صوت الحكاية المضمر في ثيابها ماء.. شاعرة مفعمة بالدهشة والإحساس

صوت الحكاية المضمر في ثيابها ماء.. شاعرة مفعمة بالدهشة والإحساس

 يوسف عبود جويعد

أستطاعت الشاعرة سلامة الصالحي في مجموعتها الشعرية (ثيابها ماء) وهي من اصدارات دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع لعام 2015 أن تجعل من قصيدتها حكاية سردية ، الا انها وظفت هذا السرد بعد ان دخل افق مخيلتها الشعرية ليكون قصيدة مفعمة بالاحساس الشعري ، وقد اختزلته وكثفته بمفردات شعرية قصيرة ، الا انها تحمل عمق فني ، وخطاب ثقافي اعمق ، ورسالة انسانية لصوت امرأة ناعمة ينبثق من افق هذا الخيال الخصب ، وهو معبأ بخزين من الفكر الثر الذي نتج عن قراءتها المستمرة للشعر ، والتراث ، وجوانب الحياة ، اي ان هذا الاختزال كان بقصد ومعرفة مسبقة ، بكونها تستطيع ايصال ثيمة القصيدة ببنية قصيرة ، تتوفر فيها كل مقومات القصيدة الناجحة ، وان قصائدها ومضات شعرية فيها عمق سردي، وصوت يحيلنا الى عمق القصيدة ، اضافة الى الايقاع الهاديء الحنين الذي نلمسه ونحن نتابع تلك القصائد ، ولكل قصيدة اتجاه تنتمي اليه قد يكون فلسفياً ، او تراثياً ، او اجتماعياً، او نداء استغاثة ، او دعوة لحب الخير والسلام ، او عودة لذكريات الطفولة ، او الحنين لدفء الاسرة وجمعتهم الطيبة ، وبالرغم من طغيان الحس الشعري الجميل ، الا ان صوت الحكاية انساق مضمرة داخل بنية القصيدة ،وينقلنا هذا الحس الى عوالم رحبة حالمة خيالية تصل حد انها تستطيع ان تسحبنا عنوة الى افق تلك القصائد ، ونكتشف ذلك من خلال متابعتنا لقصيدتها (لؤلؤة )

واذ تتفيأ روحي ظلك

يصير المدى وجهتي الوحيدة

المؤدية الى متاهاتك

وانا غوص المحارين

اقاتل من اجل لؤلؤة

فلو تأملنا بعمق في عالم هذه القصيدة نجد الشاعرة بذلت جهداً كبيراً من اجل جعل القصيدة بالرغم من قصرها تحمل مدلولاً عميقاً ، ورؤيا واضحة ، واستعارات صورية غاية في التكثيف ، وان صوت الحكاية نسق مضمراً ، نسمعه ، نحسه ، نطوف في ارجاءه ، وفي قصيدة (قصيرة) يتضح لنا هذا المفهوم بشكل اعمق

يدك التي تفترش السماء

سجادة حمراء

وبين صوت الذي يداعب وجهك

يصير مابين السماء والارض

قصيدتي

وحكايتي القادمة

واذ يطوي الحب كل دفاتره

ويمنحني الورقة البيضاء

للقصيدة

تصير انت روح الشعر

وغاية القصيدة

وبالرغم من التكرار الواضح في مفردة القصيدة الا انها تعتبر مكملة لبنية القصيدة وتماسكها ، وانها مدخل يعطي الرسالة التي ارادتها الشاعرة لهذه القصائد ، ونجد العمق الفلسفي ، والعمق الحضاري ، ونرى التكثيف المتمكن والذي لايخل بروح القصيدة وحسها الشاعري نجد ذلك في قصيدة (عشبة)

ابدأ بعينيك اول المسافات

التي تؤدي الى رؤية الله

اعبر الينابيع السرمدية

ودمعك نسغ الله

حين يداهمه الظهور

افتح باب السحر

والتقط

خلودي

وعشبتي الابدية

ونجد في ومضاتها الشعرية دلالات عميقة تحتاج الى التامل ، واعادة قراءتها للوصول الى المكنون الفكري فيها قصيدة ( حقيقة)

ذراعاك جناح ملائكة

تغطي

كل اكتشافي الاول للحقيقة

وماهي الا قصيدة واسعة الافق وتستطيع ان تسهب في تفاصيلها ، الا انها اكتفت بهذا الاختزال العميق من اجل هذا التميز الجميل ، وكم نجد هذا العمق الفلسفي في قصيدة (حواء) له اكثر من رؤية تفسيرية ، وكأن هذه المفردات المختزلة تتشظى لاكثر من دلالة ، واكثر من معنى ، وهي تشبه اللؤلؤة التي تضيء من كل الوجوه والزوايا

حين صرخت بأسمك

مثل حواء

وهي تدور افلاك الجهة الاخرى

تبحث عن آدمها الوحيد

كانت اسماء الله الحسنى

اول الحروف التي حوطتك

بالعناية الاولى

وفي الومضة الشعرية (ضحكة) تقدم لنا الشاعرة رؤية دلالية اخرى بنسق فني اصيل ، وبتمكن واضح ، وما فتأ صوت المرأة الناعم يداعب اسماعنا ، وما زال صوت الحكاية بؤرة بنيوية في ثنايا كل نص

أبدأ النهار

بضوء نبرتك العميقة

واختتم الليل

بفجر ضحكتك الآسرة

ومضات شعرية تحيلنا الى تأمل ممتع دائم ، واحساس بدفء ودفق الحس الشعري الفياض ، وفي قصيدة ( العاصفة ) نجد صورة شعرية تثير الشجن وتهز المشاعر

العاصفة تبدأ بحبة رمل راحدة

وانا كل عواصفي

بدأت بضحكة واحدة

كما ان الشاعرة تؤكد صعوبة صياغة القصيدة ، فهي تشبهها بالمخاض وحالة الولادة ، فليس من اليسير ان تكتب الشاعرة القصيدة ، لانها تدخل مجرد فكرة صغيرة ، ثم تتجمع المعلومات حولها ، ثم تتحد وتجري لها عملية التكثيف الذي نحسه سهلاً ، لكنه من نوع السهل الممتنع ، نجد ذلك في الومضة الشعرية (مخاض)

مخاضات القصيدة

تزعزع كيان الزمن الهلامي

فتسقط الروح في قعره

لتشمخ القصيدة

ولان الومضات الشعرية كثيرة ، فأني سأختار نماذج من تلك الومضات الشعرية ،وفي قصيدة (قصة اسمي ) تقدم لنا الشاعرة بصياغة شعرية حكائية ، وظفت بشكل فني ، تصف لنا فيها تعريف عن محيط حياتها واسباب اختيار اسم سلامة

جئت الى الدنيا بعد مخاضات العسر

سلمت امي من موت اكيد

واخوتي انقذتهم من اليتم

اسماني خالي الشيوعي سلام

فالسلام شحيح في العراق

فاعترض ابي الاقطاعي وشدد اللام ارضاء

لصديقته المطربة زهور حسين

واغنيتها العتيدة

سلمى ياسلامة

ان الومضات الشعرية التي خطتها انامل الشاعرة سلامة الصالحي في مجموعتها الشعرية (ثيابها ماء) وجه من وجوه الشعر الحديث الذي يعتمد التكثيف وهو يتضمن خزين كبير من المعرفة الانسانية التي اكتسبتها الشاعرة ، اضافة لى محور حياتها وذكرياتها ، وبرسخ اواصر العلاقة العاطفية الاصيلة بين المرأة والرجل ، وينبذ العنف والحرب ، ويدعوا الى السلام والحب ، انها مجموعة شعرية تستحق الاهتمام ، ورغم مروري على بعض من تلك القصائد ، الا ان هذه المجموعة تحوي على نحو اكثر من مائة قصيدة ، كلها تستحق التامل والوقوف امامها بدهشة ومتعة .