الترابط اللغوي والحركات الإنتقالية.. شاعر يرحل صعوداً إلى الأسفل
مالك جابر الحميداوي
أن الترابط اللغوي بين الحركات الأنتقالية أخذت على عاتقها التبلور بين طيات النص وكلّ حركة لها طابعها الملموس عند القراءة والتمعن الجوهري الذي يصدر من التوقف الحتمي عندَ كلّ كلمة وما يختبئ وراءها من معان كثيرةٍ تعتمد
بالدرجة الأولى على الفكر الشاسع والخيال النابع من رحمِ البلاغة الذي يتمتع به الشاعر وهذا يُمهدُ لهو المضمار المُعبد للوصول إلى الذروة الحقيقية بإيصال المعنى للمتلقي وهذا جلَّ ما يرنو له ، وها هنا أعتمد الشاعر ميثاق الحلفي على توصيل الفكرة المُكتنزة من خلال
نصٍ مُفعمٍ بالدلالات الموحية ذات جمالية تشّد القارئ إليها تطوعاً ومن غير تكلف لمعرفة الأسرار التي تنطوي خلف كواليس الحروف وهذا
يتبين لنا من خلال نقطة الأنطلاق ( صعودٌ الى الأسفلِ ) أن هذا العنوان هو بحد ذاته قصيدة ربما لاحظها من مرَّ عليها بِتمعن أو حتى مرورَ الكرامِ ،وأن هذا العنوان يتطلبُ من قارئه مراساً ودربةً ومعايشةً واستئناساً كبيراً لفهم مغزاه فهو يحمل رمزية عالية الدقة أستطاع الشاعر به أن يولد عناصر الدهشة عند القارئ ويجعله يطرح
سؤال يتمركز في ذهنة وهو كيف يمكن الصعود الى الأسفل ؟ والجواب موجود في لبّ النص عندَ معرفة خباياه وكشف جميع أسراره.
يقول شاعرنا السومري في هذا المقطع
منذ البدء
وشوارعنا الضيقةُ تشنِقُ نفسهَا
تعيسةٌ
مثل يهوذا
لا تلبِسُ الاّ خطايانا
نَخَرتِ الآرضةُ اثوابَ عرائسها
ولا يعلو شعور نسائها
سوى اتربةِ المقابرِ
هنا يمكثْ الفكر والتأمل المرير بهذه القطعة الفريدة من نوعها وما تحويه من جماليات اللغة
وهي أشبه بأنهمار المطر وفيضان البحر هطلت علينا من ينابع اللغة تستأصلُ الأرواحَ الملهمةِ
بهذا البوح الشفيف حيث الألم المعتق خلف أوجهِ الحروف ، وما يمضي من الترابط الفكري الذي يتيح الغوص نحو الأعماق والتأمل بكل كلمة ، فكيف للشوارع أن تشنق نفسها وكيف هي تعيسةٌ مثل يهوذا ذالك الأخ الذي يحمل الحقد والكراهية تجاه أخوه يوسف (عليه السلام )
وظلَ يتصارع مع نفسه من أجل أن يتولى زمام الأمور فإي تشبيهٍ هذا وأي تصويرٍ ذاك قد تتوقف عنده كلّ الحواس تعتريها الدهشة ويصيبها عملقة الفكرة ، ويستمر تفجر الحروف
المُتدفقة كأنها السيل (لا تلبسُ الاّ خطايانا_ نخرت الآرضةُ اثواب عرائسها ) هنا تتدفق الصور وتحمل معها أستعاراتٍ وكناياتٍ تثري البلاغة المُتجسدة من هذا البوح الذي أطلق العنان له الشاعر بكلّ ما يمتلك من أدوات الجمال .
كاذبةٌ .
هي تلكَ السُّحبُ
واعيادُ الميلادِ
فكلّما يُولدُ طِبشورٌ
توأدُ الفُ سبورةٍ
تأمل معي هذا المقطع القصير الذي يخطف الأبصار مثل ومضة برقٍ ويلهب النفس كأنه قصفة رعد ،
كأنهُ رسمها بألوانٍ بريقة المظهر ، صورها بأروع الصور ذات الثيمات المتكللة بالإبداع ، ختمت على القلوب بصمتها حتى نُحتّت على جدرانه ، أننا أمام شاعر يعرف ماذا يكتب وكيف يُعبر عن خفايا الإبداع الحقيقي وهذا نُلاحظهُ من كثرة الصور المركبة والأخيلة الكثيفة واللغة التعبيرية في أقصى حالاتها الإيحائية ودلالة الرمز المشع الذي يتوهج داخل النص الأدبي ويضيف عليه بهاءً وألقاً .
النورُ .
زيته شحيح بينما
نتسمّرُ نحن كاطفالِ اغبياء
نُطيلُ النظرَ من ثقبِ رئةِ السراجِ
لعوراتِ الارصفة
ألهتنا صلاةُ الامامِ الطويلة
ووثقنا.. بما تقبض يده من حباتِ المسباح
فرهنَ صومعته لسذاجةِ عقــــــــولنا..
هنا يحاول الشاعر للوصول إلى تخوم ذروتهُ التي تكاد تلامس الواقع المفروض والمعاش وهو يفتح الأبواب على مصرعيها للنيلِ من تلكَ الثلة التي فتكت وأفسدت المُجتمع تحتَ رداء الأسلام ، مُتوهمين أن الأمة مازالت في سبات
يعتريها الجهل والتخلف وأن جميع الأمور التي يعملون بها قد تنطوي وبشكل موثق على تلك العقول التي لا زالت ساذجة ولا يعلمون أن البذرة قد تنمو حتى تطفو فوقَ سطحِ الأرض لتعتلي هاماتها الشامخة عنان السماء ، فالعقول التي كبلت بالأغلال وأصبحت في ظلام مُعتم قد بزخَ النور فيها من جديد وحطم تلك الأغلال التي كانت تجتاحها .
منذُ الف حُلمٍ
وابنُ سيرين
يتمنى ان لا ننامَ
فاحلامنا اكبرُ من وسائدنا
يتسلقُ القلقُ
من لبلابِ الحدائقِ
يئن المعولُ
في ايدي العاطلين.
فأي خدعةٍ. يحملها
لنا الميلاد. .
غير الصعودِ الى الاسفل
يستذكر الشاعر هنا مقتطفات من حلمٍ أزلي مُعدةُ للتأويل والتفسير على يد الورع والعالم الجليل محمد أبن سرين ذلك المُفسر الكبير للأحلام والرؤيا يتمناه موجود كي يفسر أحلامنا التي لا نعرف لماذا لا تتحقق وهي أبسط من البسيط فأُمنياتُنا التي طالما تبحث عن السلام ولقمة العيش قد باتت في سبات عميق و تكاثرت عليها الويلات وخيم عليها الحزن وأصبحنا في دوامة لا مفر منها ، ودائماً يصاحبنا القلق والخوف من المجهول الذي يُختبأه المستقبل لنا وأمورنا تتراجع شيئاً فشيئا وكُلِّ عامٍ جديدٍ يأتي لا نجد فيه رائحة الأمل ، حتى نتصارع مع أنفسنا للصعود ألى الأعلى وسرعان ما تنهك قوانا ننزل إلى الأسفل وأرادتنا مُقتنعةُ بالواقع المرير .


















