عارف الساعدي : الترابط القصدي والإنفعال العقلي
وجدان عبدالعزيز
لازلت أمعن في القراءة متأملا بين السطور ، حيث كانت قراءتي لمحتويات ديوان (جرة أسئلة) ، هي حالة من حالات التأمل ، لهذا وجدت الديوان بنية واحدة ، تكونت من عدة بنى أخرى ، كأنما تتعانق في جسد واحد ، يقول محمد بن علي الحضرين الزهراني : (النص الشعري بنية شمولية ، مكون من عدة بنى داخلية ، نحوية ، بيانية ، وإيقاعية ، ولكل بنية مرتكزات فنية تدعم فنية النص وشاعريته ، وادبيته ، ويقول عبد القاهر الجرجاني : “واعلم ان مثل واضع الكلام مثل من يأخذ من الذهب أو الفضة ، فيذيب بعضها في بعض ، حتى تصير قطعة واحدة”)(1) وبهذا نجد ان الشاعر الساعدي تعكز على تجربته بإظهار قصدية معينة برز من خلالها وعي في بناء النص بتنويعات مختلفة ، (وقد حددا”درسلر وبوجراند” سبعة معايير يتأكد من خلالها دور الربط النصي ، اذ جعلا الربط النحوي المعيار الأول ، والتماسك الدلالي المعيار الثاني ، ثم معيار القصدية وهي التعبير عن هدف النص ، ثم المقبولية وتتعلق بموقف المتلقي الذي يقر بان المنطوقات اللغوية تكون نصا متماسكا مقبولا لديه ، والإخبارية وتتعلق بتحديد جدة النص ، والموقفية وتتعلق بمناسبة النص للموقف ، والتناص ويختصر بالتعبير عن تبعية النص لنصوص أخرى او تداخلها معها ومع هذا يريان ان النص قد يتشكل باقل قدر منها) ، (ويرى خليل مطران ان الوحدة النصية للقصيدة تتحقق من تناسقها التركيبي ، وتآلف وحداتها ، وخلق الوحدة ناتج من امتزاج الذات بالموضوع ، واندماج مشاعره ، وعواطفه مع تضاريس الكون والجمادات والاحياء ، وهو ما يسميه بعض النقاد الاستغراق الفني ، او الحلول الشعري ، ويعد حازم القرطاجني التعدد في القصيدة ترويحا عن النفس ، وتجديدا لنشاطها .) (1) و نحن نقر ان ديوان الساعدي ، اعتمد الترابط القصدي في صناعة النص .. لكن يبقى الموقف الانفعالي الذي يرسم خيوط التجربة ، هو الإطار العام للجملة الشعرية وان تعددت أشكال بنيتها .. (والانفعال شعور حاصل عند الشعراء “النموذج”، وهو ما يسهم في تشكيل وحدة شعورية واحدة عند كل منهم ، تهيمن على مجمل إنتاجه) ، فعارف الساعدي اسم ترسخ عبر مسيرة شعرية حافلة بالكثير ، ثم تطعمت بدراسته الأكاديمية ، ولاسيما في النقد ، وهنا نقف عند رؤيته ، كونه شاعرا وناقدا ، بمعنى أن هناك لحظات كتابة شعرية توجه بقصدية ما الى أهداف وغايات جمالية ..
***
فقصيدة (آدم) مثلت إشكالية لدى الشاعر ، إشكالية وجودية بشقيها الورائي والماورائي ، وكانت عبارة عن تساؤلات في الحياة بلغة اختزلت الكثير واعتمدت الإشارة ، فعبارة (وأنت تفتح عينيك لأول يوم) .. تملثت معنى انه كان في عالم آخر وتحول إلى عالمنا هذا .. وكان خطأ آدم صنيعة جميلة في رؤية الساعدي لماذا؟ قد يكون الشاعر استثمر مسارات الخطأ في ترميم الذات الإنسانية وتحولها في سلم الرقي الحضاري ، مما جعل من الخطأ قاعدة بناء لانطلاق الحالات الصحيحة ، وقاعدة المتضادات التي تؤسس لإظهار حالات الاختيار المبنية على قناعة جمعية ، ترسخت عنده، فـ(ان النص الشعري الحديث حوار دائم ودينامي مع الأشياء ، حوار ثر مبني على ديالتيك خاص ، مشحون بقيم أصيلة تتسم بالتشابك والعمق والتعقيد ، يقوم بمهمة تشكيل النسيج الداخلي عن طريق ربط الأجزاء المتوازية والمتقاطعة والمتضادة في النص الشعري ، وينعدم في هذا الحوار ذلك التواطؤ التقليدي القائم بين عالم القصيدة ، ومساحة الفاعلية الذهنية المستقلة عند المتلقي ، والمعتمدة على خاصية الإشباع المحايد لمراكز الانتظار والتوقع فيه لذلك فهي تصدم ذوق المتلقي التقليدي بما ينتظر ، بمعنى ان المتلقي سيفقد فيها لذة تعود عليها ، وتأسس نمط ذوقه على أساسها . لذلك فانه سوف يحتاج على هذا الأساس نوعا من تطبيع العلاقات مع عوالم النص الشعري الحديث ، الذي ينهض بذوق المتلقي ويرتفع به إلى مناطق جمالية طرية وطريفة ومباغتة ، تضج بسحر غير قابل للنفاد ، فيكبر وعيه نحو استثمار قدرات العقل على نحو اكبر وأفضل وأكثر جذبا ومتعة.)(2) وهنا نحيل إلى رأي الناقد عبد الله الغذامي ، حيث صنف حالات التلقي إلى ثلاث : الأولى : حالة الاقناع ذي التوصيل العقلي ، وكينونة النص فيها منطقية ، حيث يرتكز في علاقاته الداخلية وفي تواصله مع القاريء على منطق التعبير وتحديد الهدف .
الثانية :حالة الانفعال التي تعتمد على التعبير الوجداني المرتكز على الحس المباشر الذي ينشأ عنه انفعال تلقائي .
الثالثة : حالة الانفعال العقلي ، ويجعل الغذامي منها الشرط الجمالي للنص ، أي بمعنى ان العقل يسعى لكي يستعير من العاطفة احدى صفاتها ، وهي الانفعال ، انه نوع من الخلط بين الوظائف العضوية للانسان ، النوع الثاني هو تدجين العقل وترويضه ، ليكون انسانيا او ترقية للعاطفة وترفيع لها لتكون انتظامية ومهذبة . وتعتبر هذه السمة الابرز في الشعر الحديث ينظر ص55ـ56 تشريح النص .
***
لتأتي قصيدة (ملل) بتكرارات متعددة لاتخلو من القصدية التي اشرنا لها سابقا ، ومن المعلوم “ان الفن وجد كي يوظف فينا الشعور بالجمال، وعلى اساس هذا الافتراض يكون للشعور مظهر خاص، هو مظهر حس الجمال.” فلابد والحالة هذه من علامات تتيح المجال لشعور الانسان كي يتحسس الجمال. لقد وضع ارسطو منذ القدم اركانا للجمال لعل ابرزها قانون الوحدة في المأساة وتقوم اهمية الوحدة من حيث: “منها تتفرع باقي اركان الجمال: الانسجام او تلاؤم الاجزاء، التناسب، التوازن، التطور، التدرج، التقوية والتمركز، الترجيح والتكرار.فـ” التكرار” هي ظاهرة موسيقية ومعنوية تقتضي الاتيان بلفظ متعلق بمعنى، ثم اعادة اللفظ مع معنى اخر في نفس الكلام. ان ظاهرة التكرار ظاهرة لغوية عرفتها العربية في اقدم نصوصها التي وصلت الينا، نعني بذلك الشعر الجاهلي، ثم استعملها القرآن الكريم، ووردت في الحديث النبوي الشريف وكلام العرب وشعره ونثره … وفي العربية نجد تكرارا للحروف والجمل الاسمية والفعلية، ونجد كذلك ألوانا تكرارية إيقاعية يقصد بها إلى أحداث نوع من الموسيقى اللفظية المؤثرة. وبالحقيقة، ان التكرار ظاهرة حيوية عامة، إنها موجودة في الحياة في صور متعددة، وبما ان اللغة صورة المجتمع، فأنها تحتوي على صور مما موجود فيه، فظاهرة كالترادف قد نجد لها شبها في تشابه شخصين من البشر تشابها تاما يصعب معه التميز بينهما، وظاهرة التضاد نجد لها شبها فيما بين الأسود والأبيض من تضاد … ، ونحن في أفعالنا وأقوالنا نكرر كثيرا، وعلى مستوى الدرس العلمي والعملي لانكاد نجد عند النحاة والصرفيين كبير الاهتمام بالظاهرة، كونهم يهتمون ببنية الكلمة الواحدة، والنحو عندهم يهتم بتركيب الجملة، ولايتجاوز ذلك عادة الى النص كله، ولذلك اقتصر النحاة للتكرار غالبا على لون واحد منه هو ما أسموه “بالتأكيد اللفظي”. ويقول أرسطو في “التكرار” انه: “العامل الذي يمزق ويحطم الأسلوب الجديد” ، والتكرار عند شاعرنا الساعدي ، يتلون بالوان الأسئلة التي حفل بها الديوان ، وابتداء من العنونة نزولا عند المتون ، كون الشعر والوجود، يشكلان بؤرة رؤيوية تأويلية تعددية تدرك الكينونة بوصفها انفتاحا للموجود، ولذا فما فتئ هيدغر باعتباره باحثا أصيلا في العلاقة التواشجية بين الشعر والوجود، يؤكد “على أن الإنسان لا يستطيع معرفة ما لا يمكن حسابه، أي أن يصونه في حقيقته، إلا انطلاقا من مساءلة خلاقة وقوية تستمد من فضيلة تأمل أصيل، فهذا الأخير يحمل إنسان المستقبل إلى مكانه بين الإثنين: الوجود والموجود، حيث يكون من طبيعة الوجود، والحالة هذه، أن يظل غريبا في قلب الموجود، وهذا المكان هو الكينونة …) !!! يقول الشاعر عارف الساعدي :
(ساعترف الان
اني كسرت على بابكم
جرة اسئلة
ياه
اشك وأؤمن
ياه
اشك وأؤمن
أأنت هنا؟
أأنت هناك؟)
ويقول لورنس داريل : (ان فكرة الفن ، هي فكرة الحياة نفسها) ، ويقول اميل زولا : (نحن ببساطة نرسم الانسانية كما نجدها في الطبيعة ، ونحن نقول ليكن كل شيء معروفا من اجل ان يشفى الجميع) ، وعند الشعراء كل شيء متاح ومعروف ، يتحلقون حوله ويتسلقون سلالم الاحلام ، ليكون الشعر عندهم في جوهره تيه، بقدر ما هو مشروع لا مكتمل لا يتحدد بهدف غائي، تتوقف عنده حركة الشعرية، ومن ثم فهو ضد الحقيقة التي تظهر كموجود يمارس إكراهاته على الكائن الجوهراني الشعري، إن اللاحقيقة في الشعر هي الوجود الأصلاني المنفتح، أو التجلي الأكثر تميزا في تعدديته. فهو دليل الحيوية الناطقة التي تعري إمكانات العالم التخييلية، التي تحدس بالظن، بقدرات الكائن الشعري التنبؤية. والشعر في إحدى إمكاناته واختياراته الكبرى مساءلة حيوية للوجود. فكيف تتحدد هذه المساءلة؟ ، وهنا يتحرر الساعدي وهو يردد : (يا الهي /أنا حائر حائر حائر /وصراطك يا حيرتي / ضيق وبعيد /حائر حائر حائر /انها حيرة الحر بين العبيد) ، فحيرته تأمل وتفكير وحلول افتراضية عندنا كمتلقين ، ومن يدري فعنده قد تكون يقين وتحصيل حاصل لما يحمله من صدق وجمال .
***
وتحدث في قصيدة (أول أيام الخلق) عن كينونة ، مجاز راقي يحاول ملامسة الحقيقة المطلقة بافتراض التقرب لها ، او تقريب الواقع ومرارته بعتب محتج بعض الشيء يقول :
كنا اقتراحا سريعا غير مضمون
لذا خرجنا ولم نبصر طفولتنا
وهكذا يستمر في اقتراحاته التي تنساب على سفوح وجود القصيدة كونها الطين ، وكونها الأنثى ، وكون الله خلقنا من طين ، وخلق لنا من أنفسنا أزواجا ، نسكن بود له.
***
وثمة رؤى أخرى بعثها الساعدي لنا عبر قصائده ومنها فكرة الانتظار بقصيدته (انتظار) مع قصيدته (الطوفان) ، وهذه رؤية تعمقت في مساحات الشعر العالمي بصورة عامة والشعر العراقي بصورة خاصة .. (ان الغياب موازنة نفسية تعمق اداء فعل الذات ، فحين تصبح قوانين الخارج الضاغطة إشكالية كبرى تتهجم على خاصيات الفرد البحتة ، فان هذا يترتب عليه استبدال موقفي مواجهة لخطورة الهيمنة المتزايدة للمد الخارجي.)( 3 ) (ويسعى الشاعر بغيابه الى خلق بلبلة بتدمير معتقدات الغياب الموضوعي وبعث الدهشة بالتقاط جوانب داخلية وخارجية مفتوحة على جميع الاحتمالات ، فيحل غير المألوف في سياق علائقي يجمع بين الذات والموضوع)(3) يقول الشاعر الساعدي :
(من أنت؟
عفوا
أيّها المنتظر
أسئلة في الروح لاتختصر
سامح فتاك الغرّ يا سيدي
عجينة الشك نمت)
هذا تصريح واضح بان الشاعر ينتظر!! وبسؤال صريح من أنت؟ إلى سؤال خفي عجينة الشك نمت! ينتقل الشاعر من قصيدة (انتظار) الى قصيدة (الطوفان) ، ليشكل رؤية يتحصل من خلالها موقفا معينا له جذور تاريخية في الفكر الديني عامة والفكر الشيعي خاصة ، يتمظهر بقوله :
(وأنت وحدك والصحراء تجتمع
وكيف تبدأ هذا الكون ثانية)
ويستنهض المنتظر بقوله :
(كيف استرحت وعيني ملؤها هلعُ)
وتحدث في قصيدة (الطوفان) عن الكثير حتى تتصير رؤية الشاعر وذاته الى سؤال كبير ؟ وشك كله بقع !!! فالانتظار يعني في جملته حالة الأمل، وعدم القنوط، الأمل الذي هو شرط لكل حركة، ونحن مدعوّون إلى تمثله دائماً. واليأس الذي هو مدعاة للانحراف، المطلوب منّا رفضه واقتلاع جذوره من أعماق وجداننا.وبهذا فان الساعدي يمس الفكرة مسا استثماريا ، يجعلها تلامس الواقع المر الذي يحيط بالكون عامة ، وبأرض العراق خاصة ، ويكاد ان يرفعها إلى مصاف كونية ..
***
وهكذا يستمر الشاعر الساعدي بتحولاته من حالات تأمل عميقة الأغوار إلى ظواهر واقعية ترافق تجربته .. يقول محمد مندور : (الأدب صياغة فنية لتجربة بشرية) ، والتجربة عند محمد بن علي الحضرين الزهراني لاقيمة لها إلا إذا خلقت إبداعا شعريا ، ومن خلال التعمق في قصيدة (الصديق الوحيد) ، نجده ينشد العودة الى البراءة الأولى وصدق الكلمة والضحكة ، وهنا يبرز صورة جميلة من خلالها يضج صارخا ضد أخرى قبيحة أخفاها وعزف الحان الزمن في دورانه ، وربط الطفولة بالشباب ثم الكهولة وماذا بعد؟ وكذلك الحال مع قصيدة (مرثية لصديق حي) ، بتنقلات سردية رشيقة وصور جميلة متحركة ، الغاية منها إشراك المتلقي في هموم الشاعر نفسه .. كي (يصبح النص الشعري الحديث بلغته الكيانية الحديثة جزءا من قلق المتلقي وطموحه ووعيه وشخصيته ، وهو يطمح إلى الدخول بها والتواصل معها والتفاعل مع خصوصياتها ، لتنتقل اللغة الشعرية من وظيفتها التوصيلية إلى وظيفة انبعاثي تتدخل في أدق خصوصياتها الشخصية وموقفها من الجمال والفكر والأشياء ، وتعيد صياغتها وإنتاجها من جديد)( 5) وبهذا (تعد اللغة استنادا إلى هذه المعطيات من أهم وسائل التعبير وأخطرها على صعيد تركيز الدلالة في الفن الشعري ، فهي الوسيلة العضوية التي تحتضن الوسائل التعبيرية الأخرى وتحتويها وتصرف عضويتها في المجال الشعري الميداني ، وبواسطتها تنتقل الرسالة الشعرية إلى المتلقي)(5 ) وقد أجد من المناسب التنويه إلى ان ديوان (جرة أسئلة) ، يشكل إشكالية ليس حل بسهولة ، بل تحتاج لعدة قراءات ، بل اجزم إن هناك قصائد تحتاج لأكثر من قراءة وأكثر من وقفة تأمل …
مراجع البحث
1 ـ كتاب (البنية النصية وتبدلات الرؤية) ، محمد بن علي الحضرين الزهراني ، النادي الأدبي في منطقة الباحة ، المملكة العربية السعودية ، الانتشار العربي ، بيروت ـ لبنان الطبعة 2012 صفحات 25 و27 و28 و.36
2 ـ كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الأردن الطبعة الأولى 2013 م ص.9
3 ـ كتاب (تشريح النص) عبد الله الغذامي / المركز الثقافي العربي الطبعة الثانية 2006م ص55 ـ.56
4 ـ كتاب (فنتازيا الغياب) م.د.علياء سعدي عبد الرسول /الموسوعة الثقافية رقم76 /دار الشؤون الثقافي ة العامة ـ بغداد ص7ـ.10
5 ـ كتاب (عضوية الأداة الشعرية) أ.د.محمد صابر عبيد سلسلة كتاب جريدة الصباح الثقافي رقم 14 2008م ص62ـ. 63
6 ـ ديوان (جرة أسئلة) للشاعر عارف الساعدي /الدار العربية للعلوم ناشرون /مكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الأولى 1434ه ـ 2013م.


















