نظرية الفناء الثقافي
هكذا انتظمت كلمات هذه العبارة، فجاءت بهذا التركيب الذي وضع عنوانا ، في طياته أفكار جمة ، وكنت قد تناولته مسبقا ، ولكن بأطراف حديث مختلفة، فلم تنضب ثرائية تلقينه ، ولا مايوحي به إليَّ من أفكار ، وهاهو يعود ثانية ليطرح نفسه على مائدة الكتابة موضوعا ملحا ، وكأني بالقاريء الظريف (جحا) ، يتهكم علي بعبارته المعروفة : لقد أكثرت علينا تكهناتك ولا ندري عم تريد أن تتحدث ياهذا، قل لنا موضوعك قبل أن أتطفل وأدخل على خطك الكتابي ، كما يدخل الفيروس الذي يعبث بكل شيء ، دون أن تراهُ أعيننا ، فأقول نزولا عند إرادة جحا وغير جحا : الموضوع يخص المغيبين ولكن من وجهة نظر أخرى ، ففي هذا الموضوع وضع مخدر ما مفاده : أن العظيم من الشعراء والكتاب والفنانين وغيرهم من رموز الأمة ورجالاتها ، هو من غيب في حاضره ، واشتهر بعد موته ، حتى تحولت هذه الفكرة الى لعق على الألسن ، وتحول كذلك هذا المفهوم من فكرة احتكارية كان يمارسها القدر السيئ ومن لف لفه على المبدعين ، إلى فكرة مزينة الوجه ومزوقته تحمل في طياتها أملا سقيما لمن خذله الحاضر ، كما أنها تسمح لينضم تحت طياتها كل من هب ودب ، منتظرا حسم مصيره في المستقبل ، وفي هذا المعنى تم تعميم الخاص على العام ،وغير الممكن على الممكن، وليس العكس ، والفكرة بتوضيح آخر ، أننا عندما رأينا أن التاريخ كفّر عن ذنبه أمام( السياب) ، ونازك الملائكة ، ومن قبلهم المتنبي ، وعنترة بن شداد و000الخ من الأدباء والرموز الذين غيبوا في حاضرهم ، أو رحلوا عن أوطانهم ظلما وجورا ، أو نُسبت إليهم التهم الباطلة بقصد إزاحتهم عن هالة (النجومية) واستبدالهم بنسخ مزيفة من هنا وهناك 00 أقول صرنا نطبل لقاعدة بائسة تشج رؤوسنا قبل أن تشج رؤوس ضحايانا المغيبين! مايتردد في هذه القاعدة من قول : هو أن الشاعر، أو الأديب ، أو الفنان الذي غُيب في حاضره سيكون له مستقبل زاهر بعد رحيله ، وكأن الرحيل هو شرط أساسي للتخليد ، ولو تأملنا هذه الفكرة لوجدناها فكرة بائسة تقوم على (تعديم الفرد) ، وتوبيخ التاريخ ، وتوبيخ من روج لفكرة أن الأدب العظيم ، لابد أن يذوق مرارة تغييب الحاضر، فينتج شهرته بعد حين ،في مستقبل يتيم يندب الرجل الراحل ، أنه عذر أكثر قبحا من فعل لايقل عنه قباحة ، وهذا مانبهني من خلال مرصد ( ر-ش- مصدرا ومرجعا ، وباحثا ) إلى معنى ( نظرية الفناء الثقافي) ، فأصبح لدينا معيار قاس ومتغطرس يرفض شبابية العبقرية ، ويؤمن بهرمها وأهمية مابعد رحيلها بحجة( التجربة المتراكمة) ، ويرفض كذلك حياة العظمة ، فالعظيم ميت نحتفل بذكراه ونبكي ونستبكي عليه ، ولو ظهر بين ظهرانينا لأذقناه الأمرين ، ولما اقتنعنا أنه هو هكذا على الصورة الماثلة أمامنا ، والعظيم عند من يؤمن بهذه الفكرة ، يمارس عمله إما من خلال برج عاجي ، لانراه ولا يرانا من خلاله ، وإما من خلال فجوة رحيل دنيوي ، فهو في قارة ونحن في قارة أخرى 0
نظرية الفناء الثقافي أُقرت في مؤتمر الرجعية الأولى ، وصارت من أقدس النظريات في حياتنا ، وأكثرها فاعلية ، بحيث تتحدى الأمة نفسها أن تخلد رمزا في حياته قبل رحيله ، لتدرك انه سبق سنيه ويستحق ذلك قبل ذلك ، فما يزال شابا ، أو أدرك أزليته فما يزال حيا ، ومن هذه البوابة دخل علينا غول عظيم المخالب ترك فواصله التراجعية بين الماضي والحاضر والمستقبل ، فصرنا امة فقيرة كثيرة الثراء قليلة الإثراء ، امة تستحي أن تحتفل يوما بمن يصلح تاجا ، ولكنها لاتأبه أن تتسبب بدفن الكنوز ، وتغييب الرموز ، بل هي تفرط بمن يسد حاجتها من الكمال الروحي لعشرات القرون كالموروث الذي خلفه لنا أجدادنا العظام من العلماء والأدباء والفلاسفة والشعراء ، ولكنها لاتستطيع أن تحتمل حراجة لحظات الخروج من عنق الزجاجة فهل لديك ياجحا فكرة تعليق أخرى دعها تنتفض وتنطلق على الوجه الآخر لهذه الصفحة!
رحيم الشاهر- كربلاء
AZPPPL



















