توظيف مدلولات إيصال الفكرة إلى القارئ
مفاتيح ورموز لدخول في ليلة الملاك
فيصل عبدالحسن
أن ما كتبه نزار عبد الستار في ليلة الملاك توطئة حقيقة، وعتبة، لما آل إليه الأمر أخيراً في نصه الروائي اللاحق: الأمريكان في بيتي!! ولروايته الجديدة “يوليانا ” 2016، التي كتبها بأسلوب ملحمي، وتطرق من خلالها لموضوعة ظهورات الديانة المسيحية.
وعلاقة هذا بالحب بمفهومه الإلهي والبشري، ودقق من خلالها في تفاصيل بيئة مغيبة تماماً عن التناول الروائي العراقي”.
ليلة الملاك أعادتني لكثير من الهواجس والأفكار والشعور بالمرارة لما مر به العراق من أحداث وحروب، وكل تلك العودة المأساوية، جاءت من خلال نص روائي متداخل كتب بلغة الشعر فيه الإدانة لكل شيء، وحتى للذات التي تسجل تلك الصفحات من العذاب، من خلال طائر أسطوري أسمه (السمارتو) وحمل سمات حمامة أتنبوشتم في ملحمة جلجامش العراقية أقدم ملحمة شعرية في العالم.
وأتونبشتم هو ( سيدنا نوح في القصة القرآنية المعروفة ) وحمامته التي يطلقها باحثة عن أرض بعد اليوم السابع للطوفان برأس بشري، وبعمر تجاوز السبعة ألاف سنة.
وقد كان السمارتو شاهداً على بزوغ ممالك ودول عراقية منذ الأشوريين، ورأى مهالك تلك الدول بطغيان ملوكها وحكامها، ومفاسد أهلها.
كان قد رأى حصار وخراب أورشليم على يد سنحاريب ونبوخذنصر، وما فعله أشور بانيبال الملك الأشوري المعروف بمكتبته الضخمة وأعماله الحربية الأخرى.
مدينة الموصل
ورأى خراب بغداد بأيدي جنود هولاكو وحريق مكتباتها، رأى ورأى حتى صار في النهاية جاسوسا لشوارسكوف قائد القوات الأمريكية العام أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991 ..!!
ولأن الكاتب من مدينة الموصل العراقية، وهي المدينة التي أنجبت معظم القيادات العسكرية في الجيش العراقي منذ تأسيسه عام 1921 فربما تأخذ الشكوك القارئ إلى شخصية عسكرية عراقية حقيقية كبيرة يعرفها الكاتب ساهمت في ما آلت إليه الأحداث الحربية في عام 1991.
وما تبع ذلك من توقيع قرارات لانسحاب القوات العراقية من الكويت، ولكن الكاتب عبر عنها رمزا بهذه الشخصية الأسطورية المعقدة.
التي لا ينفي تكونها العجيب والخرافي ومساهمتها في بناء الممالك العراقية المختلفة على مر التأريخ وإرشادها للملوك العراقيين للخطوات الصحيحة في إدارة ممالكهم.
ولكنهم كانوا لا يأخذون برأيه فيسقط العراق تحت الاحتلال الأجنبي 23 مرة، خلال تاريخه الطويل، مما حدا بالسمارتو للثأر منهم بخيانة الوطن والمساهمة في تدميره خدمة للأجنبي الجديد القادم من بعيد!.
مفاتيح سرية
ما كتبه نزار في هذه الرواية عبر فيها عن اراء خطيرة إذا علمنا أنه كتب روايته في العراق أثناء حكم النظام السابق وهيمنته على كل مفردات الحياة وضمنها الحياة الثقافية، ومعاقبة من يتجرأ إلى الإشارة مجرد الإشارة إلى أن ما حدث في الكويت، وما كان يجب أن يحصل وما حصل، وأضر بالأمن الوطني العراقي، وأصاب استقلاله في الصميم!!
وكان على الجميع أن يرددوا أن انتصارا حدث هناك، والكلام كان دائما عكس الوقائع تماما، ولكن الكاتب بالطبع أحتاط لنفسه باستخدامه لمجموعة من المفاتيح السرية وآليات معقدة لدخول القارئ النص الروائي، وفهم أشاراته وتأويلاته وآليات كتابته.
كما استفاد من عدد كبير من المدلولات، والأسماء ليرشد القارئ لما يريد أن يقوله همسا، فوردت أسماء : عمو بابا ( وهو مدرب رياضي عراقي معروف)، الخضر ( سيدنا الخضر عليه السلام ) أسرحدون ( الملك الأشوري )، القديس، والأمريكي شوارسكوف، جاكي شان، آيس كريم، الحصة التموينية، أف 16، كسرا للحصار الجائر، بوش، يونس ذو النون النبي الذي يوجد قبره في الموصل، وهو النبي سيدنا يونس عليه السلام C.I.A -، ميراج، اتونوبشتم، وعلامات وإشارات دلالية أخرى جعلها رؤوس دبابيس لتوصيل معاني النص الحقيقية.
واقعة حقيقية
ولنزار كتابات أخرى في مجال الإبداع القصصي ( المطر وغبار الخيول قصص ) بغداد 1995 وكان قد أعقبها بمجموعة قصصية هي رائحة السينما ونشرت في بغداد عام 2002.
أما روايته التي بين أيدينا فقد كتبت عام 1999 في بغداد، وبغداد في العام 1999مدينة مفجوعة، فقد وصل الحصار الاقتصادي إلى مفاصل المجتمع العراقي كافة وأوجعها.
ووصل إلى آليات الدولة العراقية وهزها هزا عنيفا، وكذلك فقد بانت نذر الحرب القادمة لاحتلال العراق عام 2003 واضحة المعالم، وصار النظام أكثر توجسا في التعامل مع الناس في الداخل، والخارج وصار السرد الروائي عبارة عن إشارات وعلامات ورؤوس دبابيس كما كنا نسميها وقتذاك.
ولنا أن نقول أن ليلة الملاك شهادة حقيقة عما حدث وقتذاك وما أنعكس ذهنيا كنتائج لما يدورعلى الأرض من أحداث ومآس.
وربما انفتاح الكاتب بالكتابة الحرة من خلال مشروعه الروائي (الأمريكان في بيتي !! ) التي تحدث فيها عن واقعة حقيقة حدثت للكاتب وأهله.
لكنه أطرها بمصائب الوطن الحالية فصار البيت في الرواية وطنا ومعادلا موضوعيا في النص الأدبي، وبذلك فأنه نقل لنا حقيقة أن الكتابة صارت في ظل الظروف الحالية للبلاد في منعطف خطير.
وأن النزوع للرمز في الكتابة الروائية غدا ملمحا إجباريا على الكاتب الروائي العراقي، وعليه أن يجيده وإلا وقع في المحظور الذي ترفضه السلطات!!
حكى الكاتب في مقال له تحت الاسم نفسه كيف أن الجنود الأمريكان احتلوا سطح منزله لعدة مرات لإطلالته على الشارع، ولمراقبة أولئك الذين يضعون عبوات ناسفة في طريق دورياتهم.
وأنهم دخلوا بروائحهم المنتنة، وخربوا كل ما في بيته، وعاثوا خرابا فوق سطح بيته، مما أضطره فيما بعد أن يطلب من أحد الخطاطين أن يكتب بخط واضح على لافتة علقها على جدار منزله تحسبا لمجيء الأمريكيين مرة أخرى : Use Toilte please ولافتة أخرى كتب عليها : Keep the Room clean please !!
ليلة الملاك منشورات دار أزمنة/عمان-الاردن 107 صفحة قطع متوسط


















