رفعة كامل الجادرجي (صورة أب) .. أربعة عقود من الحياة في دارة أبيه
شكيب كاظم
تعرفت على صدور هذا الكتاب يوم اشترت مجلة (التضامن) الذي تولى رئاسة تحريرها الصحفي (فؤاد مطر) حق نشر ثلاثة فصول منه، وهي الفصول التي تعرضت لحوادث مهمة مرت بالعراق، الأول أرّخ للسنين من 1952 حتى 1956 والثاني من سنة 1956 من حوادث تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، البريطاني الفرنسي الصهيوني ضد مصر خريف ذلك العام، وحتى تموز 1958 لتنتهي الحلقات المنشورة من هذا الكتاب المهم للحديث عن المدة من إسقاط حكم عبد الكريم قاسم في الثامن من شباط 1963 حتى العودة الثانية للبعثيين في تموز 1968? وما زلت أحتفظ بهذه الحلقة الثالثة والأخيرة، التي نشرتها مجلة (التضامن) في 14/ من أيلول 1985 وبالعدد المرقم 127.
أهمية هذا الكتاب الذي وسمه مؤلفه المهندس المعماري، رفعة كامل الجادرجي بـ(صورة أب. الحياة اليومية في دار السياسي كامل الجادرجي) وتولت نشر طبعته الأولى (مؤسسة الأبحاث العربية) وأراه قد نَفِدَ من أسواق الكتب راجيا الأستاذ رفعة أنْ يعيد طباعته، أقول أهميّة الكتاب متأتية من أنَّ كاتبه هو الابن البكر للشخصية السياسية العراقية النزيهة والمخلصة والصادقة مع الذات والنفس، الأستاذ كامل الجادرجي (4/4/1897/ الخميس الأول/ من شباط 1968) مؤسس ورئيس الحزب الوطني الديمقراطي، الذي يعد من العلامات الشاخصة والمهمة بالحياة السياسية العراقية، منذ عقود خلت ولا سيّما بعد السماح بتأسيس الأحزاب وإطلاق حرية الصحافة والتظاهر بالعراق سنة 1946 إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية ( (1945-1939بانتصار الحلفاء ودول الديمقراطية، وزوال ما كانت تستدعيه ظروف الحرب من بعض التشدد والتوجس، فأجازت وزارة الداخلية، تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي، فضلاً على حزب الاستقلال برئاسة السيد محمد مهدي كبة، الذي كان يمثل التيار القومي العروبي في العراق.
أهمية هذا الكتاب ليست جائية من أنَّ مؤلفه هو الابن البكر لكامل بيك الجادرجي، بل لأنَّ كاملاً كان يضع ثقته في نجله الأكبر، فكان يعمل على تنمية شخصيته منذ صباه الأول، ويَشرَكَهُ في كثير من أمور البيت والحياة، وازدادت هذه الثقة، وهذا التأسيس والحفر في الذات مع الأيّام، حتى إذا تزوج رفعة من بلقيس كريمة الباحث محمد شرارة كانا؛ رفعة وبلقيس مستودع أسرار كامل بيك، وموضع مشورته، وآرائه.
الكثير من كتب المذكرات تأتي مجاملة ومرتشة، ولا سيّما في عالمنا العربي والشرقي، بخلاف الغربيين، ولأنّ رفعة عاش طويلا في لندن لغرض دراسة الهندسة المعمارية فضلاً على أنّه يحيا فيها منذ أنْ أطلق سراحه سنة 1981إثر وشاية مغرضة من بعض أصحاب النفوس المريضة وهو ما فصله في كتابه المهم (جدار بين ظلمتين) الذي كتبت عنه حديثا نقديا نشرته جريدة (المدى) في ملحقها (أوراق) يوم الأحد 11/11/ 2012 وهو أحد فصول كتاب لي عنوانه (في مشغل النقد – الإبداع ناظرا .. الإبداع منظورا إليه) نشرته دار فضاءات في الأردن 1435 – 2014. فلقد كان في كتابه هذا الذي يؤرخ لحياة أبيه ولحياة الأسرة على مدى عقود منذ ( (1929 يوم كانوا يسكنون محلة الحيدرخانة في رصافة بغداد، حيث ولد كامل، فضلاً على جده رفعة، وحتى يوم الخميس الأول من شهر شباط 1968 حيث توفي كامل بيك إثر نوبة قلبية حادة، ضربته وكان في استقبال عدد من ضيوفه وكانت النوبات القلبية قد بدأت تطرق حياته منذ صيف 1959 والفوضى التي ضربت العراق، والتضييق على نشاطات الحزب الوطني الديمقراطي، وما زال في الذاكرة الاعتداء الهمجي على مسيرة فلاحية كان ينظمها الحزب، متجهة إلى وزارة الدفاع حيث مقر رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم ضحى يوم الأول من حزيران 1959 فانهالت جموع الغوغاء على هؤلاء المساكين بتحريض من حزب كان يرى الحق معه فقط، ولا صوت يجب أنْ يعلو على صوته، فانهالوا عليهم ضربا بالعصي بشكل بشع، فكانت هذه الحادثة وحوادث أخر سبباً في مراجعة قاسم لحساباته معهم، وهو ما أظهره في خطابه في افتتاح كنيسة مار يوسف في تموز 1959. فاضطر كامل بيك وإثر هذه النوبة القلبية للسفر إلى موسكو لغرض العلاج، فكان يتحدث لاحقاً عن استيائه من المعالجة الطبية المتأخرة وعن ظروف الإقامة الرديئة في المصح وعن العلاقات الفردية غير المهذبة في موسكو، بحيث إنَّ كل شيء هناك بدا له متأخرا، وهو ما أفاض في الحديث عنه الشاعر حسب الشيخ جعفر في كتابيه (رماد الدرويِش) و(الريح تمحو والرمال تتذكر) ومن طرائف ما رواه كامل بيك – كما يذكر ذلك الأستاذ رفعة – بأنَّ كاملاً التقى بشخصية سوفيتية علمية من مرضى المصح. كان شخصية محترمة، فلما سأله الوالد: هل أنت شيوعي؟ أجابه أنّه لا وقت عنده لهذا. وكان أبي يعلق على ذلك بقوله: هذا عاقل. تراجع ص164.
وكان طبيبه الخاص، طبيب القلب البارع شوكت الدهان قد تعهد إليه بأنه يضمن له العيش لعشر سنوات قادمات إذا ما التزم بتوجيهاته الطبية، وهي المدة، التي عاشها حقا، وكان الدهان الرائع يعوده طبياً، وأوصاه باستعمال الحقنة إذا ما دهمته النوبة، ولكن يا لسوء الأقدار إذْ دهمته، وكان مجتمعاً ببعض أعضاء قيادة الحزب القدامى، فخرج إلى غرفة المكتبة ليسعف نفسه ولكن، لم تسعفه يده لزرق الحقنة في ساقه، إذْ فقد الوعي، وانسكب الدواء على بنطلونه. لقد كان الموت هذه المرة أسرع إليه، وانقض طائره سريعا ليقطف روح كامل الجادرجي، خرج طبيب القلب النطاسي البارع شوكت الدهان من عنده، ضاربا جبهته قائلاً: مات كامل مات.
تلمس وأنت تقرأ فصول هذا الكتاب المهم، صدق كامل مع ذاته وتماهيه مع آرائه بعكس آخرين يدعون إلى أفكار ويعتنقونها لكنهم ينأون بأنفسهم عن تطبيقها، وما خبر الشاعر جميل صدقي الزهاوي ببعيد عن أذهان الدارسين، الذي كان يدعو إلى سفور المرأة، لكنه كان يحجر امرأته في البيت، وكان إذا زاره زائر هتف بها أنْ تخلي الطريق لزائره وتذهب إلى غرفتها، أو دعوة جعفر أبو التمن إلى الحياة العصرية، حتى إذا رجاه نجله عباس أنْ يسمح له بتعلم العزف الموسيقي رفض ذلك بشدة لكن كاملاً كان متماهياً مع أفكاره ومتطابقا، لقد كان أشدّ ما يبغض الكذب والتبجح والبخل، لذا حدد علاقته مع السيد محمود صبحي الدفتري زوج شقيقته الوحيدة (صبيحة) بسبب مسألة إرث بعد وفاة زوجته بالمرض الخبيث بلندن شتاء سنة 1950 إذْ كان قد طلب من بناته، ولم يرزق الدفتري بولد والذي مازالت بناته يسكن في دارتهم الأنيقة المطلة على دجلة في محلتنا الشعبية الكرخية الشواكة؛ إذْ طلب من بناته أداء قسم كاذب للحصول على إرث، فثار كامل لهذا التوجه وتنازل عن حصته من أخته، تفاديا لتعريض البنات، بنات أخته لسوء تصرف بسبب المال وهو ما دفع الدفتري لأنْ يغير مذهبه رغبة في المال الذي يحبه حبا جما، ومن آيات تماهيه مع أفكاره وسلوكه، أنّه كان لا يثق بمن يكذب ويقامر، لذا كان لا يثق بـ(قاسم حسن) على الرغم من مركزه المتقدم في الحزب، لأنّه كان يرسل سائق كامل الشخصي لحلبة سباق الخيل للرهان، فالمقامر والكاذب والمتبجح في حياته الخاصة، سيكون مدعاة للتوجس والريبة، في حياته العامة فكيف إذا تولى المسؤولية!
من آيات هذا التطابق الرائع بين الفكر والحياة أنّه على الرغم من خلاف الشيوعيين معه، ووصفه لهم بأنه لا يمكن العمل سياسيا معهم، فإنّه لدى اعتقال نجله الأصغر (نصير) وكان شيوعيا إثر حوادث شباط 1963 وكان قد أخرجه من التوقيف في معسكر أبو غريب لغرض الاستحمام وإرجاعه للتوقيف ابن خالتهم (حارث) نجل رئيس الوزراء العراقي الأسبق (ناجي شوكت) وشقيق الطبيب البارع (طلال) الذي توفي سنة 2004 كامل بيك يستدعي نجله رفعة قائلا له: لقد كلمت نصيرا، وأطلب منك أنْ تكلّمه أنت أيضاً، وأنْ تؤكد بأنْ لا يدلي باعترافات أو يشي بأحد، مهما كانت ظروفه، وإلا سيلوم نفسه طوال حياته ولن يتمكن أنْ ينظر إلى أولاده أو زوجته في المستقبل.
لقد كان كامل صادقاً مع نفسه إلى حد القسوة، لذا لم يستطع معايشة الحياة السياسية القائمة على الاستئثار والانتهاز، ولقد كنت أعجب كيف قبل هذا الديمقراطي الزاهد في مكاسب الحياة والداعي إلى الحياة المدنية والدستور والقانون، كيف قبل الوزارة في حكومة انقلاب بكر صدقي في تشرين الأول 1936 الذي جلب الويل للحياة السياسية في العراق؟، لأنه فتح شهية الجيش على السلطة والتحكم بها، وكان أول انقلاب عسكري في الوطن العربي، فكان هذا الانقلاب الطعنة الثانية في الحياة السياسية في العراق وكانت الطعنة الأولى وفاة الملك فيصل الأول المباغتة والمبكرة سنة 1933ولما تمضِ عليه سوى اثنتي عشرة سنة على بدئه ترميم الحياة في العراق، الخارج توا من السيطرة العثمانية المتخلفة، أقول كيف قبل بالوزارة؟ لكن إذْ نستقرئ التاريخ نجد أنّه استقال من الوزارة بعد نحو ستة أشهر على الرغم مما وفرته له من راتب جيد، إذْ كان راتب الوزير سبعين دينارا فضلاً على السيارة الحكومية الخاصة بالوزير. لم يقبل كامل الجادرجي إلا أنْ يكون متطابقا مع أفكاره فغادر وظيفته وإذ يسأله رفعة وكان يحدس أنَّ أباه على غير وفاق مع قائد الانقلاب وإذ يسأله عن ذلك يجيبه باقتضاب، ومعروف عن كامل بيك قلة الكلام ويتحسب لكل كلمة يقولها، وكأنه يحدس أنَّ ما يتفوه به لنجله الأكبر رفعة، سيكون معروضا على الناس مكتوبا في القابلات من الأيام، يتحدث بمسؤولية، يجيبه: إنّه لا يختلف عن أيّ عسكري آخر، كما كان سياسيو تلك السنوات معجبين بآراء مصطفى كمال في تركية، ومنهم شاه إيران رضا أبو الشاه الأخير (محمد) الذي أطيح به في شباط 1979 فضلاً على رئيس حكومة الانقلاب (حكمت سليمان) الذي كان يرغب بجعل القبعة الغربية غطاء لرؤوس الرجال المدنيين والعسكريين مخالفا بذلك توجيهات الملك فيصل الأول بجعل (السدارة) غطاء لرؤوس المدنيين وأطلق عليها اسم (الفيصلية) نسبة إلى الملك فيصل، كما كان مصطفى كمال يحتذي (جزمة) وهو ما دفع بالأستاذ كامل الجادرجي، لأن يتهكم من تصرفات حكمة سليمان المتأثرة بمصطفى كمال. قال رفعة: كنت أسمع من الوالد، على سبيل الذم بحكمت سليمان أنّه يتشبه بكمال أتاتورك، ويقول عنه باستهزاء: لعله سيلبس الجزمة قريبا، وأذكر قوله بالنص: فد يوم راح يلبس جزمة! تراجع ص71.
رجل هذا شأنه، يعتز بذاته، هادفا إلى خدمة بلده عن طريق الصدق والأخلاق خرج من الدنيا خالي الوفاض، إلا من حبِّ الناس واحترامهم له، لم يستطع العمل مع الحكم الملكي، كما لم يستطع التوافق مع العساكر الجمهوريين، وما خبر لقاءاته مع قاسم التي تحدث عنها نجله (نصير) في لقاء مطول أجراه معه الصحفي توفيق التميمي لإحدى الفضائيات ورسائله إلى الرئيس الأسبق عبد الرحمن عارف – رحمه الله – بخافية على أذهان الناس، ولاسيما الدارسون منهم.كامل الجادرجي، صورة نقية من صور الباحثين عن المجتمع الفاضل، والقريبين من اليوتوبيا، التي تدعو إلى أنْ يعلو الإنسان بذاته، ويسمو بتوجهاته لكن الإنسان مجبول على صغائر الحياة وسفسافها وكان على النقيض من هذه التوجهات السامية التي كان يدعو لها كامل بيك فخرج من الدنيا كما دخلها أول مرة، نظيفا نزيها، عفيفا، وحسبه أنّه وضع أسساً لحياة في العراق ولكن.. تجري الرياح – أحياناً – بما لا تشتهي السفن.























