إجتراح الأنوثية بذاتها .. زليخ الباراسايكلوجيا في عطر التفاح
اسماعيل ابراهيم عبد
إرادة الجبوري قبل 19عاما شيدت معماراً للقص داخل الرواية محتكمة الى الضربة الاخيرة ، والتوقفات الجزئية لكل ” مشد ” في مشهد ( ما ) ذلك ان القصص داخل المروية هي مرويات متداخلة ، يمكن قراءتها منفردة ، كقصص قصيرة ، او متكاملة كرواية..
التوقفات والفواصل والتتمات هي ايقاعات تَعْبُرُ من القص الى الشعر ، ثم يحدث العكس…
هذا اللعب ، وبوعي متقدم ، على ما فيه من محاذير ، يؤلف قصاً مختلفاً عن مجاوراته من الفنون ، كما يؤلف منظومة جودة تخص ” الروائية ” دون غيرها .
في قضيتها الفنية والفلسفية والاجتماعية تندرج أمامنا إمثولة حكائية تتخابث كثيراً لإحداث مومياءات للباراسايكلوجيا ولغير ذلك من مبقيات اللاملموسات .. سنتابع ارادة الجبوري في روايتها عطر التفاح بحسب التتالي الآتي / اولا : مبقيات الأنوثة نرى انها مجموعتان :
أ ـ المُبْقِيات المتزاحمة
الانوية الأنثوية تجترح لذاتها مبقيات ، لنقل : ما يتبقى من ملامح ولمسات الانثى عالقاً في المكتوب .. هذه المبقيات لا تفتأ أن تضع مِلْحَاً على الجرح أو بلسماً عند الفؤاد ، بما تحمله من رقة وعذوبة وإنتباه الى أصغر الصغائر .. لنتبع أثراً من لوامس الأنثى .
[ يعبق البيت بالمعقمات المرشوشة في كل جانب فيه وزاوية .. رائحة مُلَمَّع الخشب الممتزجة برائحة مبيد الحشرات في الحمامات والمغاسل والمطبخ .. رائحة مُكَيِّف الجو والبخور وعطرها وصدى خطواتي في فسحة البيت العارية ، أشعرتني بأني لم أعرف تلك التي أراها دائما مجرد وجود جسدي في هذا البيت وروح منشغلة ، معلقة بقبر ] ( 1)
نـرى الـمـشـهـد محتفياً بملامح ولمسات امرأة على الرغم من أن الراوي رجل والمعنيّة في المشهد ، أخته . الروائح تلك التي ترافق كل امرأة ، على مدى التأريخ البشري الانثوي ، وهي هنا /
(المعقمات ، والملمعات للخشب ، والمبيدات للحشرات).. هي حافظات الحمامات والمغاسل والمطابخ ، من التلوث ، هي مكيف الجو والبخور وعطر المرأة ” الاخت ” وصدى الخطوات ، وعري الفسحات ، ومحفزات الشعور ، ومضللات الرؤية ، وهي الروح ، وهي التعلق بالروح المدفونة بقبر).
من حيثيات التصنيف ان نتقيد بعدم جمع المضادات مع بعضها ولانكيل لها بكيل واحد ، لذا أجد من الضروري أن أُصنفها بثلاث مجموعات وأُبيّن التميز الوظيفي لكل منها / الصنف الاول : روائح الحافظات من التلوث ، يشمل المعقمات والحافظات والمبيدات والمحسِنات لها وظيفة عمل واحد هو تجسيد الوجود المادي التقليدي للأشياء بما يمكّن إدراك التيقن بالوجود شبه الحقيقي ضمن الإطار المكاني . الصنف الثاني : روائح البواعث الشــــــــعورية ، وتشمل ، عطر المرأة الاخت ، وصدى الخطوات ، وعري الفسحات ..
تؤدي وظيفة متضامنة تهتم بالميل النفسي نحو تَقَبُّل النزعات القريبة من إفتراءات الباراسايكلوجيا . الصنف الثالث : مضللات الرؤية ، وتشتمل على مستشعرات الراوي بضلالة البصر ، ورؤية التجريد الجسدي، ورؤية الروح المعلقة بقبر ..
تؤدي وظيفة مركبة من ، التضليل المتعمد للفهم ، والتقسيط المتدرج لوفرة الحس الروحي بالمجردات البسيطة المحيطة بالراوي ..
وظيفتها تحقيق أبهى قدر من متعة ملامسة المرأة للمتبقيات من البصائر المستحضرة . – الأصناف الثلاثة تتعاضد مع بعضها لتنتقي ملامحا لمثيولوجيا التآخي بين الاحياء والاموات عبر قوانين ” سكونية الاشياء المترابطة في إشغالها للمكان ” ..
– الغرض الروائي ، هنا تحديداً ، في ، أنها ترسم واقعاً إفتراضياً مقنعاً يصف دونما توضيح ويجمع الوقائع دون ان يحيلها اخبارا ، وينمّي روياّ دونما فعائل واسعة المساحة زمناّ ومكاناً .
ب ـ المُبْقِيات المتفارقة هي مماسات شبه قدرية ، تتقارب في أدائها تتفارق حد التناقض مع طبيعتها ، ومع الطبيعية الممهدة للكون الروائي لتُستَعْذَب روحية القلق بغفلة الاشياء وتنصرف دونما أثر حقيقي ، سوى أنها تموجات نفس تواقة للعيش بطمأنية ، طمأنينة عامة لا تفرق بين موجودات النعم الربانية . [ إرتعشت يدي وهي تفتح باب القفص .. وصلتْ جسده الممدد بين قشور (الدخن) .ترددتْ بلمسه. تركتْ باب القفص مفتوحاً. لم تتزحزح أنثى الكناري من مكانها. جلستُ على الكرسي ، أُفكر في وسيلة أخرجه فيها مـن دون أن تـمـسـه يدي . عدتُ إليه من جديد . أغمضتُ عيني بقوة . مددتُ يدي . أخطأتْ المكان . بحثتْ بإرتباك ، مسّتْ شيئاً قوياً صقيلاً . فتحتُ عيني .. كان منقاره . أغمضتُ عيني مرة أخرى وأمسكتُ به . تسارعتْ نبضات قلبي وأنا ألمس خشونة ريشه المتخشب . أحسستُ بعــــظامه في كفي ] (2 ) .
لنلجأ الى بعض التوافقات على الشكل الآتي / المماسات شبه القدرية ، في تفارق طبيعتها ، نجدها حاوية لحالات متغايرة ومتضامنة إذ أن : (ارتـعـشـتْ يـدي ، ترددتْ بلمسه ، أغمضتُ عيني بقوة ، بحثتْ بإرتباك ، تسارعتْ نبضات قلبي ، أحسستُ بعظامه في كفي) ، تتحرك كأشياء جزئية بطبيعة واحدة هي المدرك العقلي ، تتعاضد بتماس مع جسد الكناري ، تختلف في وضعها وتوصــيفها :
ـ ( اليد كلها ترتعش ، اليد تتردد ، العين تغمض بقوة ، الكف وحده يحس بالعظام ، القلب له وحده حرية النبض والتسارع) …
هكذا تؤدي الجزئيات وظائفها ، متحدة في الفعل العام ، ومنفصلة في أداءاتها ، بسبب عدم تطابق طبيعتها ) .. ـ لو دققنا قليلا في هيئاتها ، لوجدناها تتحركة بشكل آلي ، كأنما هناك قوة قدرية في جسد الفاعل تُحَرِّك اليد ثم العين ثم الكف ، وبقية الجسد ينبض مع القلب بتسارع لئلا تفلت عنه شجاعته الآنية …
بهذا نتوصل الى الحقائق المؤشرة مسبقاً والتي يمكن حصرها في /
1- الارادات المنفِّذة له ـ اليد لا يحدث الفعل بقوة لعدم تقارب ، العين ، القلب ، الكف ـ ، وضعف التماسس بينها . 2 ـ قوة التنفيذ تعتمد القوة شبـــه القدرية لذا تأتي متذبذبة متضامنة مع الطبيعة المتخالفة الوظيفة للأدوات العينية من جزئيات الجسد البشري .
3- الـمـوجـودات تؤلف بحركتها المضطربة كوناً روائياً خالصاً مبأراً بالتغيرات الروحية والنفسية . 4ـ ينتج عن فواعل وأفعال التذبذب القلق والغفلة وعدم التأثير للأشياء المجردة كـ :
( القفص ، جـسـد الكناري ، الدخن ، أنثى الكناري ، الكرسي ، المكان ، الشيء الصقيل ، الريش ، العظام ) أنْ جميعاً لا تتحرك وتوحي بحدوث مأساة ، كأنما هي عاقلة وقلقة بقدرية القلق المكوِّن لطبيعة الوجود الحركي لليد والكف والعين والقلب . 5- تلك الموجودات والهيئات المتحركة فيها من الرقة والعذوبة ما يؤهلها لأن تصير مورداً حضارياً للطمأنينة والسلام والتآخي بين الطبيعة والبشر والكون الرباني .
6- الاشياء الغافلة ، أشياء لها قدرية الإحساس بعظمة الموجودات من النعم ذات الطبيعة المستكينة الموائمة للتفارق المتطامن مع الذوات الفاعلة والمتأثرة بالفعل ، على الرغم من أن الظرف ظرف موت وحرب .
ثانيا : متماسات زليخ الفارهة
يتماسك الروي بوسيط إكذوبة تأريخية ، تجعل الفرد مليء بنوبات عشق مثل زليخة لكن بجانبها المعقد المركب الذي يكون ضحيته الرجل لا الأُنثى .. تُرى كيف ؟ [ إمرأة رأت كل شيء قبل أن يجلس كلكامش منتحباً .. رأتْ الجسد الذي لمسته وفرح قلبها به وقد إلتهمته الديدان وكأنه ثوب عتيق . رأته وقد إمتلأ بالتراب . رأتْ كل شيء وإختفتْ هناك ، في الأعالي منذ سنوات وأنا أمارس عشق الكسل الشرقي والاسترخاء منشغلا بصنع ملامح تلك المرأة . أمسك بأهداب العينين فتغيب تفاصيل الشفتين . أشعر بالابتسامة لكنها سرعان ما تتسامى تقطيبة مبهمة : تقطيبة هي مزيج من حزن وابتسامة ساخرة . أوشك على تشرب عطر العنق .. أحسه فتباغتني البرية بعطرها النافذ . أتجاهل غيرتي . أتشرب آثار عناق وعطر حاد لأيام حب إنتصرت فيه الحكمة والمعرفة بينما تحولت الأشياء الاخرى الى رقم .. ولوح مكسور .. أو مفقود .. الى نقاط لا يجرؤ سوى الخيال على إستبدالها بكلمات ] (3 ).
نقصد بمُبْقِيات زليخ : هي المؤلفات للمضامين والعلاقات الصانعة للفهم الخاص بزليخ الذي هو الذكر الذي أتخيله كندٍ لزليخا زوجة النبي يوسف (ع) ..
زليخ المتخيل هو وسيط الحفاظ والتثبت للحكي والروي في القص الروائي هنا ، وفي هذا المشهد يكون زليخ هو الضحية التي بوجودها المتخيل هنا سيرتقي بحالين هما ، رتبته كراو ورتبته كفاعل للحدث ، لأجل أن يفوحان بالتفجر والطفح الانثوي المشبع برغبة الجسد الفطرية فالروي ، بجزء منه ، يخص عشتار ، الهة الخصب والجمال ، وبجزء آخر يخص رجلاً ـ أسميته زليخ ـ يتفجر بالرغبة شبه المدمرة لكونها رغبة على حافة حرب .. وفي ثنايا المشهد نجد التعبير لإمرأة متخذة من مظهرها رجلاً ، لتتخفى وراءه وتعبر حاجز الحياء .. نرى أنها أنثى تتمنى ما تسبغه على جموح الرغبة الذكورية ، أي أن ثلاثة شخوص تريد أن تعطي معنى الشبق الفطري ، لغةً وذاتاً ، هيأة فعل حضاري تأريخي متأصل بمباغيه ، (خلق الانسانية والحب والجمال) . لكن هذا الفرض يحتاج الى مايؤكده .. نرى التأكيد يتأتى من /
( رأت الجسد الذي لمسته ، امسك بأهداب العينين ، فتغيب تفاصيل الشفتين ، اوشك على تشرب عطر العنق ، فتباغتني البرية بعطرها النافذ ، أتشرب آثارعناق وعطر حاد) ..
تلك الحالات كلها غير متحققة فهي إذاً جوع ورغبة .. ولكونها تهتم بأقل المظاهر أثرا فيعني ذلك أنها حالات وَلَهٍ متشبب عميق التوق في ان يصير فعلاً لأنه يفارق الطبيعة ويُبْقِي على جذوتها اللغوية التي تحتل مساحتها ، كفعل ، لروائح ولمسات ، ستؤدي الى أن تدور الإشياء والحالات بفعلها تحت موحي الفعل الجسدي ، مستودع الرغبة في احتضان الجسد حد البكاء التأريخي .. الرجل الذي اسميته زليخ ، والمرأة المدماة بالرغبة على حافة حرب ، وعشتار سيدة الفضائح الجنسية في التأريخ الفطري للحضارة ، (هم) أو (هن) شيء يُراد له أن يتمسك بالاكذوبة ويدجنها ويخلق منها معادلاً موضوعياً ـ على بون المسافة المتصورة للوقائع بين تأريخ عشتار بابل ، تأريخ عشتار 1991 ، ليقول أن الحروب هي مفجرة للجنس ومتسببة عنه ومذكرة بالفحولات المنحرفة .. رسائل واضحة
نخلص الى أن المشهد يحمل رسائل عدة منها واضحة وأخرى مضمرة ، الواضحة تشمل /
( الجوع ، الحرب ، التضليل ) إما الرسائل المضمرة فهي ـ كما نخمِّن :
1ـ المرأة شاهدة على كل عصور الإنحراف .
2ـ الانثى حاضنة ومتلقية لكل مساوئ البشر .
3ـ الانثى خالقة للجسد وعاشقة له ومميته أيضاً . 4ـ الفطرة تكاد تتساوى في رغبة الجنس والحرب ، أو العشق والقتل ، أو القهر والجمال .
5ـ الرجل هو المتسيِّد دون غيره من الكائنات ، لتأريخ الخطيئة وليست المرأة ، على ما فيها من جموح وجنوح ، لان الرجل غَفِلَ ، أنها علمته المعرفة والتفكير والحب وأخرجته من كسل ما قبل الوجود الارضي الى فعل الوجود الخلاق عندما وطنته الأرض ومتَّعته بجلالها .
6- المرأة تستحق ان تفعل بجسدها كله ما تشاء دون أن يحط ذلك من قدرتها على توفير الحماية والامومة والتراحم للذكور كلهم
7- مُبْقِيات زليخ مساحة فارهة ليتقدم التأريخ من خلالها نحو النبوءة الروائية القائلة بتفوق البشر على نقائصهم بالتعاون وتطوير الخيرات الارضية ، لا استهلاكها فقط .
ثالثا : المنغمات المرحة لعطر التفاح قد لا نكون مصيبين في قولنا : التنغيم في الرواية دليل شاعريتها لا شعريتها ..
قد يكون من المُسْتَبْعَد ورود مثل هذا الفرض لأن نثرية القص ستفقد عفوية وحرية التعبير الروائي ، إن تقصدت ولوج الشعر في ” الروائية . التجربة قادرة على تأكيد ذلك او نفيه .. لنجرب /
[ أحسستُ بنظراتكَ فإستيقظتُ . وقفتُ متمسكاً باستسلام عقلي وجسدي .
نظرتْ إليَّ استغراب ،
ثم الى القفص مباشرة .
إقتربتْ من القفص وهي تقول بيقين حزين
“عرفتُ هذا منذ أن أخبرتني بموته .
أجل .. عرفتُ هذا ” استمرتْ تردد ” عرفتُ هذا .. عرفتُ هذا “
تركتها تلوك يقينها .. حزنها وحملتها الى الحديقة . ـ رواية عطر التفاح ص55
مواصفات قصيدة النثر كلها متوفرة في المقطوعة المتقدمة ، ومنها الغنائية والتلحين المقطعي والاطلاق اللفظي ، والمعاني الكونية ، وقيم الباراسايكلوجيا ، والمرح والدهشة ، ومع ذلك فهي ليست مقطوعة شعرية تماماً لسببين هما ، أن الهدف السردي حكائي ، وأن الدلالات المتعاضدة تحيل الى قص روائي متمثل بالترابط الحدثي بين الحدث السابق ، موت ذكر الكناري ، والحدث اللاحق ، موت انثى الكناري ، ومستمراً حتى دخوله في الأحداث الجديدة الخاصة بكارثة الفتاة والرجل المريض ، وكل ذلك متصل ، بل ملتحم بحوادث الموت والدمار تحت وطأة وقيعة فواجع الحرب . وما يبرز هذه الظاهرة هو لاقصدانيتها ، مما يؤثر في وجدان القارئ دون إفتعال ، وأعني أن التهويم الشعري صار تورية شعورية وجدانية تشبه نبوءة الباراسيكلوجيا ، تحطم حدود المعاني نحو مطلق دلالي ، روائي خاص بوحدتي الحدث واللغة .
من منافع الاستعمال هذا / ـ تكثيف اللفظ بالاقتصاد الكلمي والتثوير الدلالي بالتشظي والانفتاح الجملي . ـ تنشيط قوى التأويل بإعادة تنظيم العناصر السردية لأجل الجمع بين البلاغة السردية والبلاغة الاسلوبية . ـ تمكين الحدسية من تشييد الفعل القرائي الفعّال المُنْتِج للذائذِه الفردية والجمعية .
ـ زرع الـتـنـغـيـم اللفظي والفكري في المبقيات الروائية بما يزيد من الشد والتشويق والتأثر بالحدث ، على صغره ومحدودية فعله .
ـ التمتع بقرين الموسيقى ، الصوتيم الحرفي ، من خلال الإبهام ومطلق التخيل .
– إذاً يمكن التكهن بوجود التنغيم المبهج الفاره كشاعرية وشعرية للرواية ، إذا جاء عفوياً.
ثانيا : أدبية العُقم والجَدَب قد يتسنى لنا يوما (ما) الوصول الى أدبية للعقم الحضاري وللجدب الإنساني .. ونرى أنها قد تتحقق بمراقبة وتوصيف الرهاب .. هذه المنظومة ستتألف من ثلاثة اطراف هي ، الرهاب الذاتي ، وباراسايكلوجيا الدمار الشامل ، والتوحد الاستيحاشي ..
أليست هي ثلاثية الحرب تحديداً؟
الرهاب الذاتي ” الجدب ” : روحية وقائع تستقطب المرأة الاخت ، والفتاة المستوحشة ، والعجوز المنعزل . اولئك جميعاً ليسوا ممن يفهمون الأشياء بحسب واقعيتها : ـ الأخت ، ترعى قبر زوجها الشهيد بأن تنام معه في المقبرة ، تاركة الناس والحياة ولا تبالي ما عليه الناس من ضنك وتأزم ، في ظرف أهوال الحرب .
ـ الاخ العجوز ، يتفرغ لمراقبة مرضه الخبيث المستديم ، ويبحث في الكتب عن مكتشفات لا سبيل للوصول لها.
ـ الفتاة ، تنتظر عودة يوسف الذي أكلَ الذئبَ ومن ثم ضاع دونما سبب.
الباراسايكلوجيا
الباراسايكلوجيا في المشهد أعلاه تخص نبوءة الدمار الشامل فالأخت محطمة كليا ، والعجوز ممروض بما لاشفاء لمرضه والفتاة ذاهلة بذهان لامثيل له ، وليس من فرصة للتخلص منه . + المجتمع بأسره غير قادر على الدفاع عن نفسه ولا بمقدوره درأ الخطر عن كيانه ، خطر الحرب والخراب . + الدمار الكلي ، المادي والبشري ، حالات من مقولات ، مقولات لغة وفعل إجتماعي سياسي إقتصادي + الحرب والخراب والدمار الشامل (هذه) فواعل إكتسبت الدرجة القطعية في لغة الادب فهي ” أدبية خطاب عام ، وأدبية خلق ، وأدبية مستقبل ” + إذاً أصبح اللاخلاص جدباً والجدب عقماً دائمياً ، وهما معاً ” أدبية وجود ” للجدب والعقم ، وهما أدبية خطاب ، للغة ماعاد نفعها يتجاوز التفاهم على مستقبل سوءات هذا الخطاب وجدبه.. كأنما يتوجه الخطاب الى عموم بشر متفقين على تقبل الكارثة .
– التوحد الاستيحاشي : ناتج الرهاب والدمار اللذان عصفا ترابهما الذري المخيف في نفسية الافراد ، كل في جحر مكانه .. هذا ” التوحد ” أخذ من الجميع الرغبة بالبقاء أو الفناء أو حتى تحديد أمل الخلاص ..هذا الاستيحاش إستجابة مريضة وانحناء تحت ريح الكارثة ، وقد جُعِلَت أدبية الخوف والفردية والتهيب من أي موقف إيجابي كالبطولة (3)..
فالفرد صار مستوحداً مع خوفه وذله ، يعيش وحشة الحياة وأمل التأجيل المؤقت للحظة الموت .
ثالثا : مكملات ميدان العرض للعرض الروائي مساحة المكان والزمان والوقائع والورق ، جميعها تتضافر كي تنجز الفعل الروائي ، ومن ثم تتشكل هيئات الشخوص والدلالة ، وجميع ذلك يتحرك ضمن ساحة (ميدان) داخل إطار حيز الفضاء الروائي .. هذا الميدان له عناصر تكمِّله بعدة وسائل ، لعل أهونها الرائحة ” العطر” عنوان الرواية ، عطر التفاح .. لكن المخالف الغريب أن عطر التفاح هو ذاته عطر مقذوفات السلاح الكيمياوي …
إذاً لمكملات الفضاء عناصر مشاركة ومؤثرة لا يمكن تجاوزها .. يمكنني أن أحصر بعضها ، كوقائع وهيئات وصــــــــــفات ، على الوجه الآتي /
1- منظومة المرض لكل من العجوز والفتاة (ص9 من الرواية مثالاً) .
2-ركضة طوريج كتناص (ص21 مثالا).
3- توريات العنوسة (معظم جزئيات الرواية تصلح مثالاً).
4- المصائر الميتاقدرية (ص41من الرواية مثالاً) .
5ـ التواصل المتبادل مع الموتى (ص6من الرواية مثالاً).
6ـ قيم العمل اللاإنتفاعي (ص13من الرواية مثالاً) . 7ـ التقطيع الروائي بموسيقى صافرات الحرب (ص91 من الرواية مثالاً) . 8ـ قيم التغير اللوني (ص30 ، ص75 من الرواية مثالاً) .
9- تجلي جلالة الفقدان (ص80من الرواية مثالاً). 10 ـ تخيل التواصل المثيولوجي المتبادل مع العالم السفلي (ص76، ص77 ، ص82 ، ص83من الرواية أمثلة مناسبة ).
– تلك عناصر لوقائع وهيئات وحالات ، يمكنني تصنيفها لتبسيط فعل الفهم الروائي لها ، منها منها / أ ـ حالات لصفات الشخوص ، تشمل / فعائل منظومة المرض ، وتوريات العنوسة ، والمصائر الميتاقدرية ، ثم التواصل المتبادل مع العالم السفلي . ب ـ الوقائع ، تشمل ، ركضة طوريج ، حوادث التواصل مع الموتى ، قيم العمل اللاإنتفاعي . ج ـ الهيئات ، وتشمل التقطيع الروائي بموسيقى صافرات الحرب ، التغير اللوني ، تجلي جلالة الفقدان ، تنوعات اللمس الانثويوالرجولي المفترض ” تنقل الدكتورة نادية هنادي سعدون من كتاب المرأة واللغة للدكتور عبدالله الغذامي ما نصه / المرأة لاتحسن الكلام عن ذاتها إلّا إذا فكرت في هذه الذات بوصفها ذكرا”(4).
تتمة أخيرة
تحتفي الرواية برؤى تخص الوقائع العملية بعــــــــد العام 1991 ، بتهويم تلك الوقائع وتسليط الضوء على أقل الحالات قسوة لكنها من أبلغ حالات الدلالة على التغير الاجتماعي والاقتصادي الذي تصنعه الحرب ، فالعطور والروائح والالوان والاصوات دلائل التغيير والترحيل الاجباري ، على صغرها فهي تنمط القهر والموت حد البهجة بظرف تجاوزه ، وصافرات الانذار وصوت الانفجارات تسمعها اذن واعية واحدة منعزلة لعجوز مريض تتركه الاخت لتجاور قبر زوجها .. لنا أن نتصور مثل هذه المفارقات والتي تبلغ أحيانا حداً سورياليا حين يتصل الموات بالاحياء مباشرة وشخوص الفجر الحضــــــــــري مع شخوص وقائع 1991 .
الهوامش
1- الجبوري ، إرادة ، رواية عطر التفاح ، 1996، ص 7 ، الشؤون الثقافية العامة ، بغداد
2- الجبوري ، إرادة ، رواية عطر التفاح ، مرجع سابق ، ص24
-3 الجبوري ، إرادة ، رواية عطر التفاح ، مرجع سابق
4- ص 41 نادية هنادي سعدون السرد النسائي القصير في العراق ، 2012 ، ص53، دار الفراهيدي للنشر والتوزيع ، بغداد .





















