قبوط هتلر وإدانة مظاهر البؤس والحرمان

قبوط هتلر وإدانة مظاهر البؤس والحرمان

توظيف العناوين في البنية الحوارية

سمير الخليل

  إن من يقرأ نصوص القاص حميد الزاملي يمكنه من خلال مضمونها ان يكتشف انها نتاج وعي فكري وجمالي لكاتب أجهد نفسه للوصول الى شيء جديد مختلف في محاولة لتميزه وقد اتضح ذلك من خلال تجسيد المتون الحكائية وتمثلها وإعادة توظيفها في البنية السردية الجديدة، وجعلها ضمن نسيجها القصصي ، وذلك بدا جليا في مجموعته القصصية ( قبوط هتلر ) التي جسدت التنافذ ما بين الفنطازي الغرائبي والحكائي الذي أسبغه الكاتب على اغلب نصوصها فصار الأسلوب الذي يميز مسرود حميد الزاملي  . وإن وعي القاص بنوعيه الجمالي والفكري كشف عن رغبته بالتمرد والتغيير التي جاءت متطابقة في مضمون ما قدم على مستوى الرؤية والواقع، ومن الملاحظ انه سعى عبر قصص هذه المجموعة جاهدا إلى إدانة مظاهر الحرمان والبؤس عبر مستويات اللغة القصصية التي لا تخلو من المجاز والاستعارة ذات التكثيف الحسي العالي والتوتر والايحاء مما أفضى إلى خلق مناخات وعوالم قصصه تكشف عن علاقة شخوصه المتوترة مع الذات والعالم، وتنال شعرية اللغة السردية التي وظفها أبعادها الايحائية البعيدة . إن اعتماده البناء السردي المتماسك والذي اتسم في أحيان كثيرة إلى الاقتصاد في اللغة، مما افضى بها إلى الميل الى التكثيف العالي والمجاز   فجعلها اقرب إلى التبئير الشعري  عبر اللغة الشعرية الموحية .    وفي بعض من قصصه تتماثل شخصيات أبطاله في شخصية واحدة او اكثر، بسبب تشابه الاجواء النفسية والروحية، او تطابقها في مستوى التجربة، وعلاقة كل منها بالواقع الذي تعيشه في حالة غربة وانقطاع عنه هذا ما مثله حواره مع صديقه بائع الملابس الذي كان حوارهما متماهيا مع تفكير كل منهما في رفضه للواقع ومحاولة التمرد عليه :

( ـ هذه المرة بدلات رجالية ومعاطف وجيوب..   قال ذلك هادي بصوت منخفض وهو يفتش جيوب الملابس المعلقة متوقفا على حين غرة امام المعطف ذي الازرار المعدنية المعلق في حمالة بلاستيكية..تطلع اليه بدقة ثم ارتداه بتمهل ماسحا ذرات التراب القليلة عنه..توقف امام المرآة محدقا لجسده داخل المعطف الطويل..قرأ بصوت عال اسم الشركة المصنعة الملصقة فوق الجيب الداخلي..نظر الى الازرار المعدنية قائلا:

ـ ساحتفظ بهذا المعطف الالماني..ما رايك؟

ـ براحتك..

ـ انه (رئاسي)..الا ترى؟

ـ رئاسي..هتلري..قال موسى ذلك بسخرية وراح يقهقه عاليا..هههه رئاسي..ههههه رئاسي لا يقتنيه الرؤساء..هههههههه انه قبوط هتلر..) ص71.. فكان عنوان هذه المجموعة موظفا ضمن البنية الحوارية التي دارت بين هاتين الشخصيتين المتشابهتين في الرؤية والتفكير . ان قصص قبوط هتلر تمثل مغامرة نسجت من خلال تكوينات ثيمية متعددة أعادت توزيع الملفوظ ودلالاتها من خلال اللجوء إلى تقنيتي الهدم والبناء فهو في احيان كثيرة يحاول ان يجعل سلطة النص تهيمن على عوالم متلقيها عبر فض الفضاء المشكل لها وزجها في وحدة دلالية تتضح بشكل إشاراتي رامز ومنفلت من النص ذاته ،فقد ارتكزت نصوص المجموعة على أسلوب فني جاور نفس القارئ/ المؤلف عبر ثنائية  “الذات/ الموضوع”،  ( عجبا للمقابر صار الموت يتعجلها ويطاردها هي الأخرى كما الجميع قبل الأوان انه لا يفرق بين حبيبة وشجرة او قمر أو صديق أو حتى وطن لقد تغيرت الدنيا وصارت عبارة عن انتظارات وصمت … يكرر الكلمات ذاتها كلما مر من هنا انه يدرك عدم جدواها ربما ثمة هاجس يدفعه لقولها مع تمتماتها المعتادة … 63 ) فقد حاول الكشف عنها عبر المسرود وما تحمله من الذاكرة لتعزيز الفعل الدراماتيكي للدلالات الكاشفة على متصالحات متوائمة تتخاصم في الجسد المكتوب لتتماهى في الجسد اللامكتوب..الذي شكل بمجموعه نسقا كشفت عن مضمراته عتبات نصوصه العنوانات: لعبة في زمن الموت / ملك الجان / أعمدة الطريق / الحقيبة السوداء / الصعلوك الأخير / المقبرة / شجرة التوت / أنا قتلت الرئيس / ديك الملك / الوجوه / يبحثون عن الخلود / قبوط هتلر / ذات الوشاح الأحمر “…    ان هذه القصص ومن خلال عتباتها الأولى المنسوجة ما بين  وهج  ذاكرته   قدمها كسردية متنوعة بتقانة جامعة للمكانية الواقعية بالمكانية المتخيلة، تاركا للمتلقي ان يتفاعل وان ينسج دلالات جديدة عبر التأويل ليكتشف ما اضمرته هذه النصوص.