الأنساق الأفقية للكتابة والتلقي
مهند صلاح
(في البدء كانت الكلمة)، و بدأت مع هذه الكلمة انصهارات عميقة بين تناول ثيمة الحدث و نشأة الحضارة و تطويرها، وصولا الى تجديد إتجاهات متعددة لبوصلة الكتابة بكافة صنوفها، و نشوء منطقة محايدة و ملاصقة بدأت تختار و تحدد نوعا ما يمكن تناوله، و التعامل معه، مع كل هذا الكم من الكتابة، و هي لا تقل أهمية عن فعل الكتابة، لأنها ستحدد ما سيستمر منها أو يندثر، إنها التركيبة العقلية و الفكرية للقارئ و المتلقي، التي كانت تتطور بأدواتها مع تطور النصوص والأحداث، فأينما يوجد الإبداع سيكون لزاما وجود متلقي جيد يرافقه، وإلا فقد لمعانه و هيبته و سطوته، و ربما سوف ينزح هذا الإبداع نحو عقول خارج إطار منظومة المكان، إذا لم يجد عملية التلقي بالمستوى المطلوب الذي يطمح له، في السابق كانت القراءة تمتلك نسقا عموديا يتوافق مع آلية تقدم النتاج و تطوره، بل إنها تتفوق عليه فتدفعه نحو الطموح للتطوير و الإبداع، و تنشئ معه أواصر لعلاقات ممتدة و واضحة من الإرتباط الوثيق، و بالتالي سينتج من خلال كل هذا علامات فارقة تؤسس لمجتمعات تمتلك رصيدا فكريا و ثقافيا يؤهلها لتكون بالمستوى المطلوب من الحنكة و الدراية بكل تفاصيل المشهد الإنساني، و بمرور الوقت و إنسياب عجلة الزمن، بدأت تنشأ ثغرة أخذت تتوسع شيئا فشيئا بين شركاء الفعل الفكري (القارئ و الكاتب)، ليتغير بالتالي الشكل البياني لهذه العلاقة، و يظهر بصورته الأفقية الباهتة، و تصبح عملية التلقي و القراءة تعتمد على ما تركه الأثر (من القارئ الى القارئ الذي بعده)، (و من الكاتب للكاتب الذي يليه)، و كإنها عملية إستنساخ زمكانية للأفكار و العقول، و إتاحة الفرصة أمام العقليات الرثة و الرتيبة، لتطفو على سطح الساحة الفكرية و الثقافية، و تظهر على إنها هي من يتولى ادارة المراحل الإبداعية، و هنا إنقسم القراء الى صنفين، فمنهم من أخذ على عاتقه أن يبحث في آليات تطوير ذائقة الإختيار و التلقي لديه، و هم قلة قليلة جدا بدأت تنقرض بسبب تردي النتاج و تكراره، أما السواد الأعظم المتبقي من القراء، فقد تمسكوا و إكتفوا بأنساق القراءة الأفقية، عبر إستنساخ أفكارهم و توريثها و التحكم بمؤشرات الإختيار لدى الاجيال التي تليهم، و هم بهذا قد اساءوا للواقع الفكري بحجم الإساءة التي إعتمدها الكتاب الطارئون، و ربما أكثر من ذلك، كما و يعود سبب حدوث هذه الفجوة بين طرفي العمل الإبداعي للعديد من المجريات التاريخية و التغييرات الايديولوجية التي مرت بها الرقعة المكانية لفعلي القراءة و الكتابة، فمنها ما صنع علاقة تحدي و عدم رضوخ و قبول بما يطرح بشكل قسري للكتابة أو القراءة، و منها ما نجح في أن يبني سدا منيعا، قطع فيه السبيل لتحديد مؤشرات الإختيار لدى الطرفين، و هنا كان لا بد أن نعي بأن الإنسان يقع ضمن مسؤوليات الأمانة التي أوكلت اليه في الحفاظ على الرسائل و القضايا الفكرية و الإنسانية، التي يحملها على عاتقه، و إيصالها و تناقلها للأجيال القادمة، التي ستلعن او تفتخر بمن سبقها، حسب الفعل الإبداعي و حجمه، عبر ما وصل لهم من عمليات النحت في جرف الفعل الناقل لهم، و هذا لن يتم ما لم تتخذ خطوات تجعلنا نفيق من حلم الإهمال و التباطؤ و الكسل الذي نمارسه بشراهة، لنتجه نحو إعادة الأمور لمسارها، و ردم كل الثغرات، و العودة بالخط البياني نحو إتجاهه العمودي، كي نكون بهذا بحجم ما أوكل لنا، فالتاريخ لا مكان فيه للمتقاعسين ….























