مرتضى المنان في أيها الصديق.. الوقائع اليومية مفتتح سردي

مرتضى المنان في أيها الصديق.. الوقائع اليومية مفتتح سردي

محمد جبير

يتخذ الكاتب مرتضى المنان في روايته القصيرة ” ايها الصديق ” شاهدا من نيكوس  كزانتزاكي نص على ”  أشحن قلبك بكل انواع الرعب . اعد تركيب كل التفاصيل . ان دورة الخلاص واحدة وعليك ان تكملها ” “ص5″  قد تكون هذه الاشارة التي تضمنها الشاهد المختار  مفتتحا للنص الروائي يحمل معناه الثقافي ودلالة فكرية قد تشل بعض العلامات الدالة في ذهن القارئ وتوجهه نحو قراءة النص  بعد أنتقاله  من عتبة النص الاشارية ” ايها الصديق ” الى مقتبس النص المثبت على الغلاف الاخير ، والذي تضمن ” اخذني الى بيته وبذات الود والألفة التي تحسستها بعطر الرسائل . امام بيته لمست الفقر والعوز على صفائح الحديد المضلع الذي غلف سياج البيت والستارة التي تساقط  طابوقها من ركنها الشمالي”.ثلاث اشارات تتشكل منذ البداية في ذهن المتلقي من خلال هذه النصوص ، وهي ” صديق ، دورة الخلاص واحدة ، وزيارة الصديق ” .، هذه الزيارة التي ثبتت الانطباع الاولي في الغلاف الاخير من خلال التفصيل الاتي ” بينما دخلت اذ تغير الحال وما قدمه لي من محبة وكرم ، انقطع التفكير به حال مشاهدتي لمكتبته العامرة بالنفائس الحديثة والقديمة . والحق كان بيته عبارة عن مكتبة، لكن الحديث تغير ليمر بقصد أو من غير قصد الى حكاية جمعة جمعة أو زوربا بغداد . ثمة اشرطة تسجيل قديمة لصوت جمعة جمعة . كتابات ورسائل دونها عنه . أأكون امينا وأدونها لعلها تصلح بخطها المائل رواية جمعتني والشاعر فلاح ” ” الرواية –ص12″.ما الذي يتبقى  التفاصيل في متن النص اذا اتضحت الصورة مسبقا قبل  الدخول الى مفتتح النص الذي دونه الكاتب في الصفحات الاربع الاولى من هذه الرواية  ، فقد كانت الجملة الاستهلالية للمفتتح تخبرنا الاتي ” كعادتي اتصفح عند كل صباح ،أخبار الأصدقاء وأنشطتهم على صفحات التواصل الأجتماعي الفيس بوك ” “ص5″ . لنتعرف من خلال التواصل مع هذا المفتتح على طريقة التعارف مع صديقه الشاعر ” فلاح” الذي ” كان صديقي .. صديقي منذ اليوم المشؤوم لدخول قوات الأحتلال عام 2003″ “ص11”. ثم يختتم المفتتح بالشاهد النصي الذي ثبت على الغلاف الاخير.

مدونة الشاعر ومدونة السارد

هل يمكن ان يجتمع الشاعر ” الصديق ” مع السارد ” الشاعر في كتابة تجربة نص حياة ، يقوم بتدوينه كاتب سردي معاصر ، يمارس مغامرته في كتابة هكذا نص ، يأخذ من زمن الان منطلقا ومرتكزا اشعاعيا لكشف الحوادث التي جرت بين واقعها وحلمها ، وكيف تم سرد تلك اليوميات ؟.منذ البداية يعلن الكاتب موقفه الرافض للاحتلال ، حين وصف ذلك اليوم بـ” المشؤوم ” وهو لذلك يبحث عن علاقات من طراز خاص سواء في العالم الافتراضي ” الفيس بوك” او العالم الحقيقي المعاش يوميا ، وبقدر ما يطرح من تنظيم لمسير جدول الاعمال اليومية فانه يفترض ايضا في الاخر الذي يرتبط به ذات النمطية التي تتجانس مع ما يراه من شكل مصمم لحياته اليومية  ، الا ان المفاجأة السردية لا تقوم على نمطية التصميم  ولا يمكن للحياة ان تسير على وتيرة واحدة ، وهكذا هي ايضا وتيرة حياة النص السردي بوصفه كائنا حيا يعيش بيننا ويتنفس هواءنا من اجل ديمومته ، تلك الديمومة المستمدة من تنوع القراءات التي تعيد انتاج حياة النص ، لذلك كانت مخلفات جمعة جمعة أ شرطة تسجيل قديمة بصوته ، كما جاء ذلك في مقتبس سابق  وتساءل فيه “أأكون امنيا وادونها ” ” وهل يتطلب السرد تدوينا امينا ام تدوينا مبتكرا ؟هذا السؤال عن الامانة في التدوين من عدمها هو ما يتيح فسحة الامل في الابتكار والتنويع السردي في رسم ابعاد الحكاية وانتقالها ما بين الذاتي الظرفي والذاتي الموضوعي وما بين الخاص والعام لتتشكل اللوحة بأبعادها الكاملة من دون ان تثلم صورة السرد في خاصها وعامها ،حيث لا يرتكز الكاتب على مدونات جمعة ولا على سرديات الشاعر فلاح لما مربه من حوادث مع جمعة او مع عائلته ، ولا يكترث  لسردياته الفيس بوكيه وانما يقف على الصورة في ابعادها الثلاثة ويرسم صورة المشهد الاني ، او الصورة الجمالية في الخطاب الفكري لمقصديات النص والتي تتجسد في المشهد الاتي ” خليفة الدهر يبكي ليل بغداد ، وتمثاله ، كأس خمر ، وبيت شعر حكمه الحجر ، بأس ما صنعوا ” ” الرواية- 65″.نعم يراوغ الكاتب في الفراغ الكامن بين سردية الشاعر فلاح وبين سرديات جمعة ، حيث تشكل هذه المراوغة الفنية ، الدرع الواقي للتخلخل الزمني في سرد الاحداث ويكون الخيط الرابط بين ازمنة الروي المتداخلة وازمنة الحدث الانية التي تشكل احداث مواجهات جيش الاحتلال مع جيش المهدي الركيزة الاساسية التي تنعكس فيما بعد بتعدد اعتقالات جمعة جمعة  ، الذي يتخلص منها بلغاته السبع التي يجيدها حين كان شخصا مهما في الزمن الماضي  ، وما عملية البحث عن شريط الكاسيت الفارغ الذي راح  المؤلف يبحث عنه ، الا هذه الفسحة الزمنية في ملء الفراغات الزمنية في النص السردي من خلال ضخ التفاصيل التي تشكل اطارا فكريا للنص السردي بصفة نصا مناهضا للاحتلال ومنتميا للأنسان الحر .حيث تشكل اضافات المؤلف السردية على مدونات جمعة وسردية فلاح عطر النص الخاص الذي يفوح من بين السطور ليكسبه المتعة والجدة والاثارة في الكتابة عن الظرف الاني ولو انه في مفتتح هذه الحكاية اشار الى  ” ضحكت على حالي عندما دار في خلدي أن أكتب لهذه الحرب كتيبا صغيرا اسميه –يوميات الحرب – فالبحث عن صبي مخبول كالبحث على ابرة في قش . غير اني صدقت كذبة الكتابة” ” الرواية –ص16″.نعم معظمنا صدق كذبة الكتابة ، ومارس تلك الكذبة ، ومعظمنا فكر في كتابة يوميات الحرب ، او وقائع من دفتر العدوان ، لكننا لم نمتلك الصبر والمطاولة لنواصل المشوار في كذبة بيضاء وتركنا الساحة للكذبة السياسية السوداء تتحكم بمصائرنا وتنهش  ايامنا ومستقبل اولادنا ، واني ارى صرختة التي اطلقها لاحقا ، هي صرخة الم ومرارة ، اذ ذكر ” اولاد عاهرات ، من يقبل بأحتلال بلاده ..؟”  “الرواية-ص70″.بعد هذا الكلام لا يوجد كلام اخر ، وهو وان اتى بصيغة حوار احتجاجي على سجان محتل للبلاد ، فان المؤلف حتى في تقديمه لهذه الافكار او الرؤى الرافضة للواقع الاني وللسابق ايضا ، فأنه يقدمها من خلال رؤى سردية تعتمد منظورا مختلفا لما هو سائد في الواقع من تفاصيل على الرغم من استثماره الأحداث التي جرت وتجري في مناطق مختلفة من البلاد فهي لا تختلف في تفاصيلها الحدثية ولا في ادواتها الاجرامية ، لذلك يقدم الكاتب تلك الكشوفات الجمالية برؤى شفافة بعيدة عن المباشرة او التبني المباشر لافكار ضد افكار اخرى وانما يمسك عصا السرد من الوسط محركا شخوصه في الاتجاهات التي تريد الذهاب صوبها،  وهو بهذا يرسم مشهده السردي بذهن مفتوح ورؤية صافية ونقية للاشياء المحيطة بالشخصيات من دون ان يكون هناك تعثر او ارباك فكري  ، بين راوي المخطوطة والسارد لحياة كاتبها ، والمؤلف السارد ، واذا كانت اللغة الشعرية التي تنثر في مقدمات المقاطع السردية او بين ثنايا السطور والتي قامت بتركيب الحكاية في طبقات روي ثلاثية ” ثلاثة ساردين” لكل سارد رؤيته ووجهة نظره ولغته في سرد الاحداث الا انهم اشتركوا في رؤية جمالية ارتكزت على حب الوطن .