نسكافيه بنكهة الموت مع الرضي

رواية بخلاف المتوقع من السياق

نسكافيه بنكهة الموت مع الرضي

جاسم الحبجي

ميادة خليل الوجه البصري الأنيق الممتلئ القا بصريا وعذوبة جنوبية الروائية العراقية المقيمة في هولندا تقدم لنا روايتها الاولى (نسكافيه مع الشريف الرضي) كنت أتصور روايتها التي أعلنت عنها قبل فترة فيها شيء من الحب والحياة الجنوبيةالعراقية ولكن جاءت روايتها التي انتظرتها طويلا مليئة باصوات الموت في كل صفحاتها حتى سببت لي الكآبة والحزن وهذا معناه ان الروائية نجحت نجاحا باهرا في مهمتها في الرواية . اعتبر الرواية من الروايات الناجحة من ناحية حجم الرواية واسميها رواية (عصر العولمة) فحجم الرواية هو من الورق المتوسط وعدد صفحاتها لا يتجاوز 110 . صفحات انجزت قراءتها بحوالي اربع ساعات متقطعة واعتبر ان الرواية ناجحة من حيث الحجم لأننا دخلنا عصر الفيس والنت والفضائيات والزحام الإعلامي والثقافي والفوضى السياسية وكلنا اصبح معنيا بذلك لاسيما ان الرواية تتحدث عن الوطن وأصبح الوقت شحيحا جدا لذلك فالروايات ذات الحجم الكبير تختاج الى وقت ليس متوفرا لكل قارئ وبالتالي فنحن بحاجة الى روايات (عصر العولمة) ومنها (نسكافيه مع الشريف الرضي) و(مقبرة الإنكليز للاروائي علاء شاكر وغيرها . استطاعت الكاتبة بمهارة الربط بين التراث والعولمة بين الشرق والغرب بين الاسلام والمسيحية بين الموت والحياة بين الوطن والهجرة وهي مهمة ليست بالسهلة وتحتاج الى ذكاء والمعية ومهارة وأناقة فائقة في الكتابة إجادتها الكاتبة بصورة ذكية وسلسلة ومبسطة في الوقت نفسة فكانت النسكافيه تمثل عصر العولمة والشريف الرضي يمثل التاريخ والتراث وهما ايضا الشرق والغرب فيما كانت الرواية تزخر بالأصوات الغربية والشرقية الاسلامية والمسيحية وكان مسرحها الوطن الام وبلدان الهجرة فيما كان الجميع في صراع مع الموت في الوقت الذي يقرأون فية الشريف الرضي ويشربون النسكافيه . (ماذا يعني ان تضع حدا لحياتك ؟ ان تقرر هذا بنفسك ؟ كان علي ان افعل هذا بعد موتها ، وبسرعة . لقد تأخرت كثيرا . في الحقيقة انا مت بموتها تحولت الى جثة) هكذا تفتتح الروائية ميادة خليل روايتها ماتت سلمى وبموتها مات ديفيد رغم انه حي فسلمى زوجته الميتة لاتزال تكلمه تذكره بالاشياء التي عليه القيام بها وتنبه عندما يتقرب من خطر ما بل ان ديفيد لايرى جدوى من زيارة قبر حبيبته وزوجته سلمى (ما جدوى الذهاب الى هذا المكان ، اذا كانت سلمى معك ؟ لا اخبر احدا بذلك إني أراها اسمعها هي وجدتي وأموات اخرين) يقول ديفيد . ص11 هكذا كان ديفيد حي يعيش مع الأموات (اتحدث معها لساعات طويلة ولا ترد تنظر لي فقط اخبرها بكل شيء كما لو انها هنا وليست هنا) ص12. قسمت الروائية روايتها الى 45 جزء كانت عبارة عن مجموعة حكايات مترابطة بطريقة فنية رائعة جعلت منها حكاية واحدة . (مات ديفيد) كلمتان افتتحت بهما الروائية الجزء الثاني من الرواية مات منذ شهر ولم يعلم به احد .ص12وعبر الدردشة أخبرت الجميع ان ديفيد مات سعاد ومرتضى وعلاء وسارة واحمد . ص14 لقد حاول ديفيد الانتحار عدة مرات بعد وفاة زوجتة – حبيبتة سلمى سكن في شقة جديدة بعد ومحاولته الانتحار الاولى (لكن ؛ في شقتي هذه وجدت سلمى معي . نعم معي …وجدتي .) ص15 (لست مجنونا انا أراهما بالفعل ارى سلمى تتحدث معي واسمع صوتها تنام معي تاكل معي … حسنا  الحقيقة لا تاكل انا من أأكل وهي تجلس قبالتي لتنظر لي وتبتسم فقط لقد دفنتها وكمال كان يبكي ونزل تابوتها الى حفرته حدث كل هذا بالفعل اعرف ولكني لم ابك لا اريد ان اصدق انها كانت في ذلك التابوت وكنت على حق سلمى هنا معي) ص15-16 لم تكن زوجة ديفيد سلمى هي وحدها تعيش معه بعد وفاتها بل ان جدته هي ايضا (أحب جدتي كثيرا عندما احاول احيانا تذكر شيئا جميلا عن طفولتي اتذكر فورا جدتي ظلت معي أراها بين الحين والآخر ولاسال وجهها كما هو توفيت بعد الحرب لكني أظن دائما انها توفيت بسبب الحرب) ص20 (حتى ذاكرة الحرب لا تنتهي آه الحرب يبدو ان الحروب تبدأ ولا تنتهي تبدأ فقط) ص21شمل الموت الموت ايضا والدة ديفيد فبعدما انفصلت عن والد ديفيد وتزوجت بآخر (توفيت أمي عندما اخبرني زوجها بذلك كتمت صرختي شعرت بغصة في حلقي وبكيت كما لم أبك من قبل شعور بالذنب لازمني طويلا بعد وفاتها) ص22جد ديفيد الضابط البحري كانت لدية مكتبة لا علاقة لها بعمله فيها كتب عن الشعر والتاريخ والفلسفة والروايات هو الاخر ايضا توفي قبل زواج ان ديفيد من أبيه ص26 (المكتبة لك قالت جدتي قبل وفاتها بعدة ايام) ص27 هكذا اقترن كل الشيء بالموت في الرواية الاكل والشرب وإهداء الكتب وزواج الام من الأب . (عن وفاة جدتي اختبأت بالسرداب لعدة ايام وعندما خرجت لم اجدها لم أبك على وفاة جدتي لم اصدق انها ماتت لا اريد ان اصدق ذلك في اليوم التالي وجدتها تجلس على كرسيها قرب المدفأة وتحول كعادتها كنت أراها في كل مكان لوم اخبر حتى أمي بذلك) قال ديفيد . تستمر حكاية الموت في الرواية فجاة ديفيد كانت تقول له ان روح جده تسكن في كل كتاب يقرأه ديفيدص28وحين تعرف ديفيد على سلمى للمرة الاولى في لندن خريف 1971 كانت ترتدي ثوبا اسود حدادا على والدها الذي توفي في بغداد ص21في العراق كان هناك حكايات من نوع اخر للموت فقد كان صلاح يتحدث دائما مع عمه موفق عن الكتب والسياسة والسياسة كانت دائما موضوعا مقلقا بالنسبة لوالد صلاح وكان دائما يحذر اخيه وينصحه بالابتعاد عن السياسة ووجع الرأس وكان الأب خائفا على ابنه صلاح من عمة موفق وتقلباته الفكرية وتوجهاته السياسية فيعد ان كان موفق شيوعيا يتحدث عن ماركس والرأسمالية تحول الى رجل دين متدين يقرا لمحمد باقر الصدر ويدافع عن فكره واهدافه وأخيرا اقتيد موفق من منزله امام اعين زوجته واولاده وتهمته كانت الانتماء لحزب الدعوه ثم اعدم ص24 بعد عدة أشهر بدأت الحرب (قادسية صدام) واقتيد صلاح للحرب بعد تخرجه من الجامعة التكنلوجية في بغداد عاد لاهله بعد عدة أشهر جثة مشوهه احترق في الدبابة … “شهيد “(في اليوم الذي دفن فيه صلاح دُفنا جميعا لم نعد كما كنّا ولا حتى الاشياء من حولنا موته كلن نهاية لزمن وبداية لزمن اخر) ص 35 ولكن ايضا الأموات في العراق مثل الأموات في هولندا يبقون احياء (في زيارتي الاخيرة الى العراق نمت في غرفته وحلمت به يجلس على سريره ويقرا كما رأته أمي وعيناها مفتوحتان وقال لي : ” آمنة اصعدي الى البيتونة ونتمي هناك ” ص36 اما كتاب الشريف الرضي الذي وجدتك آمنة في شقة ديفيد فهي لتعرف عنه شيئا سوى انه ولد ودفن في بغداد وقبرة الى جانب ضريح الامام موسى الكاظم ص39اخذت آمنة آخر كوب من النسكافية وغرقت في الكتاب ورسمت صورة له وهو يلقي قصيدة :

ارى الناس يهوون الخلاص من الردى وتكملة المخلوق طول عناء

ويستقبحون القتل والقتل راحتة وأتعب ميت من يموت بداء

ص40

حتى أبيات الشريف الرضي هنا في هذه الرواية تحث على الموت فالموت هنا بطريقة القتل وليس الانتظار على فراش

المرض .

الفكرة الموت او الانتحار لم تكن مقتصرة على ديفيد بعد وفاة حبيبته وزوجته سلمى فصلاح ايضا حاول الانتحار بعد وفاة عمه موفق اكثر من مرة (ركض الى سكين المطبخ فور سماعة الخبر تناول جرعة كبيرة من الحبوب المهدئة التي وصفها له الطبيب وأمسك بسلك كهرباء عار تداركنا موتة على يدية في كل مرة ولكننا تركناة للحرب) ص51-52.

اما الزيارة الى العراق او العودة الى الوطن فقد كان الموت ايضا حاضرا فيها بقوة (اخر زيارة الى العراق في عام 2006 ذهبت مع احمد وسليم اخو ابراهيم الذي يسكن هولندا لنقل جثة ابراهيم الى العراق …. ذهبت لتنفيذ وصية ابراهيم ،، اريد ان أدفن في العراق في النجف قرب امي وابي لا اريد ان أدفن غريبا ،،) ص55 ” هل سنزور قبر ابي ؟ هل سنتمكن من ذلك ؟ سألني احمد لم أكن اعرف ماذا أجيبه) ص55 (لو دفناه في هولندا أليس هذا أفضل ؟ على الأقل سنزوره بين الحين والآخر) ص55 ،، هذه وصيته ،، (من سيزوره ؟ مافائدة مجاورته للموتى وهو ميت نحن من نموت كلما تذكرناه ولانستطيع زيارة حتى قبره لماذا لم يفكر بِنَا انا وشارك وانت ؟) ص55

للموت احكام وطقوس وتقاليد تفرض هيمنتها على الحي والميت . الراوي والمتلقي القارئ العام والقارئ المتخصص . كان يتمنى العودة الى العراق لماذا ؟ (اريد ان اموت بين اهلي) ص55-56 هالك عدة طرق يأتي بها ونتمناه احيانا (اخجل من نفسي كلما تذكرت دعائي عليه بالموت والمرض اثناء خلافنا) ص56 الاخبار التي تنقلها وسائل الاعلام من العراق ايضا كان فيها رائحة الموت (راينا وثائقيا عن الحصار الاقتصادي على العراق امرأة في المستشفى بلغتها الممرضة موت رضيعها ظلت تصرخ وتضرب رأسها حتى تعبت من الصراخ والبكاء) ص 69 وجدت في مكتبة صلاح التي بقيت وفاته في الحرب ورقة صغيرة في كتاب الشريف الرضي نسخه صلاح مكتوب فيها : (اريد الخلاص من هذه الحياة لا أطيق العيش مع كل هذا الظلم لقد قتلوا عمي موفق ولم نفعل شيئا) (كنت على حق صلاح لايزال هنا وموت الفتى خير له من حياته اذا جاور الأيام وهو ذليل

ص72 .

لقاء الاحبة في الغربة ايضا لا يتم بسبب الموت (قبل ان تصل والدتها وأخوها بيوم استيقظت صباحا وكانت ميتة ” سلمى سلمى ” قلت بسرعة وبهدوء ثم بدأت اصرخ اسمها ” سلمى سلمى “) ص76 في العراق لابن الجيران عبد الرحمن كان يعيش قصة اخرى مع الموت (تزوج عبد الرحمن من بنت خالته ليس لديه اولاد ماتت زوجته في حادث سيارة مع اخيها منذ خمس سنوات يعيش في بيت أهله وحده) ص78 . منذ وفاة سلمى حاول ديفيد الانتحار عدة مرات (هيخو وبيتر سعيا لادخالي مصحا نفسيا في درينته سنة كاملة الأدوية جعلتني مثل قطعة لحم لا مشاعر لا تفكير ولا خيال تحايلت على الأدوية والأطباء كثيرا مثل طفل يريد ان يعرف أين هو وما هو مصيرة في هذه اللعبة ……… محاولة بائسة اخرى للموت باءت بالفشل هناك سرقت دواء لمرضى اخرين وتناولته دفعة واحدة) ولكن اقتراح الموت هذه المرة جاء من قبل جدة ديفيد (اقتل نفسك ماذا تنتظر لن يصدقك احد سلمى ليست هنا) ص80 ولكن الموت يزداد ويستمر (لم يبق ممن احبهم شيء سوى رسائل لوحة صور واشباح الموتى يزدادون من حولي تظهر جدتي لفترة طويلة في اليوم اكثر من السابق وسلمى احيانا أصبحت روية جدتي وسلمى مصدر إرهاق لي ما الفائدة اني أراها واعلم انها ليست هي ؟ ما الفائدة مما تقوله لي جدتي وينتهي بإحراق المنزل او بمحاولة انتحار فاشلة ترهبني اكثر) ص85 كان ديفيد يعيش الموت لحظة بلحظة حتى شجاراته كانت مع الموتى (تشاجرت مع جدتي ذات مرة ” الم تموتي اذهبي عني اما ان تقتليني او تذهبي عني “) ص85 او اذا أراد ديفيد ان يمارس نوعا من الرومانسية فأنة ايضا يمارسه مع الموتى (ومع سلمى ” اقتربي مني اريد ان المسك اريد انظر إلى عينيك … تعالي اقتربي … ” فتهرب وتختفي مثل الشبح هي إذن شبح لا يراه احد الا انا وروز) ص85 لم يعد ديفيد يرى احدا غير الأموات (روز اختفت هي الاخرى ولن ارى لها خيالا مثلما حدث مع جدتي وسلمى لم تمت بعد لاني لا ارى الا الموتى) ص86 . كلما تقدم الزمن ازداد إعداد الموتى ظهر اموات جدد كان قد فارقهم وهم احياء (أينما اذهب تذهب معي سلمى وجدتي وأخيرا ظهرت معهما ايضا صديقتي القديمة هنريت تقف في مدخل الشقة صامتة كما عادتها “هنريت ؟!” صرخت . ” نعم … عزيزي ديفيد … انا هنريت …” (وضعت يدي على عيني اغمضتها قليلا وفتحتهما مجددا وهي لاتزال واقفة في مكانها شبح اخر وإرهاق جديد) ص88 هنريت حبيبة ديفيد القديمة التي خانها بدا ديفيد يخاطبها لعلها تجد له طريقة جديدة للموت لينهي بها حياتة التي أصبحت مهزلة ” هنريت … اريد ان اموت … اقصد ان يموت جسدي … اريد لهذا الجسد الدماغ العقل الروح او سمها ما شئت ان يرتاح الى الأبد … كل من اتمسك به لأظل عالقا في هذه الحياة يرحل … الم يكن امام الموت سوى سلمى ؟…هنريت … قولي لي كيف لي ان اموت ؟” ص88 كان شبح هنريت قد بدا يطارد ديفيد كانت واقفة متسمرة بالممر تنظر لديفيد او في مدخل المنزل (لماذا انت هنا ؟) سال ديفيد هنريت بغضب ” أين سلمى ؟ سلمى ..سلمى .. جدتي .. أوما .. صرخت وانا أحدق بها لم يجبني احد . ضحكت هنريت ضحكتها كانت مستفزة وقحة (لم تكوني هكذا) ..” ” لقد احرقت نفسي ” قالت اخيراً . ص89 .الوصايا بين سلمى وديفيد كانت بنكهة الموت (ديفيد حبيبي : اعرف اني ساموت قريبا لكني سعيدة جدا انا اسعد امرأة بك أعدك باني سابقى معك) (لو استطعت ان تبيع لوحاتي اجمع النقود وأرسلها الى العراق كما كنّا نفعل انا وانت) (لم اتخيل اني ساموت هنا كنت أتمنى ان نعيش انا وانت وأهلي في العراق ان نموت هناك كما يجب ان لكل من يعيش في وطنة ان يموت فية) (انا بخير عندما اموت هل يجب ان ان أقول لك ذلك ؟ انت تعرف اني بخير وسأكون بخير وسأكون معك سابقى دائما معك حبيبي دايفيد ص95. بين حي وميت كان ديفيد ينصت للموسيقى التي كانت لها سلمى ويسمع صوتها واضحا وهي تقرا له من شعر الرضي :

وبي شوق إليك أعل قلبي وما لي غير قربك من طبيب

ص99.

ختام الرواية هي الموت ديفيد يتهيأ للموت ارتدى ملابسة وحذاءه وضع علبة الدواء الى جانبه سيحزرون انه انتحر ليست المرة الاولى لن يتفاجأ احد كل أغراض سلمى أعطاها لكمال تذكر وجه أمه تنظر له وتبتسم (اقتل نفسك …هيا … ماذا تنتظر ؟!) (هلارحت سلمى قريبا ؟ بعد قليل ؟ هل سنتحول الى فراشتين عصفورين ؟) ص104

(أغمضت عيني وتوقف كل شيء الا صوت امي . اسمع بوضوح صوت امي ” دايفيد ولدي لقد اشتقت لك “)

ص105

لقد ابدعت الروائية ميادة خليل في بناء رواية قائمة على فكرة أساسية واحدة هي فكرة الموت اضافة الى أفكار اخرى مثل الهجرة والوطن والغربة والحب والزواج والطلاق واليتم والحرب والعلاقات الاجتماعية واعطت الرواية مسحة تشاؤمية واضحة يلمسها القارئ بوضوح .