سيف الرحبي نموذجاً .. شعرية دوال النص المفتوح
أحمد الشيخاوي
يعدّ الشاعر العماني سيف الرحبي أحد أبرز الرموز الإنسانية الذين أثْرت تجاربهم المشهد الإبداعي عربيا ودوليا، عبر ترجمة أعمالهم إلى العديد من الألسن و اللغات.
وقد أثمر التوتر الذي يسود صلته بالشرق على مستوى الممارسات السياسية القمعية القائمة على جلد الشعوب وإلغاء حقوقها في صنع القرارت المصيرية المستجلبة لعزة وكرامة و حرية وإنسانية المواطن العربي ناهيك عن شتى صنوف ما يصبو إليه هذا الأخير من مكاسب وامتيازات عموما.
أثمر كل ذلك منظومة محفّزات خلقت من شاعرنا سندباد جيله الأول ،سرمدي التّرحال بين مختلف محطات الشرق والغرب و متسما بشراهة النهل من معسول ينابيع فنية ومعرفية تجود بها تقاطعات ثقافتين متعارضتين وفي أضيق الحالات متقابلتين.
ولعل أجدد كتبه الموسوم بــ ” سناجب الشرق الأقصى ــ مقاهي باريس ” أبرز ما يشي بهذا الحس المهجّن و المتماهي مع المسايرة الواعية لاتجاه بوصلة المضي قدما صوب ما تمليه الصيرورة التاريخية في فكاكها من المفاهيم القشيبة والبالية وعزفها على وتر الحياتية الطاعنة بالحيطة من منزلقات الميوعة والرسمية والخطابات المتشددة.
تلكم تجربة التجديف المنتشي بصدى الذات الشاعرة في تشرب كنوز عالمين بمعزل عن حساسية التنكر الكلي والمطلق للذاكرة ما لم تصطدم بمخططات جيل الانتماء إلى عالم نظرته إلى الأمام وبشكل مستمر.
إنها جملة أسباب مقنعة ومنطقية جدا تبرر إلى حد ما ميل شاعرنا إلى الانغماس في شعرية النص المفتوح إذ يمتح من كل متاح : البيت العمودي المتسربل بحكمة بليغة و الومضة البوذية وشذرات الهايكو والرمز والموروث والملمح الخرافي والنمط الشعبي وما غرد على منوال ذلك،بغرض بلورة منجز يخترق الحدود الوهمية بين الشعري والنثري،أو بالأحرى يقلص المسافة بين الأجناس، ليطالع المتلقي بمعمار كلامي راق جدا تدغدغ حلته الذائقة ويحتفى متنه بالحالة الإنسانية انتهاء.
إطلالة الذات مسكونة بحمى الحنين إلى صيحة الأعالي والترفّع عن السفاسف و تحويل المشهد إلى ذاكرة حية تؤنسن المكون الطبيعي وتستغرق غرابة المكان.
“قلبوا الخيام على الأحصنة
تبادلوا حديثا غامضا
ورحلوا.
تركوا خلفهم مواقد وذكرياتٍ
سلكوا طريقا غير طريقهم
رأوا شعابا وأفاعي تسيل من اللهب
رأوا سماء تنهال على ساكنيها
ورعودا تمزّق جلد الأبدية.
جرفوا الأودية والأشجار بأقدام متعبة
وحنينهم دوما إلى الأعالي
التي لن يصلوا إليها أبدا.”
لكنه الحنين المشتعل والمقيم في جرح الذات التوّاقة على الدوام إلى الأمجاد والأعالي.تناغيها على مسافة ملؤها البوح الحالم،دون أن تطالها أو تدرك مراتبها كغاية مجسّدة لهواجس المبدع الحقيقي في تمرده على راهن ناقص تتقاذفه موبقات العبثية والفوضى والاضطراب.
لذا من البديهي كمحصلة أن تتدارك الذات خيار التجوال وفق خارطة أوسع وأشمل تتيح له بعض الخلاص من غربتها وتشظّيها الرّهيب.
“بفداحة الطوفان الذي جرف
السفينة والحمائم
وبقي وجهك على غمر الماء
خالقة ومخلوقة
سعيدة بكونك الجديد
سعيدة بزواج أبنائك من بنات آوى
ينتحبن فوق قمم الجبال
أيتها الكراهية
يا بصقة الكائن في نزعه الأخير.”
تمكن من اللغة على نحو يوجّه المعجم ليطاوع المخيال.بحيث لا تكلف في الأسلوبية المجاورة لانتشار الصور الشعرية وتكثيفاتها خدمة للغرض العام كانعكاس لطقس التحام الذات بالموضوعة.
إحدى تقنيات تهويم الموقف يخصّبه استشعار مثلب الكراهية الذميم والدافع باتجاه اقتناص مناخات سانحة بفرص تصحيح العلاقة بالذات وبالآخر وبالمحيط، أو أقله الحفاظ على براءة هذه العلاقة عبر الهروب إلى ما يكفل تفجير الرؤى على أساس حصاد تجربة الأسفار و الاحتكاك والانفتاح اليقظ.
” بعين مجهدة بالسهاد
ويقين ملتبس حتى النهاية
يحدّق الراوي في شخوصه التي تملأ
الغرفة بالضجيج
ويحدّق في طبقات التاريخ.
في خضمّ ممالكه البهيجة
يترسّم الهول قادما من جهات معلومة.
ناحتا للصحراء أحوالها المريرة التي
تبدأ من تحديقة ذئب حتى
آخر المخترعات.
وحين نقترب قليلا من بخت السلالات،
نرى القوافل والفرسان تتبعنا
بحنينها المخنوق إلى : وادي العيون
ونرى الهذال* دمعة مفتونة بالأفق”
هنا التناص مع المقتبس من رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف،وشخصية الهذال كبطل يتكرّر في التاريخ وعلى امتداده في الهيمنة المطلقة لثيمة الحنين إلى المفقود كما يرسمه الأفق مثلما ضروب الاستشراف والتكهن بهول قادم يبتلع صحراء المرارة وما حولها .
“قوس قزح ناحل يمشي على الأرض
موجة رقطاء تغمر الأزمنة
قبل ثمانية آلاف عام قبل الميلاد
كنت تسرح في الأكمات والغابات الخضراء
الشديدة الخضرة
حتى دارت الطبيعة دورتها الكبرى
وضربها زلزال الجفاف
انقرضت سلالتك القطيّة”
……..
“وأن شرايينه تتوزع في عيني
جائع، يتسلق صرخة احتجاج.
عبر المسافات التي أفرغت عواءها
في قلبه،
يهيمُون، يزحفُون جميعاً كالأفاعي
الجريحة
تتعثرُ في ذاكرة الشتاء
نحو المقاهي ذات الصدر الماسي
ذات الأضواء المركزة على أثداء
نساء تخرج الفصول كالجرذان
من أحلامهن الشبقة، وقف
الرجالُ، يرتقون شروخ النهار
الأحاديث برنينها الحائر كحجرٍ مقذوفٍ
إلى الخلف”
……………..
أضاعوا الزاد والغَنَم، دخلوا في المتاهة.”
.نبوءة صارخة دالة على حدوث انقلابات معولمة للغة الدم، الجانب المعلوم عنها، أنها صناعة مترسبّة عن حقبة المجاعات والعري وما إلى ذلك من المعضلات.
كأنها بشائر المصل الجديد.
مختارات نستشفّ من خلالها سلسلة دوال ظاهرة أو باطنية بكل أنواعها، تزكي طرحنا وتترجم مدى تفشي تجربة صاحبنا في بياض النص المفتوح لمجابهة لحظة إسمنتية جائرة تغتال شتى صور الإنسانية والجمال والنبل أو تحاول ذلك، في عمق أبنائها تباعا.
كأن العملية في كليتها تخطٍّ لتجربة الإنصات قفزا فوقها إلى آفاق الوشاية بلحظة إشراقات مصل جديد ما ينفكّ يسري في عروق لغة الضاد لينقّيها من شوائب الحشو الزائد ويجتثّ منها أورام التطفّل المغري بانتهكات واستسهال الممارسة الإبداعية داخل أيقونة تكسير أهمّ القواعد والنّظم الضاربة بجذورها عميقا في سجلاّت الخلود.
تلك بلا ريب معاناة التوأمة بين تعاليم دخيلة منقولة منقّحة عن أبرز المحطات المهجرية الاختيارية والنابض صلب احتفاليتها بالعنصر البشري قبل كل شيء،وبيئة موبوءة يكاد ينخر نخاعها الشرخ كنتيجة طبيعية للأيديولوجيات الحاقدة و وابل الإستراتيجيات الممنهجة و المبرمجة على زرع الطائفية والإثنيات بغية تفتيت الشرق إلى دويلات.





















