عازف القانون سالم حسين . . مسيرة الثلاثينات مفعمة بالأغاني والقصائد
حيدر شاكر الحيدر
أحبتي القراء .. لست الأول ولا الأخير من سيكتب عن رموزنا الثقافية في الأدب والفن .. أنها رسالة تحملناها مستلهمين كتاباتنا ممن كتبوا وحللوا وقدموا لنا المعرفة على طبق من ذهب , وما علينا كباحثين إلا أن نكتب وجهة نظرنا ما بين نقل الإبداع وصناعته وتقديمه للقارئ ذاكرين أهمية هؤلاء بحياتنا الثقافية .. سالم حسين الأمير أستاذي لك الرحمة وأليك أكتب .
الراحل سالم حسين الأمير … من قضاء سوق الشيوخ والعكيكة والفرات ونخيله ولدت حكايته الإبداعية …
من أين ابتدأ وكيف سأنتهي بدراستي هذه وانأ أتحدث عن احد أساتذتي الذين ساهموا بتعليمي الموسيقى وفنونها ذلك الفن الذي ظل ملاصقاً لبني البشر مذ كان جنيناً في رحم امه , هكذا هي الموسيقى شأنا ام أبينا , تولد مع الحياة لتدخل القلوب دون استئذان وهذا ليس بقولي إنما قول المتصوفين إخوان الصفا عندما وجه لأحدهم سؤال من عامة الناس ليستفهم منهم عن الموسيقى ومعناها كانت الإجابة هي ان الموسيقى تدخل للنفس البشرية دون استئذان وعرفوا الآلة الموسيقية والموسيقى , وتفاصيل أخرى . أعود إلى حيث ابتدأت ومن اجله اكتب دراستي , سالم حسين الأمير ذلك الإنسان والفنان الذي تنوع بالإبداع وكثر عنده, هو الشاعر وهو المؤلف والملحن الموسيقي والباحث هو تلك الشخصية التي مثلت المعنى الحقيقي لشخصية الفنان الملتزم بفنه والحفاظ على أصالة وموروث بلده ليقدم ذلك التراث العراقي الخالد بصورته الوضاءة ,أعمالاً لا تعد ولا تحصى من الألحان والمؤلفات الموسيقية التي ما هي إلا امتداد لما تركه لنا مؤسسي الموسيقى العربية وعلميتها أمثال الفلاسفة الفارابي والأرموي والملا عثمان الموصلي وزرياب لتكون هذه الأسماء عناوين لمؤلفاته الموسيقية المستنبطة من عمق التأريخ .
سالم حسين (رحمه الله) حاله حال الأسماء الفنية الكبيرة التي أسعدتنا بانجازاتها الموسيقية أمثال محمد عبد الوهاب / فريد الأطرش / وعبد الحليم حافظ / القصبجي / وكمال الطويل حيث كانت الحانه لقصائد الشعر العمودي مثار جدل بين تلك القامات وأخص بالذكر احدى تلك القصائد “سائل العلياء عنا وألزمانا “للأخطل الصغير والتي غنتها الراحلة نرجس شوقي … كلام كثير وانجازات لهذه القامة من الصعب على أي باحث ان يعبر عن ماهية هذه الشخصية التي ولدت بتربة العراق وأية تربة وما أجملها ..
وكم مثل سالم حسين ولد بمدينتي / سوق الشيوخ مدينة الآباء والأجداد والوجوه التي اعجز عن وصفها سوق الشيوخ او سوق النواشي سوق العلم والأدب والمجالس التي يجد احدنا راحته وهو يتأمل تأريخاً خالداً لمدينة ما زالت معطاء بالخير والحب مستلهمةً ذلك من جذورها العريقة من عمق دورها بخارطة العراق السياسية والثقافية .. من سوق الشيوخ تلك المدينة انطلق الراحل سالم حسين من نخيلها وهوائها وماء فراتها العذب من تلك الجماليات التي منحها الله لهذه المدينة ,غرد سالم حسين عالياً بفنه وشخصيته التي هي احد العناصر المهمة بمسيرته الفنية الطويلة والتي بدأها بعقد الثلاثينات واستمرت حتى الأعوام ( 2011-2012 ) وهو لا يبخل شيئاً من كرمه الفني خدمةً للإنسانية وللذائقة التي تحب الموسيقى في شتى بقاع الأرض ..
محطات من حياة الفنان
1- بداية العقد الثالث من القرن العشرين كانت ولادته 1923 بمدينة سوق الشيوخ .
2- خريج دار المعلمين ببغداد في ثلاثينات القرن الماضي .
3- دخل معهد فنون الجميلة بغداد 1937 الدورة الثانية .
4- عين محاضرا في معهد الفنون عام 1945 أستاذاً لتعليم آلة القانون ومادتي التأريخ الموسيقي العربي والتراث الشعبي العراقي .
5- عمل في فرق موسيقية كثيرة منذ عقد الأربعينات وتحديداً في عام 1948 مع نخبة من فناني العراق أمثال احمد الخليل ومنير بشير وجميل بشير .
6- 1951 انظم لفرقة من الهواة والمحترفين هدفها تقديم النشاط الموسيقي في الجمعيات الخيرية كالهلال الأحمر والنوادي الاجتماعية لنشر الوعي الموسيقي مع زميله الملحن خزعل فاضل , وفي 1952 شارك بتأسيس فرقة أنوار الفن مع الراحل احمد الخليل ومنير بشير وناظم نعيم .
7- في 1957 انظم لفرقة التلفزيون .
8- من مؤسسي فرقة الخماسي الوتري .
9- انضم في العام 1959 لفرقة جمعية الموسيقيين العراقيين .
هذه بعض من كثير لنشاطات هذا الفنان بمجال العمل الموسيقي … ومن خلال تلك الفرق كانت إعماله التلحينية تتنوع بأصوات المطربين والمطربات .
ان قيادته لفرقة ناظم الغزالي التي مثلت خير تمثيل وتقديمها اعمال الراحل ناظم الغزالي داخل وخارج العراق وصورت معظم اعمال الراحل من قبل تلفزيون الكويت وكلنا نتذكر الراحل سالم حسين وهو يتوسط الفرقة الموسيقية التي ضمت عازفين عرب وعراقيين اثناء تسجيل تلك الأغاني اذكر منها (تصبح على خير وخايف عليها وما أريده الغلوبي) وهي اجمل اغاني ناظم الغزالي.
الاهمية الموسيقية
يعد الراحل سالم حسين الأمير اشراقة موسيقية عراقية وعربية حيث استطاع هذا الفنان مع أبناء جيله أمثال احمد الخليل وناظم نعيم وعباس جميل ان ينقل إبداع الملحن العراقي ومدرسته العراقية المطعمة بذلك الإرث الكبير من الغناء وقوالبه وأشكاله المعروفة وإيقاعاته إضافة إلى تلك الثقافة المتأثرة بالمدرسة المصرية لتلك الأجيال ومن أتى بعدها .. لقد نقل سالم حسين أسلوب الملحن العراقي المثقف الأكاديمي بأصوات عربية كثيرة مطربين ومطربات إضافة للأصوات العراقية بل ذهب ابعد من ذلك حيث توطدت علاقاته مع كبار الملحنين العرب أمثال محمد عبد الوهاب وام كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم وكمال الطويل والموحي والقصبجي وآخرون ومن الملحنين الخليجيين أمثال عوض دوخي وصالح عبد الحي الخ … لم يكتفي سالم حسين بنقل الحانه وموسيقاه للعالم العربي بل تجده يضع علميته الموسيقية من خلال تأليفه مصادر مهمة للمكتبة العراقية والعربية حيث ألف كتب تعد منهجية لدراسة الفن الموسيقي منها دراسة عن آلة القانون ودراسة عن السلالم الشرقية العربية والموسيقى والإنشاد في الأديان إضافة لبحثه عن الملا عثمان الموصلي والموسيقى والغناء ببلاد الرافدين …إضافة لإلقائه الكثير من المحاضرات الموسيقية داخل وخارج العراق وباعتقادي إن سالم حسين استفاد كثيراً من تجربته الفنية الكبيرة حيث كان متجدداً مع الفن والحياة الموسيقية حتى سني عمره الأخير فهو ذلك الفنان الذي ينطبق عليه القول انه كلما تقدم العمر بالفنان كلما زاد إبداعه وأصبحت مدرسته مثالاً يقتدي بها جيل بعد جيل ، وما تبقى لابد من ذكر معلومة يعلم بها من تابع الغناء العراقي بتراثه الحي ان سالم حسين حينما كان يريد اعداد أغنية مسموعة نراه يقوم بتلحينها لحناً آخر على سبيل المثال اغنية ( فوك النخل لفؤاد سالم وللناصرية لأسماعيل شبانه ) هنا تكمن رؤية هذا الفنان وأمكانيته التلحينية ..
سالم حسين والحان خالدة عراقياً وعربياً.. تشير المصادر إن الراحل سالم حسين وكما هو معلوم ممن يعرف سالم حسين إن لديه إمكانية الشعر واللحن فالكثير من الإعمال الغنائية التي لحنت كانت من كلماته .. التأريخ يحدثنا انه في الثلاثينات نظم الشعر ولحنه وهو لم يزل طالباً ومن تلك الأبيات التي يذكرها سالم حسين : ( يا طيور الروض غني بالنشيد وأرسلي الألحان في ألواد السعيد ) وأصبحت تلك الأبيات عنوان لنشيد يقدم في المدرسة التي كان سالم حسين يتلقى تعليمه بها … أما عربياً أمثال سعاد محمد وإسماعيل شبانه شقيق عبد الحليم حافظ ودلال شمالي ومها الجابري ونرجس شوقي وفاء بغدادي ووديع الصافي وفايدة كامل .. المتابع للغناء العربي والعراقي لا يمكن له نسيان ذلك اللحن الخالد الذي غنته المطربة العربية سعاد محمد وهو كتب كلماتها 🙁 يا ساكن بدير تنه شلون وياك روح عني يا حلو الطول أترجاك ) والذي هو من مقام الكرد . اما الأغنية التي غناها الراحل ناصر حكيم ( بشبابي وارد افديج عيني السمرة ) فهي بصمة للغناء الريفي بنكهة متجددة طابعها الفرح والبهجة حيث اختار ذلك الإيقاع العراقي المقسوم والذي لحنت مئات الأغاني العراقية حيث كان هذا الإيقاع حاضرا بنسيجها اللحني ثم نذهب إلى أغنية ( نازل يا قطار الشوك ) التي كتب كلماتها الشاعر العراقي الكبير حامد ألعبيدي (اطال الله من عمره) وغناها المطرب الكبير إسماعيل شبانه في ستينات القرن العشرين ، ثم غناها بغير لحن المطرب الريفي عبد الزهرة مناتي وهي من الحان عبد الجبار الدراجي ومن ثم إعداده أغنية ( للناصرية ) لنفس المطرب اسماعيل شبانه. أعمال يعجز عن إحصائها , لقد ذكرت بعض المصادر ان أغنية ( ما أريده الغلوبي ) للراحل ناظم الغزالي هي من الحان سالم حسين لكن هذه المعلومة غير دقيقة كون الأغنية من الحان الراحل جميل بشير وكلمات جبوري النجار إلا إن سالم حسين علاقته بناظم الغزالي معروفة لدى المتابع والمشاهد العراقي من خلال ما قدم من إعمال درامية وأفلام سينمائية تذكرنا بتلك العلاقة الوطيدة ولكي لا نذهب بعيداً كلنا نتذكر أغنية الراحل فؤاد سالم ( يا سوار الذهب ) والتي هي من الحان سالم حسين وهو من سماه (فؤاد) … حيث ان اسم فؤاد الحقيقي فالح حسن ووجد ان اسم فالح لا يصلح فنياً فسماه فؤاد سالم وكذلك غادة سالم هو من أطلق عليها هذا الأس ماذا ما علمنا إن اسمها الحقيقي (حليمة) . ان عطاء سالم حسين هو بقدر عمره الزمني الذي كرسه للبحث عن موسيقى الأجداد وسلالمهم الموسيقية فتعمق بدراسة السلالم العربية الكبيرة كالرست والبيات وكانت السلالم العربية حاضرة بجلسات أهل الفن في العراق ومصر مع كبار مؤسسي المدرسة التطريبية الشرقية لمحمد القصبجي في صالونه بمصر حيث يلتقي كبار الفنانين من موسيقيين وممثلين ومثقفي مصر الكبار .. ان الملاحظ على الحان سالم حسين هو اختياره مقامات سهلة والسبب هو وصول تلك المقامات الى اذن المستمع العربي والعراقي كالكرد والنهاوند والعجم والحجاز . سالم حسين علم يرفرف في دنيا ..الثقافة الموسيقية العراقية لكتابة عن الأعلام هي بحد ذاتها ثقافة لمن يريد ان يجهد نفسه في الكتابة عنهم ويتعمق بما قدموه لنا من ارث يضاف لمورثنا الغني بأسمائه وانجاز تلك الأسماء والتي ستظل تتحدث عنها كل حسب رؤيته لهذه القامة او تلك ألا إن الهدف واحد هو الوفاء والإعجاب بهؤلاء اللذين نذروا أنفسهم خدمةً لأبناء مجتمعاتهم.. فقد كان الراحل كريماً بكل شيء في الحياة العامة مع الأصدقاء وكريم بفنه لكل من عرفه أينما وجد … وكانت الأوساط الفنية والثقافية قد نعت نهاية شهر آب المنصرم الموسيقار العراقي سالم حسين الأمير الذي توفي عن عمر ناهز الـ92 بعد أن أدخِل أحد المستشفيات البلجيكية بسبب أمراض قلبية مزمنة.
























