على دعم من اي جهة و لكن من الناحية الاعلامية حصلت على دعم و اهتمام الصحافة الغربية فكتبت عني الصحافة بأكثر من 20 لغة حول العالم اضافة الى لقاءات تلفزيونية على بعض القنوات الاجنبية مما شكل حافزا للاستمرار .
{ برأيك ماهو الاكثر تميزاً في عملك خاصة وفي الفن عامة أصالته أم حداثته ؟!
– اعتقد ان لكل من الاتجاهين ما يميزه و لكني مع الاصالة خصوصا في عملي حيث ان كل اعمالي من فترات زمنية قديمة فانا اجد المتعة في عمل المشاهد القديمة و الاماكن المهجورة لانها شاهد على الكثير من الاحداث فكل تفصيل في تلك المشاهد يروي قصة كما ان اغلب اعمالي تظهر تاثير الزمن و هو ما يعطي القيمة لتلك الاعمال .
{ ما الصعوبات التي واجهتها بالعمل ؟! وبرأيك كم المدة اللازمة لانجاز عمل واحد ؟!
– بالتاكيد هناك الكثير من الصعوبات في العمل على المصغرات من ناحية البحث و التنفيذ و لكن برأي ان الصعوبات هي من تضفي قيمة اكبر فكل عمل يحتاج من شهرين الى ثلاث اشهر و لكن عملي الاخير احتاج الى 9 اشهر من البحث و التنفيذ فكل مشروع يختلف عن الاخر باختلاف نوع العمل و كمية التفاصيل في كل عمل.
{ هل شاركت في معارض ؟ وأين كانت ؟!
– لم اشارك في اي معرض حتى الان لصعوبة نقل الاعمال و ان جميع المعارض تقام في الغرب لذلك كان السفر و نقل الاعمال عائقا كبيرا و لكن من فترة هناك عدداً من الاتصالات مع جهات منظمة للمعارض في اوربا للتجهيز لمعرضي الاول .
{ ماهي تأثير الغربة عليك ؟!
– تاثير الغربة قد يختلف من شخص لاخر انا شخصيا اثرت الغربه تاثيرا ايجابيا على اعمالي من جهة و على شخصيتي من جهة اخرى. الغربة تمد الانسان بالمعرفة و التفتح و في بلد مثل تركيا محل اقامتي حيث التنوع الجغرافي و المجتمعي يضيف الكثير من الامور لشخصية الفرد .
{ هل ترى ان الفنون التشكيلية تعاني عزلة في الوطن العربي عامة والعراق خاصة ؟!
– الفن الشتكيلي في العراق اليوم امام تحدي كبير لهبوط الذوق العام للمجتمع من جهة و قلة الاهتمام الحكومي به من جهة اخرى .. فما عدنا نسمع عن اعمال تضاهي ولو بقدر يسير اعمال رواد الحركة التشكيلية العراقية كفائق حسن و جواد سليم على الرغم من مرور سنين عديدة على اعمالهم العظيمة.. لكن على الرغم من الصعوبات الحالية هناك العديد من الفنانين التشكيليين الذين اختطوا طريقا خاصا بهم واذكر هنا الفنان العراقي الكبير احمد البحريني الذي زينت اعماله الكبيرة دول العالم و لا استطيع ان لا اذكر سيدة الفن المعماري الحديث في العالم المرحومة زها حديد و اتمنى من الجهات المختصة الاهتمام بهم او بذكراهم حيث في الظروف الصعبة التي يعيشها المجتمع العراقي فان الفن يؤدي دورا مهما في انعاش وتغذية المجتمع للارتقاء به. اما عن الفن التشكيلي في المنطقة العربية عموما فاعتقد انه يعاني عزلة شديدة لقلة خبرة و اهتمام الفنانين بتسويق اعمالهم .. التسويق الجيد للاعمال الفنية لا يقل اهمية عن جودة الاعمال نفسها نحن في عصر اصبح التميز و التنافس على الجودة اصعب من ذي قبل بوجود مواقع التواصل الاجتماعي و لجوء اغلب فناني الغرب لهذه المواقع لعرض اعمالهم مما رفع مقياس الجودة لدى المتلقي و لكن اغلب الفنانين العرب لا زالو يعتمدون الطرق التقليدية في عرض اعمالهم مما جعلهم في عزلة فنية عن العالم.
{ ما مدى تأثير الوضع الحالي في العراق عليك ؟! وهل فكرت بتجسيده ؟! وماهي افكارك ؟!
– انا برأيي ان اي مجتمع يهجر الفن و الجمال يصبح مجتمعا يسوده الفوضى و الحزن لان الفرد بحاجة للجمال و الفن في حياته اليومية بقدر حاجته للطعام والشراب و انعدام هذه الحاجة بسبب الضروف الصعبة التي يعيشها البلد اليوم ادت الى انتشار العصبية بين افراد المجتمع اضافة الى الجهات الي تحاول ان تقدم الفن بطريقة رخيصة ما ساهم في تدني الذوق العام للمتلقي .. انا لم اعمل اي عمل عن العراق حتى اليوم على الرغم من ان بدايتي كانت في العراق بسبب الحزن الذي سيصاحب اي عمل عن العراق و لا اريد المزايده على اوجاع البلد في الوقت الراهن .. اتمنى ان اقدم عملاً عن العراق و لكن بعد ان تتحسن ظروف البلد حينها ساقدم عملا يشعرني و يشعر المتلقي بالسعادة.
{ هل ترى ان موهبتك ظلمت ؟!
– لا اعتقد ذلك لان اعمالي وصلت للعديد من الناس في مختلف بقاع العالم و تاتيني يوميا العديد من رسائل الاعجاب بهذه الاعمال وكوني اول فنان عراقي في مجال المصغرات تنتشر اعماله بهذه الصورة له كبير الاثر في نفسي والاهتمام الاعلامي من قبل وسائل الاعلام الاجنبية كانت مشجعة جدا.
{ ما هي الرسالة التي ترغب بأيصالها من خلال هذا النوع من الفن ؟!
– اعيد احياء (بطريقة مصغرة) اماكن عفا عليها الزمن واصبحت من الماضي .. و اعادة احيائها هو تقدير لهذه الاماكن و تقديمها للناس بطريقة فنية يزيد تقدير المتلقي لها.. مشاهدة الصدأ و الخشب المعتق في حياتنا اليومية يمر بدون ملاحظة و لكن وجوده في عمل فني يزيد انتباه الناس له.. كل عمل هو كتاب مليء بالمعلومات عن فترة زمنية معينة بكل تفاصيلها نتعرف من خلاله على اسلوب حياة مجتمع في فترة زمنية معينة .
{ كلمه اخيرة منك !
– اتمنى من كل قلبي ان يزداد الاهتمام بالفن و الجمال في مجتمعاتنا العربية عامة و في مجتمعنا العراقي خاصة فالموسيقى و الرسم و النحت هي رُسل الجمال الينا ..
و هي من صنع الله فلنقدر ما اعطانا الله .. الفن ضرورة من ضرورات الحياة و غذاء للنفس فهو الذي يسمو بالمجتمعات ويذكر الاجيال بانجازات من سبقهم.
























