على أمل أن نعيش في صراع الحب والحرب.. سنوات عالقة بالبركان
يوسف عبود جويعد
عام 2006 من أصعب الحقب الزمنية التي مرت على الشعب العراقي، كون نار الطائفية وفتنتها أشتعل فتيلها، وفيها رسمت هذه الطائفية المقيتة حدودها بين المدن والقرى والأحياء في بغداد وفي بقية المحافظات، فتلك المدينة تعود للطائفة السنية، وتلك للطائفة الشيعية، وتفننت طرق الاغتيالات والخطف والقتل، القتل على الهوية، وانتشر رجال ملثمون مهمتهم القتل، وكذلك في هذا العام اشتدت المواجهة المسلحة بين المحتلين الأمريكان والرجال الذين لا يرضون لأرضهم أن يدنّسها محتل أجنبي، وكذلك في هذا العام حدثت أعمال قتل وخطف لرموز البلد من العلماء، ورجال الصحافة، وأساتذة الجامعات، وظهرت مناطق كان الطريق فيها آمناً، إلا أنها فجأة صارت ثالوث الموت والخطر، وحدثت حالة من حالات الفوضى، إذ أن السماء تمطر رصاصاً منصهراً، بسبب الإطلاقات النارية المنبعثة من كل أنواع الأسلحة أثر المواجهة المسلحة، بين الأمريكان والمقاومة من جهة ، وبين الفئات الأخرى داخل المدينة الواحدة أو المحافظة الواحدة، حتى أضحت الحياة في الداخل تنذر بشبح الموت، وأن الإنسان فيه إذا خرج من بيته وعاد سليماً، يحمد الله على سلامته، في هذه الظروف القلقة الكئيبة ينسج الروائي فوزي الهنداوي خيوط روايته ( على أمل أن نعيش ) وهي من إصدارات دار ميزوبومياتا للطباعة والنشر والتوزيع عام 2014، دعينا ننسى ما مضى، ونبدأ من جديد، نحن لم نعش أبداً، نحن على أمل أن نعيش (فولتير)، عبر هذا المدخل الذي يتضح من خلاله، أن الروائي يفتح لنا ضلفتي باب وعلى مصراعيه لنولج في هذا الزمن الصعب، وقد أجاد في اختزال ونقل هذا العالم المرعب بكل تفاصيله ودقائق الجزئيات فيه، حيث يقودنا بطل الرواية الأستاذ الجامعي والإعلامي والذي كانت حياته على كف عفريت، أثر التصفيات بالقتل التي حدثت لأساتذة الجامعات والصحفيين والإعلاميين ( خوفي من التعرض للقتل بسبب عملي في الصحافة تفاقم أكثر، حينما كنت في سيارة أجرة عائداً من مبنى الجريدة في الكرادة إلى المنزل، حيث رأيت جثة مرمية في شارع مجمع المشن، دار على أثر ذلك حوار مع سائق سيارة الأجرة عن سبب قتل الرجال ، قال السائق:
– تراه قد يكون غنياً أو صحفياً أو من أتباع النظام السابق ) ص12
وبالرغم من قلة عدد صفحات الرواية، إلا أنه استطاع أن يحوي تلك الحقبة ويقدمها كنسيج روائي متماسك خال من الوصف الزائد، أو التفاصيل التي لا تخدم المبنى السردي، ولا تقوي أو تشد حركة السرد، وهو جاد في إظهار معالم الفكرة الإنسانية ، والخطاب الأدبي ، والأنساق المضمرة للخطاب الثقافي، كونه استطاع أن يزجّنا في أحداث عاطفية رومانسية حالمة مشوقة ممتعة، وسط هذا البركان الهائج من الصراع، وتحت وابل الرصاص المتطاير في كل مكان، ووسط شبح الموت الذي خيم على أرجاء البلد، وقد ظهرت تلك العلاقة الحميمية بين أستاذ مازن والطالبة الجامعية هوازن، إلا أن الحبكة الروائية احتدت ونسجت خيوطها كون الأستاذ من الطائفة الشيعية في بغداد، والطالبة هوازن من الطائفة السنية وتسكن محافظة الأنبار، وكما هو معروف لدى الجميع وفي ظل تلك الظروف حينذاك، كان أمر الارتباط والزواج شبه مستحيل، وقد كان الدوام داخل الكلية غير منتظم بسبب الأوضاع الأمنية، وبالكاد وبشق الأنفس انتهت الدراسة لذلك العام، وكانت هوازن في محافظة الأنبار عندما أعلنت النتائج ( بدأ المقرر بقراءة أسماء الطلبة كما هي مثبتة في أوراق النتائج، بعد تسعة أسماء نادى المقرر على هوازن التي لم تكن موجودة طبعاً، خفق قلبي حين سماع اسمها، تذكرت بيت الشعر الشعبي الذي يقول:
ريت الله لا ينطيك
يل صحت باسمه
فر فرّة العصفور
كلبي شيلزمة
قلت للمقرر :
– أعطني نتيجة هوازن هذه ابنة الجيران أنا أسلمها لها، ) ص 58
وتزداد تلك العلاقة العاطفية النبيلة التي تشبه شجرة خضراء وارفة الظلال نبتت في أرض لا تصلح للزراعة، إلا أن الروائي كان يراهن ومن خلال الثيمة السردية وحركة الأحداث السردية في المبنى السردي للرواية، أن الحب هو الحل الأمثل لإعادة الحياة الآمنة في البلد، وعليه فأنه قرر أن يحارب الطائفية المقيتة بالحب، ودارت محاورة جميلة بين أستاذ مازن الرجل المثقف، والطالبة هوازن الواعية التي تعلمت منه الكثير، في كيفية الفوز والانتصار بتلك العلاقة السامية النبيلة، ويتدخل أستاذ عبد الرزاق الذي كان مهاجراً خارج البلد بسبب الأوضاع الأمنية وهو من عشيرة الكبيسة التي تسكن محافظة الأنبار، ويتعاون الأستاذ مع هوازن في مواجهة هي أشبه بحرب السلام والحب، ضد الجهل والوحشية، أن الروائي فوزي الهنداوي يعتبر الحوار داخل النص السردي حالة مهمة، وهو يوليه اهتمام كبير، إذ شكّل الحوار داخل متن النص عامل مساعد ومهم لتحريك الأحداث نحو تصاعدها وتواترها وتناميها وحتى احتدامها وبلوغها درجة الذروة، وهكذا فإن أستاذ مازن والطالبة هوازن، انبريا ليواجها هذا الوضع المزري الكئيب، وسلاحهما الحب، وخطّطا بكل وعي من اجل كسب المعركة، حيث اتفقا معاً على أن تقوم هوازن بإحضار والدها إلى بغداد بحجة استلام نتيجة الدراسة، بينما يقوم أستاذ مازن بإحضار أستاذ عبد الرزاق ليلتقي مع والد هوازن صدفة، تمهيداً لطلب يدها للزواج، وهكذا نجحت الخطة واستطاعا إقناع والدها وكذلك والدتها بهذا الارتباط المقدس، هذه العلاقة العاطفية، وحالة الحب التي نشأت بين الأستاذ والطالبة، كانت تترعرع في ظلّ ظروف قاسية ومؤلمة ومخيفة ومرعبة، وقد استطاع الروائي أن يقدم للمتلقي تنامي هذا الحب واشتداد الحرب ونقلهما معاً كحياة واحدة غير منفصلة، وفي ظهر الغلاف يستل الروائي فوزي الهنداوي مقولة من رواية (ذاكرة الجسد ) لأحلام مستغانمي ( لا أصعب من أن تبدأ الكتابة ، في العمر الذي يكون فيه الآخرون قد انتهوا من قول كل شيء … الكتابة ما بعد الخمسين لأول مرة .. شيء شهواني وجنوني شبيه بعودة المراهقة .. شيء مثير وأحمق شبيه بعلاقة حب بين رجل في سن اليأس، وريشة حبر بكر الأول مرتبك وعلى عجل .. والثانية عذراء لا يرويها حبر العالم ! سأعتبر إذن ما كتبته حتى الآن، مجرد استعداد للكتابة فقط، وفائض شهوة .. لهذه الأوراق التي حلمت منذ سنين بملئها .. ربما غداً أبدأ الكتابة حقاً .. ).
أن رواية ( على أمل أن نعيش ) للروائي فوزي الهنداوي، تحيلنا إلى الحياة الطبيعية، وتذكرنا بتلك العلاقة الإنسانية النبيلة، العلاقة العاطفية التي تشبه حياة الأمن والسلام، إلا أنه جعلها داخل هذه الرواية صراع يواجه فيه حالة الفوضى في حياتنا، كما أنه يقدم لنا بهيئتها الطبيعية والصحيحة في صناعة الرواية، أي أنه يقدم لنا رواية بأحداثها، يقدم لنا بنية نص لا يقبل تدخل من الروائي، نعيش أحداثها بكلّ تفاصيلها دون زيادة أو ترهل أو وصف زائد، أو بصمة للروائي داخلها.



















