الساعدي يروي حكاية ابنة كوجو: فرصة للإنطلاق نحو الحرية

الساعدي يروي حكاية ابنة كوجو: فرصة للإنطلاق نحو الحرية

عبد الصاحب محمد البطيحي

ينبري القصاصُ عبد الكريم الساعدي بمنحِ قصةٍ قصيرةٍ تروي حكايةَ ” ابنة  كوجو ” التي  تبيّنُ واقعَ الإنسانِ الأزلي في اضطرامِ الصراعِ المستديمِ بين عنصري الخيرِ والشرِ. هذا الصراعُ  يبرزُ في اكثر من مظهرٍ واحدٍ، فهو حين  يتخذُ دواخلَ النفسِ البشريةِ مساحةً  له يظهرُ أيضاً في  تحكمِه في المساراتِ السلوكيةِ التي تؤثرُ غلى العلاقاتِ الاجتماعيةِ.

ان اكثرَ ما يشغلُ البالَ تسيّدُ عنصري الخير والشر . يتمثلُ العنصرُ الأولُ بميلِ الناسِ ، عموماً ، الى جانبِ الوداعةِ والعيشِ الهادئ والارتقاء ، في حين يتلبسُ الشرُ طبيعةً شرسةً عدوانيةً منفلتةً غارقةً  في الأنانيةِ ، تقطعُ ايَّ تواشجٍ  يربطها  بمجتمعها الراهنِ ، فترقدُ كابوساً  يثقلُ صدورَ الناسِ ، تغدو هاجساً يغورُ في عمقِ دواخلِ النفسِ التي تظلُّ  في شكٍ من الزمنِ القادمِ .  ينحى القصاصُ عبد الكريم الساعدي الى توظيفِ أدواتهِ التقنيةِ لكشفِ جوانبِ الموقفِ الإنساني عبر تناولِه موضوعتي الخوفِ والخطرِ ، وكذلك موضوعةِ التوجسِ التي تتضح ُ جلياً في المقطع التالي :

“رأيتُ أبي قلقاً على غيرِ عادتِه  ، أهمسُ بحنانٍ :

 أبي ما الذي يحزنك؟

كابوسٌ قضَّ مضجعي ، رأيتُ أسراباً من الجرادِ غزت حقولَ كوجو حتى غدت أرضاً جرداءَ تنزفُ دماً .”

يأخذنا هذا المقطع الى شكسبير في رائعتِه  ” يوليوس قيصر “حيث وظّفَ الحلمَ هاجساً ونذيراً نابعاً من حالةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ غيرِ مستقرةِ ، موحياً باحتمالاتِ ما سيحدثُ   .

ان الخوفَ شعورٌ اختياري نابعٌ من التصورِ بَيد ان الخطرَ أمرٌ حقيقي نابعٌ من عالمٍ خارجي .وما دام الخوف يعبّرُ عن ردّةِ  فعلٍ إزاءَ مظهرٍ خارجي  فانه  يتخذُ شكلاً معيناً قد يكونُ  سلبياً مدمراً  أ و ايجابيا مثمراً يحدده الراوي وفقَ  تخطيطِ مشروعِه في الروي . هنا اختارَ القصاصُ ان يقدمَ  للقارئ المفترضِ انموذجاً يخضعُ  حالةَ الشعورِ بالخوفِ  ، وهو يعايشُ الخطرَ، الى حافزٍ يستفزُ قواه الكامنة  للوصولِ الى حلولٍ قمينةٍ بتحقيقٍ  الهدفِ المرجو. وهذا ما نلاحظه  في مشهدِ الأسرِ إذ قالت احدى الأسيرات وهي تخاطبُ ابنةَ كوجو :

” علينا أن ننجوَ من أجلِ كوجو .”

وعن شكوكِها  قالت :

” لا عليكِ ، سوى أن  تحطمي أسوارَ الخوفِ في أعماقِك وتستحضري صورَ المأساةِ .”

 وعن  الحريةِ أضافت القولَ :

“أنتِ الآن حرةٌ لأنك خلعتِ أثوابَ الخوفِ وتعلقتِ بالعالمِ اللامرئي .” .

إذن  الخشيةُ من ديمومةِ عبوديةٍ  ترافقُها ممارسةُ طقوسٍ وحشيةٍ  دامت طوالَ عامٍ ونصف قد كوّنت الحافزَ المادي والذهني  لتقبّلَ  فكرةٍ هي لحمةٌ من نسيجٍ  احتدمَ  فيه العامُ  بالخاصِ ، فالرغبةُ  في النجاةِ لا تنمو من اجلِ مجرد تحررٍ فردي انما هي أيضا من أجل  ” كوجو” .. .كوجو، القريةُ التي ترقدُ  في ” وادٍ محاطٍ بالجبالِ ، وتلال مليئة بالأشجار والزهور  حيث ترعى أحلامها البريئة ، وترسم مع فارسها قلبين نقيين على شجرة تين .”

لِمَ لا تمثل القرية الصغيرة  “كوجو”، أيضاً ، مساحةً اكثر إتساعاً ، باتساع الوطن الأم أو العالم مثلاً  !

وعلى قدر ما يتناولُ القصاص ثيمة التجردِ من الخوفِ كفرضٍ للانطلاقِ نحو التحررِ فهو لا يكتفي بنقلِ هذه المعلومة الى المتلقي حسب انما يصرّحُ بأن عزيمةَ التحرر ينبغي ان  تقابلها، كعاملٍ  مكافـئ، عزيمةُ  تقبّلِ  المخاطرِ  . لنقرأ هذا المقتطــــف :

” أنظري ، لقد بانت تلالُ الأملِ . .

تعانقنا ، تعصفُ بي رياحُ  اللهفةِ  لرؤية شمس الله ، إلاّ  ان آخر لغم أرضي على حافة التل يلتهم جســــدي . “

هنا يكتفي الراوي بسرد الحكاية بيد انه يعلّق ُعلى ذلك مُشيراً ، على نحوٍ رومانسي ،  الى الأملِ المرجو من هذه التجربة :

” أتطايرُ في الفضاءِ ، أتناثرُ كحباتِ المطرِ أمام رفيقتي ، أتشكلُ زهرةً بيضاء في حقلِ كوجو   لأوصدَ بدمي آخرَ أبوابِ الخرابِ وأوقدَ قنديلَ أمي .”