متاعب البحث عن الغلاف

متاعب البحث عن الغلاف

عندما دفعت بمجموعتي الشعرية (اسرار قراءة الطريق) للطبع لم اكن قد هيأت الغلاف لها، وعندما طالبتني المطبعة بالغلاف ذهبت الى المكتبات العامة والتجارية باحثا في الكتب التي تتناول الفن التشكيلي عن لوحة يمكن ان تصلح غلافا، وكان من الصعب إيجاد غلاف يكون واجهة فنية ومضمونة للمجموعة خاصة وانك مطالب ان لا يكون الغلاف مشابها لاغلفة أخرى، وان تكون العلاقة بين الغلاف وقصائد المجموعة علاقة خاصة وليست مقاربة للعلاقة بين الغلاف والمتن في كتب أخرى، وانك مطالب ان تختار غلافا يكون واجهة للنص، ويضيء محتوياته، وليس غلافا معتما يطبق على النص بظلامه وعتمته، ولا يترك نافذة صغيرة يطل من خلالها القارئ على محتواه وعلى ما يضم من ابعاد وخفايا مضمونة، واذكر انني بحثت في كتب الفن التشكيلي عن اللوحة المطلوبة ولم اجدها، فاغلب اللوحات ذات عناصر واشكال وتراكيب تعكس الواقع الذي صدرت عنه، وهناك لوحات ذات طابع جمالي تزييني تعطي للغلاف بعدا جماليا ولكنه لا ينسجم مع متن المجموعة، وهناك لوحات يمكن ان تكون أرضية لبناء غلاف معين، وهي رغم ذلك لا تبتعد عن واقع الفنان ومرحلته ولا تصلح غلافا للمجموعة. وتبرز امامك لوحات مغرقة بالألوان المتعددة، ولكنها رغم ميلك اليها واستعدادك للتعامل معها بحاجة الى مبالغ كبيرة، وقد تميل الى رسمها من جديد والاقتصار على بعض جوانبها، ولكن ذلك قد يؤدي الى تشويه اللوحة، وجعل الغلاف المستمد منها جزئيا ومحدودا ولانني قليل الخبرة بالفن التشكيلي والاغلفة فقد تركت الاستعانة باللوحات التشكيلية العراقية والعربية والعالمية وذهبت الى صديق من الفنانين التشكيليين، حيث أوضحت له عنوان ومحتوى المجموعة، فبادر الى رسم لوحة، احتلت موقع الغلاف وتصدرت قصائد المجموعة كلها، ولم تكن هذه اللوحة هي الأفضل والاقرب للمجموعة الشعرية من اية لوحة أخرى، ولكنها لم تأخذ الوقت المناسب لتكون كذلك، وانجزت تحت الحاح المطبعة وتواضع ومحدودية الخبرة الفنية لدى المؤلف، والاعتماد عليه في اختيار الغلاف بالرغم من ان اغلب كتاب النقد والقصة والرواية والشعر لا يصلحون حكما وعيارا للفن التشكيلي، وهناك من يضع حواجز وفروقات بين الفن التشكيلي وبين الاجناس الأدبية، ولا يصلح لرسم الغلاف كل فنان، فهناك من لا يمتلك قدرة على مثل هذا التوجه، وهناك من يقدر على ذلك، ولكن رسومه محددة باتجاه معين ولا تصلح لكل الاتجاهات والانتماءات الفنية الثقافية ثم ان بعض الفنانين لا يريد لاعماله ان تتخذ بهويتها وطابعها الخاص بها، وان لا تكون صالحة للاستخدام في مجالات أدبية وثقافية، وان تكون مشاعة في ميادين وحقول أخرى، ولعل اغلب الفنانين يميلون الى هذا التوجه، ولا يريدون للوحاتهم ان تستخدم في توجهات وميادين أخرى، ولست الوحيد الذي عاش معاناة البحث عن غلاف (مربع) استجابة لالحاح المطبعة فقد وجدت الكثير من الادباء والكتاب يشتركون معي في هذه المعاناة التي تلقي الباب الكتاب طبعا ونشرا وتوزيعا على عاتق المؤلف، ولعل الأشد معاناة من ذلك ان يترك المؤلف كل متطلبات ومراحل طبع ونشر الكتاب على المطبعة او دار النشر، فهو في مدينة وهي في مدينة أخرى، وهو في دولة وهي في دولة أخرى ولعل في غير المعقول ان يكون لجميع أصحاب دور النشر من الخبراء والمثقفين ولكن هناك من يجعل من نفسه أستاذا للمؤلف، وخبيرا بالتأليف ويكون مسؤولا عن طبع نشر وتوزيع الكتاب في جميع مراحله، دون أي دور وحضور من المؤلف او بدور وحضور محدودين يتم من خلال الهاتف او شبكة التواصل الاجتماعي او اللقاءات السريعة وقد اصبح واضحا ان بعض دور النشر تسمح لنفسها باجراء تغييرات في المتن والعنوان واختيار الغلاف لاسباب تجارية، لجذب القراء لشراء واقتناء كتاب معين، وقد شاهدت في احدى الفضائيات حوارا مع روائية عربية، استفسر فيها المحاور عن أسباب وضعها على الغلاف جملة ذات مغزى طائفي، فاكدت الروائية التي تعيش في اوربا، ان صاحب دار النشر وهو فرنسي وضع هذه الجملة لاسباب تجارية، ولجعل الرواية ذات صلة بما يحدث في العراق من صراع طائفي. وهناك أصحاب دور نشر يتعاقدون مع المؤلفين لانجاز كتب ذات مضامين مفترضة او مستمدة من واقع معين، وقد تكون هذه الكتب مكرسة لخدمة جهات معينة، سياسية او دينية ولكن المؤلف يبيعها للناشر وهي في طور الولادة والمخاض ودون ان يتدخل في اختيار أي جانب او عنصر منها، بل انه يترك امرها كله للناشر، ويبادر الى الوقوف مع الناشر عندما يكون الكتاب بحاجة الى حذف او زيادة او إعادة صياغة بعض السطور والصفحات او جعل الكتاب اكثر استجابة للأغراض التجارية والاغراض ذات صلة بها. ويحصل ان تستغل بعض دور النشر غياب المؤلف او بعده الجغرافي عنها، لتصدر الكتاب في اكثر من غلاف، واحد للمؤلف وحسب اختياره ورضاه واخر للأغراض التجارية، وهو يكون بغلاف تجاري او مصمم حسب رضا جهات معينة، وعلى العكس من ذلك فان هناك دور نشر حريصة على إقامة افضل العلاقات مع المؤلفين وعدم المساس باي عنصر من عناصر طبع ونشر وتوزيع الكتاب دون الرجوع الى المؤلف ورأيه وملاحظاته وقد يتصور البعض ان المؤسسات الرسمية افضل بكثير من دور النشر الخاصة في التعامل مع الكتاب طبعا ونشرا وتوزيعا وهذا صحيح ولكن هذه الصور لا توفر اغلفة جيدة في كل الأحوال اذ ان اقسامها الفنية تعتمد على وظيفتين ويكون بعضهم قادرا على تقديم اغلفة جيدة فيما يحاول البعض الاخر تصميم المتن والغلاف حسب صيغة متعاقبة سنوية او ثابتة او متغيرة حسب طبيعة كل كتاب. ان الكتاب ليس جهد الناشر، او جهة المؤسسات الثقافية وانما هو في الأساس جهد المؤلف وهو قاعدته ومحتواه، ولكنه يتعرض الى الظلم والتهميش في المنطقة العربية، ومع ان هذا العالم والتهميش على درجة عالية من الوضوح والتكرار اليومي الا ان المنظمات الثقافية الرسمية وغير الرسمية لم تبادر الى وضعه امام دور النشر والاتفاق معها على صيغة تضمن حقوقها وحقوق المؤلف، بحيث يكون للمؤلف دوره في اختيار الغلاف والجوانب الفنية الأخرى، ويكون الموظفون العاملون في الأقسام الفنية من قراء الكتاب ومن الذين يحرصون على التواصل مع المؤلفين لاصدار مؤلفه لكل ما يطمح اليه القراء والمؤلف نفسه من جودة وتطور. وقد خطت بعض دور النشر خطوات مهمة في تقديم تصاميم واغلفة جيدة من الناحية الفنية وان المطلوب دراسة الخطوات وما يتصل بها من تجارب عالمية ولكي يتم تأسيس تقاليد وتجارب متقدمة في العلاقة بين النص والناشر والنص والناشر أيضا.

رزاق ابراهيم حسن