غياب المثقف خلف قضبان الظلم
مظفر المحمداوي
قصة قد تكون خالية من الإنسانية تلك هي قصة المثقف العراقي الذي وضع تحت طاولة التهميش والقسر ، ظلامات معلقة في أروقة شارع المتنبي أنين وألم وجراح يجدها كل من أقبل لذلك الشارع بالرغم من إطلالته على نهر دجلة واحتوائه على ابرز المعالم التاريخية سواء في العمران أو في الكتب والمراجع ألا انه يحمل هم الكثير من المثقفين العراقيين مما جعله المتنفس الوحيد لهم ليبث شكواهم والظلم الذي لحقهم بسبب الإهمال من الجهات صاحبة الشأن والراعي لهكذا نخب قادرة على تغيير ميزان الثقافة في البلد ورفعه إلى مقام سام أو على الأقل العود به إلى الماضي الجميل ، أحداث هذه القصة قد تكون عرضية أو مصادفة لا اعلم السبب الذي جعلني اذهب في هذا الوقت والتقي بذلك الأستاذ الفاضل الذي سرد لي قصته دون أن أتعرف عليه أو يتعرف علي فبمجرد وقوفي أمام معلقة شعرية اقبل ألي والابتسامة تملأ وجهه وكأنه غيث من السماء نزل عليه ، في بناية القشلة بشارع المتنبي عند دخولك من باب المتحف على جهتك اليسار تطالعك لوحتين كبيرتين الأولى تحتوي على معلقة متكونة من ستين بيتاً شعرياً والثانية ترجمة للمصطلحات التي وردت في تلك المعلقة اتخذتا من زاوية المتحف مكانا تلوذان به وهما تنشدان شعر صلاح عبد الصبور ” وتكورت أضلاعه ساقاه في ركن هناك ” تستوحشان لمن يقف إمامها ويقرأ ما سطرته أنامل ذلك الفنان والمثقف الذي أهملته الجهات المختصة بحجة كونه يعمل في نطاق القطاع الخاص ، بطل القصة الأستاذ : محمد على جواد . من مواليد العراق خريج كلية اللغات خبير في الآثار العراقية يعد الأستاذ محمد علي أول دليل للآثار في العراق حتى عام إلفين وثلاثة حيث كان قبل هذه المدة مرشدا سياحيا ومرافقاً للوفود القادمة إلى العراق يمتلك الأستاذ محمد لغتان الانكليزية والألمانية بالإضافة إلى لغته العربية كان يغني السائحين بكل ما يحتاجونه من المعلومات عن أشور وبابل وسومر وأكد وبقية الآثار العراقية الأخرى ألا أن الأحداث الأخير التي جرت في العراق وحالة النهب وسلب لتلك الموروثات القيمة بالإضافة لتردي الأوضاع وامتناع السياح عن القدوم إلى العراق جعلت الأستاذ محمد حزيناً حسب تعبيره بعدما قضى معظم حياته متنقلاً بين المحافظات العراقية برفقة الوفود أصبح ألان بلا عمل مما دفعه هذا الأمر تأليف معلقة شعرية تضاهي معلقات شعراء الجاهلية وما بعدها من المعلقات حيث كتبها بإتقان وتمعن معلقة جسده فيها ألاف السنين في ستين بيتاً فقط تغني كل من قرأها بالمعلومات القيمة عن حال الشعوب السالفة وكيف كان يقتاتون ويعملون ويحاربون سميت هذه المعلقة بمعلقة ” بلاد الرافدين ” والمؤسف انه لم يكن يملك مبلغ طباعة تلك المعلقة على حجمها الحالي الذي يتراوح بين المتر عرضاً ومتران ارتفاعاً فنبرأ إليه احد الأصدقاء وقام بطباعتها على حسابه الخاص والأستاذ محمد ألان مرافق لتلك اللوحة الجميلة التي لم يقف أمامها شخص ألا وقام بشرحها له بالتفصيل ويصح القول بأنه خبير الآثار الأوحد في العراق ، كما أن أصحاب الاختصاص يبرهنون على أن هكذا معلقة لا يستطيع كتابتها حتى الشاعر نفسه فقد أجاد في نظمها على وزن متفاعل متكامل ” متفاعلاً متفاعلاً متفاعل ” كما وان ترتيب الحضارات كان حاضراً من الأقدم إلى الأحدث فحين تقرأها لا تجد فيها أي رخاوة أسلوبية لا في النظم ولا في الوزن ، وذكر لنا الأستاذ محمد أيضا أن حلم حياته أن تعلق هذه المعلقة على بوابة بغداد الجديدة فهي تراث وتاريخ تصلح أن تكون في كل دوائر الدولة من الوزارات وحتى المدارس لأنها أرثاً قيم ، كما تطرقنا إلى تاريخ كتابتها فأجاب قائلاً لقد بدأت اكتبها منذ حوالي سنتين حيث استغرقت مني سنتين حتى أتممتها بخمسين بيتا فقط ومن ثم بعد فتره قمت بإضافة عشرة أبيات ليكتمل العدد إلى ستين بيت لم أضفها بعد للوحة كما وتطرق إلى العديد من القضايا التي تخص تاريخ ومعالم العراق ألا أنها لم تحظى بقبول ولا دعم من أي جهة لا ثقافية ولا سياسية وأضاف أن العراق بلد الثروات بحيث أن أردنا التنقيب عن النفط ففي أول متر أن لم يخرج لنا النفط ففي المتر الثاني تخرج لنا الآثار ، وأضاف أنني دونت هذه المعلقة لأننا نتعرض إلى هجمة متخلفة تهدف إلى تحطيم معالم الحضارة العراقية بنفس الوقت نحن بحاجة كمجتمع عراقي إلى نمو ثقافي والاهتمام بالآثار لان الدخلاء لا يحفظون لنا أثارنا وخير دليل ما يجري في الموصل ، وفي هذه الإثناء وبينما نستمع للأستاذ محمد علي ، قدم احد الأشخاص وكان مدير لمدرسة ابتدائية قد أمعن النظر في هذه اللوحة واخذ لها مجموعة صور ، وطلب من الأستاذ محمد أن يسمح له بطباعتها وعرضها في مدرسته ، لم يجب الأستاذ محمد بكلمة لان عينيه قد أجابت بدموع الفرح ، حيث أن مدير المدرسة هو أول شخص قد اهتم باللوحة وترجمها بأنها مهمة في تعريف التلاميذ بتاريخ بلدهم العراق .
فبعد هذا الحديث الذي دام قرابة ساعة وما حدث خلال مجرياته ، شكرنا الأستاذ محمد على ما قدمه لنا من معلومات قيمة تستحق العناية من قبل وزارة الثقافة وكل الدوائر المعنية بالشأن الثقافي ، أملنا أن تجد مناشداته وشكواه الصدى لدى من يرى بتاريخ العراق حقاً أن ينشر ويحفظ .





















