للكرسي تجليات .. فكرة أدبية
هل توجد فروق بين السلطة والحدائق العامة؟
قاسم المعمار
شيء جميل مفرح قابل للتلقي … مبعث على الارتياح والتأمل والمتمتع النفسي والعقلي لمفارقات الحياة المتناقضة في متاهات اللهث وراء الارتماء البائس والعنجهية المفرطة التي لاتشبع ولا تغني ، تلك العينات الادبية الرفيعة المحل لها بصماتها في هرشفة الذات الانسانية يكون نتاجها المرئي والمقروء والمسموع زاخراً للحياة .
اليوم يقع بين اناملي وانا المتصفح لأهداء صديق العمر الاديب جمال الأسدي الموسوم بـ (الكرسي وتجلياته) قد تبدو التسمية غريبة لكنها بعد التمعن والتعمق بالمفهوم الفلسفي لما يكنه هكذا عنوان زاهد يأخذنا عبر ضفاف شواطئ ومنتجعات فكرية أدبية هي مأثورات ما كتب عن هذا الجامد الشاخص العجيب الغريب .. من اقلام مرموقة الدهاء والمعروفة في عالم الكلمة … اسهابات معقولة فلسفية التحليل والاستهواء والمنطق في تضاربات تضاريسية نفسية شططية الرغبة والتعلق والتملق .. كتبوا في اكثر من (25) مقالاً ومقاماً ضمها ها المطبوع الفاره العميق في اغواره وسعة حبكته من آهات الزمن وقسوة الحياة وطبشرة ما اريد لهذا (الكرسي) المستهدف من ايحاءات مظهرية كريهة هو اصلاً بعيداً عنها كونه العاجز عن فقهها والرد عليها … ساكناً ذليلاً .. متحملاً .. صابراً ، ولا اعني به من جماعة ابو صابر المعهودة امامنا ايام العسكرية في حله وترحاله وتحمله وجَلَدَه بكراهية الانسان … هنا لا اقيس او اقارن بينهما الا بفارق واحد، الأول جامد والثاني فيه حياة نابض يمكنه الصرخة .
نعم اخي الأسدي هو الفالح بمحبة مطالعيه وتزايدهم حتى غدا به الشوق والأمل لأعادة طبع هذه الاطلالة الوهاجة ، نستشعر معاً روعة ما حملته تلك الاقلام الفذة في تجليات “الكرسي” كانت مقدمتها مزهوة لأستاذنا المؤلف حينما راح ينشدنا بسليقته الأدبية المعهودة (ايها الكرسي) في مباشرة أدبية رائعة … بدأها …
{ قل لي ايها الكرسي اين اولئك الذين رفعت اثقالهم عن الأرض؟
{ الى أي المصادر انتهوا؟
{ الكرسي حظه الشيء انه يعرف الناس من مؤخراتهم..
{ ظلموا اصله النبيل فجعلوه رمزاً للطغاة .
{ الكرسي اكثر نبلاً لا يغتاب كراسي اخرى او يشي بها ..
{ اغلب الكراسي تقدم عن طيب خاطر الراحة لجسد منهك .
{ كراسي السلطة ليست اقل نبلاً من كراسي الحدائق العامة.. لكن حملة هذه الكراسي ومحموليها هم الذين يسيئون الى براءة الخشبة.
ولنا اختياراتنا الموضوعية الهدف في اقتطاف ما كتبته بشرى ناصر في مقالها (من عرش الرحمن الى كرسي الشيطان) بالقول .. (فالكراسي لا تمثل الا ارتباطاً مباشراً بالملوك وهذا ما يؤكده ابن منظور … فالعرش سرير الملك كما يدلل على ذلك عرش ملكة سبأ ، اذ تشير الآية (45 من سورة الحج) الى هذا السياق (فكأين من قرية اهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها) .
ولم يأت الخطاب القرآني على ذكر(الكرسي) لصورته هذه التي نعرفها وجمعها كراسي الا في آيتين منفصلتين من سورة البقرة والمعروفة بآية الكرسي (ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض) … ومرة اخرى ككرسي للملك عبر (الآية 34 من سورة ص) بقوله تعالى (ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسداً ثم أناب) .
كرسي سليمان الذي جعل من عاج مطلي بالذهب يصعد اليه بست درجات فيما يعتلي على مسند ايدي الكرسي اسدان ، بينما توزع اثنا عشر اسداً على الدرجات الست من هنا وهنالك.
ثم يورد لنا الباحث الكريم الأسدي في مورد خالد النبوي تفسيراً تداخلياً لما ورد في كلمة (الكرسي) والعرش في القرآن الكريم بقوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) و (وسع كرسيه السموات والارض) ، فيما ارتبطت هذه بالرؤساء والملوك ورؤساء الوزارات في العالم كان معناها (الحكم) واذا ارتبطت بالرؤساء في العالم العربي كان معناها (التحكم) واذا ارتبطت باستاذ الجامعة كان معناها (كرسي العلم) اذ يطلق (استاذ كرسي) على مدرس الجامعة لمنزلته العلمية .
اما عبد الودود العمراني فله خاصية نظرية لمفهوم (الكرسي) في مقالته البابا والامبراطور كرسيان فوق رعية واحدة .. بعد ان تميز العصر الوسيط الاوربي بالسلطة المطلقة للبابا زعيم الكنيسة الرومانية وبالسلطة المطلقة للأمبراطور وان شرعيتهما تستمدان من القضاء والقدر الالهي .
ويقول الدكتور ابراهيم اسماعيل ان اسم (الكرسي) ارتبط في اذهان الناس بالاستبداد والاستعباد الذي هو اصل لكل داء . فلقد اخترع في الولايات المتحدة الامريكية طريقة لتنفيذ حكم الاعدام سمين بـ(الكرسي الكهربائي) نكاية بالكرسي ومن يحبه.
وعلى العكس من هذه الصورة تجلت النقيض لها مضيئة للكرسي وهي الدرجة العلمية المشهورة التي تسمى بـ(استاذ الكرسي) وهذه الدرجة وجدت اول ما وجدت بجامعة الأزهر في مصر وهي اسمى واعلى الدرجات العلمية ..مشيراً الى قول الشعراوي في تفسير (الكرسي) هو بالنسبة لله تعالى السلطان والقهر والغلبة والقدرة .
فيما يأخذنا الباحث هنا الى التصور الذاتي للأستاذ شريف الصيفي (للكرسي) حينما يقول : اجمعت كل المصادر التي أرّخَتْ لصناعة الآثاث على ان (الكرسي) ابتكار مصري صميم. فقد كان اول ظهور للكرسي ذي المسند والأربعة قوائم في عصر الدولة القديمة أي حوالي الفين وخمسمائة ق.م ، حيث كان الملك حين يتقدم به السن يشرك ابنه في الجلوس على العرش . الكرسي والجلوس عليه تعبير عن المكانة والقوة والسلطان وقد نالت الملكات وزوجات كبار الموظفين والكهنة هذه المكانة ، فقد صورن جالسات بجانب ازواجهن على واجهات المقابر .
ومن التجليات الجميلة التي يوردها لنا الاستاذ جمال الاسدي في مخصوصية الكرسي منها ما يتعلق بتلك الصور الرومانسية والخيالية لجلسات هذا الصاحب المتزامن ليل نهار .. فها هي نهى محمود تشكف لنا من بواطيها بالقول (هناك كرسي خشبي يلمسنى مثل حبيب… يحتويني كل ساعات التأمل ويحقق الدفء لروحي).
فيما يترنم امجد ناصر بشاعريته وأدبه الجم لغة ومفهوماً عبر قصيدتا نثر وشذرات جاء في خاتمتها ..
{ قلي لي أي نوع من الكراسي تحب أقل لك من انت؟
{ لايحب الثقلاء .
{ ذلك الذي يرخي عليه المطرزون بالنياشين مؤخراتهم الكبيرة.
{ ظلموا اصله النبيل فجعلوه رمزاً للطغاة شاءوا أم ابوا!… هذا النوع من الكراسي لايدوم .
وعبر سفر من التوقفات التأملية لما اجادت به اقلام ادباء آخرين في موضوعة الكرسي وتجلياته تضاف الينا اسماء ابراهيم اصلان في مقعد هزاز تحت الاقامة الجبرية ومنبر ابي وممبر امي لـ (رؤوف سعد) وما قاله الكرسي للمقعد بمقدمة الأديب بلال فضل (هل يحن كرسي الحكم الى مقعدة الحاكم المخلوع؟ هل تحن هي بدورها اليه؟ ذلك سر لا يعلمه الا الاثنان . ويقول حزامة حبايب ان القراءة التاريخية العتيدة تقول ان اختراع الكرسي انتشل الناس من العالم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي). وفي مقالة ملحمة المقاعد يقول الدكتور مرزوق بشير مرزوق .. ان مقعد المدرسة هو اول مقعد رسمي خصصته الدولة لي ، فما كان المقعد الثاني الرسمي هو المقعد الوظيفي بعدها .
بدأت رحلة اخرى من ملحمة المقاعد تعرفت من خلالها بالمرتشين والغشاشين وشهود الزور وسماسرة الاخلاق والمنافقين ، كما تعرفت بالمقابل بالمخلصين والحريصين والمواجهين للفساد والصادقين .
حريٌ بي ان اكون سعيداً وانا استمتع بمطالعة اهداء صديقي الأديب جمال الاسدي رعاه الله لأحدى اشراقاته الفكرية الجميلة في عنونة (الكرسي وتجلياته) التي اعادتني للماضي الجميل ابان الستينات وشغف مطالعاتنا لما تحملة لنا سلسلة الهلال والحبيب والكلمة من موضوعا لمست شغاف قلوبنا ومتعة عقولنا حينما نقرأ تجليات وآراء ومتابعات في (المودرن العربي) وفي (بناء الشخصية في اكساء الرأس) من العقال والعمائم والفيَنْ والطرابيش والسدارة .
وخير ما قيل فيه نمنمات زميلنا الاعلامي عبد الأمير المجر حينما قال.. اننا على يقين من ان جهد الأسدي وأمثاله ممن يخدمون هذا الشعب هم الامل الحقيقي بالخلاص النهائي من محنة طالت اكثر مما يجب ، لأن الخلاص الحقيقي يصنعه العلماء مثلما يصنعه المثقفون والسياسيون بالتأكيد .. عندما يسيرون على هدى العلماء والمثقفين الحقيقيين معاً … وأنا اشد على يد المجر تفاؤلاً طيباً لنبض الوطن والأمة الأوفياء الصـــادقين الذين لم ولن تلهيهم تجارة الحياة .
المؤلف في سطور :
{ جمال الأسدي ، استاذ كيمياء ، خريج جامعة بغداد ، محرر صحفي مارس الاعلام .
{ حاصل على العديد من الشهادات التقديرية وكتب الشكر .
{ من مؤلفاته :-
1- من ثمرات القراءة .
2- الوعي والادراك والتاريخ .
3- حوارات في الثقافة والفلسفة .
4- اثباتات علمية .
5- طيف الاقصاص الذري .
6- اساسيات في الكيمياء .
7- الكرسي وتجلياته .
{ عمل في الصحف المحلية منذ السبعينات في الحقول الثقافية والفلسفية والاجتماعية وعلم النفس .
{ له حضور متواصل في الحلقات الدراسية والمؤتمرات .



















