سايكولوجية الشخصيات وتناثر الأسئلة في رواية هسيس اليمام
علامات تصعيد الحدث ومستويات التعبير
علي لفته سعيد
تسعى رواية ( هسيس اليمام ) الى الغوص عميقا في سايكولوجية المرأة مثلما تسعى الى الغوص في مخلفات العنف الذي تواجهه المرأة سواء كان عنفا اجتماعيا ام فرديا ام كان سلوكا او حاجة جنسية.. الرواية تناقش في فكرتها المرض الاجتماعي الذي يحلق كثيرا في الملفوظات ويغيب عنها التفاعل الواقعي على الارض الاجتماعية حتى باتت المرأة لكونها عورة ان تتحمل الكثير من التبعات حتى القانونية منها.. فكرة الرواية معالجة الواقع الانثوي للمرأة ومراقبة المرأة في حالتها الانثوية والغوص في معترك الصراعات التي تؤجج الاختلاف بين النسوة من جهة وبين النساء والرجال من جهة أخرى..عوالم مختلفة يصنعها الروائي سعد سعيد في بيدر فكرته ومخياله.. من ان الراعي هو المسؤول عن اكل الخراف وهو ما وضع ذلك كمقدمة لروايته لتكون عتبة أولى (أيها الحمقى.. تلومون الخراف التي ظلت.. وتنسون الراعي!) ص9..وربما هي حكمة يراد منها الانطلاق لرسم كل هذا العالم الذي أطره لخمس نساء واجهن المتاعب والحياة..سعيد يفتح الباب على مصراعيه ليتحول رويه من لسان المذكر الى لسان المرأة التي تعاني..ويتحول اللسان المخاطب والمتكلم والغائب الى لسان المرأة والانثى في روحهن وتوقهن وعطشهن وجزعهن ومرضهن وحاجتهن ولذتهن.. الرواية مخلوق سايكولوجي في فكرتها البوح بصراخ مرة وبهدوء مرة أخرى وبارتباك مرة وفوضى مرة اخرى وترتيب مرة ثالثة حتى تتعدد المرات في فكرة الرواية لتكون اطلاق الرصاصة على الواقع من انه نسي الراعي لأنه اقوى وبيده السلاح وذهب الواقع يلوم الخراف لأنها ترمي يديها في عنفوان الهلاك وقدسية الاقوال.. الفكرة ان المرأة في الواقع مسلوبة الارادة لا أحد ينظر اليها الا على انها مستوع حاجة ومكب لذة دون الاخذ بنظر الاعتبار ما لها من أحاسيس.. المرأة في الفكرة تلجا الى الخيارات الاخيرة في أخر العذابات وليس في اولها لأنها تدرك ان الخيار صعب وان المعاندة مع الواقع يستهلك وجودها ويحولها الى دمية او يحولها الى مومس.. ولان كل الحالات تفضي الى الموت فقد كان الموت المعادل الاخير لنتاج الحصاد واللجوء إليه كخلاص نهائي من عذابات متفرقة.. الخلاص من الخديعة والرذيلة التي صارت تلف الجميع.. خمس نسوة انغمسن مرغمات وولين الى الهرب وتنازعن الرغبة وولين الى الرذيلة واتحهن الى المحراب وانتزعن عنادهن بتراتب الحزن واحترقن في الصمت والعيب وتناسين كل ما هو عورة ليكشف العورة تحديا ويندسن في المتاهات تأسيا..ويكابرن في المواجهة من اجل النصر وهن في لجة الخسارة .. الفكرة في الرواية صحيفة أعمال الرجل والمرأة وقائع الحياة سيرة الانسان المتن الاول لمنطقة غير مألوفة لان الواقع غير منقي ولذا كان السؤال عبتة مضيئة لجوانب ترسل ضوءها الى مستويات متعددة من الاسلوب السردي..الفكرة ان قناعة المرأة منطقة مؤجلة في الواقع حتى لو كان التأجيل يمتد الى ما بعد الموت لأنها مجرد حاجة وعليها ان تنمي حاجيات الاخرين من الرجال.. الفكرة ان الرسالة الموجهة الى الموت ليس من اجل الموت بل لان لا شيء يمكن ان يستجيب لهذا القدر غيره انه مخالفة الواقع من اجل الصراخ لان الواقع مخالف لحضور ووجود المرأة..فكرة الرواية ان المرأة اذا لم ينتبه لها أحد قد تنزلق او تعاند فتجعل الرجل الخاسر الاكبر مثلما تجعل العائلة التي لا تلتفت الى حاجياتها وطالبها وحرتها ورايها هي الخسارة الاكبر ايضا.. المرأة كيان اذا ما ثار فان الغرق هو عصيان الثوابت.. الفكرة هي مناقشة الجنس بين الرغبة والميول والتحدي والحاجة واللذة المصانة واللذة المهانة وبين طبيعة لحياة وإدامة العلاقة وكيفيتها.. الفكرة تحيل لواقع نسائي بصوت نسائي وراوي ذكوري اراد ان ينصف العذابات التي تؤدي الى التمرد والياس والخضوع في تجليات البحث عن هدوء البيئة والحياة والعلاقات الاجتماعية الصافية.
العنوان .. شمول أولي
تبدا الرواية من عنوانها الذي جعله الروائي سعيد عتبة أولى تحمل معها شمولية المتن السردي او الحكاية الروائية وفكرتها المدونة..والعنوان تبعه إهداء ليكون مرآة تلقٍ لا ينحرف عن جادة التلقي إذا ما انتهينا من تأمل حصاد ما بعد القراءة لجمع نتاج القصدية وتأمل تأويل ما انتج بين طيات الرواية.. والعنوان هنا لا يشي بالابتعاد عن منطقة التأويل الاولى ولا يذهب بعيدا عن قصدية المؤلف في اختيار موضوعة روايته وفكرتها وتدويها ليمضي معها في ادارة الحدث بكل ما يمكن ان تتيح له الامكانية السردية.. ولكن العنوان بمعناه اللغوي قديأخذ جوانب تفسيرية اخرى إذا ما عرفنا ان (هسيس) في اللغة يعني المدقوقُ من كلِّ شيء ويعني الهمس والكلام الخفي وصوت الإنسان الخفي الذي لا يفهم وإخفاء الكلام وتأتي كزجر لإسكات طفلٍ مثلا.. وهو فيما تداول منه في مناه هو نهاية النار.. وإذا ما جمعنا هذا المعنى مع معنى اليمام في اللغة تعين الطيور من فصيلة الحمام ومفردها يمامة والاشهر زرقاء اليمامة وهو برِي له أجنحةٌ متوسطة الحجم ومنقار صغير وذنب طويل وسريع الطيران.. ولذا فان جمع المعنيين يعطينا مفهوما ان الهسيس هو الصوت الخافت للحمام والارتباط باليمام أكثر قربا من روح الفكرة وهو الاعتراف القادم لنسوة سيسرد حياتهن ويكشف أسرارهن والاهداء دليل( الى المرأة حصرا..لأنها النصف الأحلى من الإنسان).. لذان فان بالإمكان ان يكون العنوان يحمل بعض المتضادات لكن ارتباطه بالمعنى المراد له من قبل الروائي وتشبيه المرأة باليمامة والنساء باليمام فان هذه التسمية ستكون روحا تتغلغل بين جنبات السرد ليتحول العنوان الى موضوعة قارة تأخذ بتلابيب العنونة الى مديات اوسع خاصة وان لون الغلاف جاء اصفر وبتسعة أجساد سود مما يعني البحث الاخر عن ماهي العنوان والغلاف في تجويف الروي فثمة رجال يحددون اسباب كل هذا الهسيس.
مستويات الأسئلة
الرواية بث اسئلة متواترة مرة ومتناقضة مرة أخرى.. لا عمل بلا سؤال جوهري او أسئلة تمتحن الفكرة من جهة وتبحث عن إجابة الحياة.. في الرواية ثمة اسئلة تحدد ماهية صحيفة الاعمال.. وقائع الحياة المتن الاول لمنطقة غير مألوفة لان الواقع غير منطقي ولذا سيكون السؤال عتبة مضيئة الجوانب ترسل ضوءها الى المستويات الأخرى.. إجابات مؤجلة الولادة تحبل بها المتون التي تحمل افكارا متعددة لبطلات مستلات من واقع مرهون بالعذاب والتعنيف.. اسئلة عن الظلم من جوف الظلم الذي يصنعه الرجل والعادات والتقاليد والاكتفاء الجنسي واللذة المكبوتة والاعتبارات الأخرى في العلاقة بين الرجل والمرأة التي طوحت بها اسئلة الوجود من ان المرأة لا يؤخذ بما تحتاجه من إجابات لوجودها ذاته.. اسئلة عن الجنون والعقل والصراخ والهمس.. عن الصمت والخرس والمعادل الموضوعي هو الموت هو المنطقة التي تبث بها وإليها ونحوها الاسئلة لعل الاجوبة تخرج من منها ومن جوفها وعمقها النهائي..أسئلة الحياة وحبها والتمرد على الموت ذاته والعادات التي ترتبط بالخوف من الموت لذا تكمون المواجهة معه رسالة ومذكرات واعترافات وندم وفرح وتحدي وديمومة ومواصلة لان الموت ليس هو الهدف في الاجابة على الاسئلة بل الاجابة على ( لماذا ) لان هناك طمعا في الحياة ان تأخذ شكلا أخر من العلاقة بين طرفي المعادلة الانثى والذكر المرأة والرجل وليس وتحول الاولى الى خراف وتحول الثاني الى ذئب..(إذ ما زال الطمع بمتع الحياة يتملكني، وسأكتب هذه الأوراق وأحفظها لك..لا أعرف كيف.. ولكني سأتدبر أمري لأجعلها تدفن معي من دون ان يطلع عليها أحد، وهكذا يكتمل اللقاء) ص.12 اعترافات المرأة سرية لان في الاجابة على اسئلة السرية يفتضح حضورها وموتها الملاحق باللعنة.. اسئلة لا ترتبط بالبطلة الرئيسة صاحبة الرسالة هديل وهو اسم يرتبط باليمام والحمام والطير والنوح والبوح والصوت المنخفض القوي.. لذا فان رسالتها تحتوي على اسئلة ذاتية وموضوعية واجتماعية وسياسية وقمعية وتسلطية ولذة وجنس
مستويات السرد
الرواية ليست فقط ذكر احداث وتبيان زمان وتوضيح مكان.. بل هي إدارة لهذه الثيمة كلها.. معرفة الخطوات التي تسير عليها البنية الكتابية لكل ما يرد في الرواية.. لهذا فان المستويات التي انطلقت منها رواية ( هسيس اليمام) اعتمدت في ترتيبها على ما يمنحه الجانب السيكولوجي الذي يطرحه الراوي نيابة عن الشخصيات.. لذلك فان الإخبار لتوضيح ارتباك الواقع وانسلال الكتابة والبوح بين المرسل/ المرسلة والمرسل إليه.. الكاتب الراوي/ الراوية بصيغة المخاطب الى المستلم المخاطب له الذي تحول الى بطل آخر داخل المتن السردي وهو الموت كاختيار نهائي.. حصاد ألم من كل ما حول الراوي/ الراوية الذي يحيط بالمتحدثة الراوية الكاتبة الذاكراتية المتوهجة بالألم.. الراوية هنا لأنها الانثى تريد ان تشتكي الى الموت من فعل الإنسان الآخر/ الذكر لذا تبدا المستويات السردية بسؤال إخباري يحمل ملامح المستوى القصدي( موتي يا موتي.. أهكذا يجب أن أبدأ حملة بوحي هذه؟) ص11 ولان الموت اصبح ( موتي ) شخصنة وتحويله الى شيء اقرب في التحبب والتقبل والحديث المباشر كأنه اقرب من أي شيء آخر فان ما يمكن استخلاصه من هذا الاستهلال ان الرواية ستبنى على اساس ما تمنحه هذه المذكرات او الكتابة او الحوار المباشر لأنها ستتداخل جميعها في بوتقة واحدة وهو ما تقوله الراوية (المذكرات، يا لهذا الاختراع العجيب!) ص11 أن بنية الكتابة تنتقل بين مستويين قادرين على الاخذ بزمام السرد وهما المستوى الإخباري والصويري المستويات يسيران معا لكشف هواجس الشخصيات وخاصة الشخصية المحورية هديل والاخذ بالفكرة من خللا جلد الحركة اليومية لفعاليات شخصية متمردة على واقعها وبالتالي توضيح لكل شبكات العلاقات التي تربط النسوة مع بعضهن وكذلك الرجال الذين يرتبطون بالنسوة وهن صديقات وخريجات ومتعلمات بمستويات جامعية عالية.. أن هذين المستويين لدى الروائي سعيد جعلاه يعتمد على طريقتين في الروي.. المخاطب والغائب..المخاطب استرسال الرواية/ البطلة مع ذاتها.. مع حياتها.. ماضيها الموغل بالطفولة والمعاند للحالي والبحث عن مخرج للخيبة من جهة والخيانة من جهة أخرى.. واسباب الماضي الذي سبق الخيبة والمأساة والتي جمعت معها كومة من السرار المكبوتة التي تفضي الى سر التاب الى الموت/ المذكرات / الحوار/ المناجاة للوصول الى نقطة الكشف عن التأويل الخاص بالحكاية.. ولهذا كان طرح الرواية يتبع طريقتي الروي كما تعتد على التقطيع البنائي ومراقبة الحركة من قبل الروائي السارد الاعلى وهو ما يتوضح جليا في الحوار حيث يسبقه إعلام بالحركة كمن يوعز للمخرج ان يفعل الحركات المصاحبة للحوار.أن بنية الكتابة انتهجت تقنية الفيسبوك كاحدى من متغيرات طريقة السرد وكسر الثوابت في تصاعدية الحدث من خلال استغلال الفيس في كشف بؤرة أخرى من بؤر الحالات التي تواجه المرأة في العصر الراهن وهي تقنية اريد بها اعلان الزمن انه المن الاني الذي تعيشه النسوة وهو زمن المتلقي ايضا وكذلك امكانية التخلص من رتابة السرد والحوارية التي تشابهت في بعض جوانبها حتى في استخدام المفردة.. وبنية الفيس هي بنية اخبارية قصدية وقد أوجد لها مكانا اعتقد انه يساهم في ايجاد شكل جديد للرواية.أن بنية الكتابة تستثمر انهمار الأفكار واندلاقها في الجانب الافقي للمذكرات في كشف المستور والمتسبب لحالة ردة الفعل والفعل ذاته.. لذا فان طغيان الاخبار السردي غلب تماما على المستويات الأخرى بما فيها المستوى التصوري الذي دائما ما يكون مصاحبا ومرافقا وملتصقا بالمستوى الإخباري.. لذلك نرى تضخيما للحدث وتوسعا لبؤرة الحكاية المتشعبة بين النساء.. وكان صوت الروي يتنقل إخبارياً بين الفصول للوصول الى نقطة التقاء عند مصب التلقي، لعل القارئ يجمع القصديات ويدلقها هو الآخر في كاسٍ واحدة ليعتق الفكرة.. وما بين هاتين الطريقتين استخدم الروائي تقنية الفيس والحوار السري في الرسائل الخاصة وعلى الرغم من عدم اهميتها في جسد الرواية لإلا انها تقنية روائية ارادها الروائية وليس الراوي انو ما تحتاجها الرواية من اعلاء الثيمة او الكشف عن الأجزاء الأخرى في الفكرة بهدف فضح أسلوب وثقافة وخيانة العلاقات الخائبة
تحريك السرد الروي ما بعد الاستهلال لم يبدا محاكات الشخصية المحورية.. الاستهلال منطقة روي مباشر.. حوار لتبيان التلاحم والتلاصق بين المرسل والمرسل إليه وهو الموت.. رسالة جزع من الحياة.. الراوي استعان بشخصية أخرى تكون معادل موضوعي للمضي في الاعتراف المخبوء والضمني الذي يوضح اسرار الشخصية وتبعات المعاناة والتحريك والخيانات .. المرأة لا تعترف للموت إلا إذا كان هناك شيئا إدّا لا يقبل البوح لسواه.. ثم يتحول السرد والبوح الى شخصيات اخرى لاكتمال المعادلة.. معادلة الروي من جهة ومعادلة الصعود بشكل عمودي للأحداث والتمدد افقيا للمعاناة.. وما بيم الحالين يتحرك السرد باتجاهات زمنية واماكن مختلفة للكشف عن الاسرار.. الرواية كشف عن الاسرار ولا مجال لإخفاء سر لان المعنى لن يكتمل.. ان تحريك السرد يعتمد ايضا على سوء الحظ كعتبة أخرى بسبب قتامة الحياة ، الواقع.. القسم القاتم الذي جعله سميك الحرف وهو المخاطب الى الموت لإبراز سواد وهو المختص بالكتابة / المذكرات وهي للشخصية المحورية/ هدبل كمما أوضحنا.. وينطلق الروي في الاتساع الافقي لحياة الشخصية المحورية في اقسام الحرف السميك / الاكبر.. وتحريك السرد يتم فيها عبر إعادة استخدام المناداة ( موتي يا موتي)لإعادة القارئ الى الحوار المخاطب، الرسالة / الروي/ الحكاية/ الأسباب..انتظار الكشف عن الإسرار والكشف عن ابعادها خاصة وان الروائي جعلها جاذبة من خلال مشاركة القارئ بالدهشة او الجذب الذي جعله في تفاصيل الحركة لمصاحبة للمفردة وخاصة فيما يتعلق بالحالات الجنسية التي وظفها كشيء طبيعي مرافق للمرأة وحاجتها الدائمة وبالتالي فان التحريك السردي ارتبط بسيكولوجية الشخصيات وارتباطها بشكلة العلاقات العائلية من جهة والجامعية من جهة اخرى والارتباط / الزواج وما تسبب من تقاطعات مع العادات والتقاليد من جهة اخرى.. ان تحريك السرد وتصاعدي يعتمد كذلك على ما يتم قطعه من تواصل الرسالة والبوح والحكي الى ما ه حياتي يومي للبطلة التي توضح حالتها النفسية للمضي في كشف ما هو ناقص في عملية كشف الاسرار وبالتالي اعلان شكل الاسباب التي أدت الى الوصول الى حالة الياس ومخاطبة الموت.ان الطريقة التي انتهجها الروائي في جعل صيغة المخاطب آلية وتقنية،سمحت له بالتنقل بين الأماكن وكذلك التجاوز على الزمن ومع الزمن في ايجاد مواطئ قدم لانبعاث حركة أخرى من داخل الاعترافات، ثم تأتي المذكرات لتمنح الشخصية قدرة على تناول أية حادثة لتكون حكاية المرسل إليه / الموت.ان تحريك السرد من جهة أخرى يتبع منهج السبب كمسبب وخاصة في الاعترافات / المذكرات كما يتبع الدال والمدلول واحراق الزمن المتصل بجزئية الاعتراف ذاته..رغم ان هناك اسهابا في الاعتراف وهو خليط بين انا المتكلم وهو المخاطب او هي المخاطبة مما يمنح السارد / المؤلف / الروائي مجالا أوسع لقول ما يريد من تحليلات اجتماعية والتنقل بين أحداث زمنية عديدة مثلما يتحرك في أماكن مختلفة
الشخصيات
الرواية شحنة من الشخصيات.. ولان شخصيات الهسيس نسياء فإنهن يبقين في دائرة العلاقات المتخاصمة من جهة والمنذرة من جهة أخرى وكذلك الراعية لتصاعد الحدث في بؤرة الاختلاف السيكولوجي.. نساء متمردات على الواقع وخاضعات له وخاسرات منه وبسببه.. نساء يعشن ازدواجية الانعتاق والاستسلام بين التعهد والتخلص من كميات الحون وكيميائية العلاقات الهشة ومنها الزوجية والعائلية.. لذا فان المحاكمة تبدا من الكينونة لهذه الشخصيات وان عبرت بدلا عنهن أمرأه واحدة بطلة لكنها تجمع في حيثياتها كل النساء(( أتعرف ما الذي يؤلمني أكثر من أي شيء آخر؟ هو صدفة أن أكون امرأة، الصدفة التي كانت بمثابة حكما بالإعدام في مجتمعنا هذا لأني لو فعلت نفس الشيء التي فعلتها وأنا رجل لما كان هذا حالي) ص26.. هنا المقارنة والسبب العادات والخسارات والياس واقتناص لحظة التمرد واللذة واحتساب المرأة مجرد وعاء للرجل لكي يقضي حاجته الجنسية حتى انه يتحول الى نقمة والزوج ( يذهب الى الجحيم)ص26 لذا يكون الحبيب المفترض والمختلف والمتعدد هو ( الذي يخلصها من المصير الأسود ) ص27 فما بين هيفاء وسعاد وسلمى وسهاد والجدة..كان جزءاً من محورية الحدث مع الابطال الرجال الآخرين مثلما كن جزءا من محورية الحدث مما يوضح العلائق السردية المرتبطة بالهسيس كعنوان ومرتبطة باليمام كمتن حكائي مثلما يرتبط الاثنان بالتأويل كمعادل موضوعي لكل هذا الدمار السايكولوجي التي تتعرض له المرأة وما يتعرض له الرجل سواء أكان مسببا او مؤثرا او متأثرا بالخسارات التي جاءته بسبب ردة الفعل المنهكة من المرأة.. ولهذا تلعب الشخصيات دور الدائرة الواحدة في رسم تلك المعاناة المتعلقة بالعنونة والاهداء معا ومن تن متصل لهذه الدائرة التي لا تنفصل إذا ما اكشفنا أن الشخصيات الرئيسية هن وجه واحد للمرأة وأن تعدد المصائر.. لذا يكون صوت الشخصيات متحولا بين صوت الراوي/ الراوية وصوت الأنا / الأنثى فتتشابك المستويات وتعلن انغماس الشخصيات في احتراق الدائرة وهسيسها مما يبرز الكثير من علامات الاستفهام حول الشخصيات ليصل الى اجابة مؤجلة دائما في مثل هذه الحالات فينتقل السؤال من ( لماذا ) الى ( كيف) ويبقى سؤال ( متى ) هو زمن الروي الذي لم يصل إليه لأنه من صحة التأويل..
مستويات الحوار
يكون الحوار احد علامات الغدارة الناجحة لأي عمل روائي إذا ما استخدمك بطريقة إبداعية.. الحوار لغة أخرى تظهر المكنون بين الشخصيات والمضموم من المتن والمكشوف من الاسرار التي لم تعلن بعد.. لذا فان بنية الكتابة في رواية الهسيس تعتمد اعتمادا كليا على الحوار كجزء من تقنية التوصيل من جهة وآلية السرد.. في الرواية ثمة استرسال في الحوار في ثنائية البوح لبين الشخصيات في فصول الروي الغائب وثنائية المكاشفة في فصول الروي المتكلم..حتى لكأن المتن السردي في مستواه الصويري يتجلى ويتكئ على الحوار من أجل الصعود بالحدث عموديا، كونه بدأ من نقطة الإرتكاز الأولى وهي حالة اليأس التي وصلت غليها الشخصيات المتعذبة والمعنفة والمعاندة والغاضبة والباحثة عن روحها وذاتيتها.. لذا فان الحوار ينقسم الى قسمين الحديث المباشر مع الموت كقسم مستقل يشارك مع قسم أخر مستل من واقع البطلات الاخريات فكان الموت هو المحاور الاخر لاستلام الحوار بصورة مباشرة إذا ما جعلنا من المذكرات / الاعتراف حوارا مباشرا مستمرا.. حتى إذا ما اتسعت الشخصيات كان الحوار ركناً أساسياً من محاولة كشف شبكة العلاقات والأسباب وإعلاء من شأن الاسئلة المرتبطة بالحدث.. ورغم ان الحوار في اغلبه كان يشبه السيناريو الذي يغلفه الروائي بطريقة من يتابع كل نأمة ويسبق كل حوار بتفصيل حركي قبل اكمال احوار الآخر الا ان في بعضه ورد مطولا وممطوطا افقط لذة التتابع للحالة النفسية للشخصيات وكان بالإمكان الاستعانة عنها بصوت الرواية في متن السرد وتتماهى معها بدلا من إخضاع كل شيء الى الحوار من خلال الاخذ بتلابيب الحادثة والتحول من نقطة الحوار الى نقطة الذروة في الانطلاق بالروي وخاصة في الصفحات من 189 – 196 حيث كان حواريا بامتياز
المفردة
لغة الرواية مهمة جدا في جذب وشد القارئ والكثير من الروايات التي كانت فكرتها كبيرة وإدارة عمل جيدة الا انها ظلت محكومة بمفردة جامدة لا تحرك معها مخيلة بعيدة في التعقب للحركة المرافقة لها لتعطي دلالة الشخصية وأدواتها السردية.. لذا فان بنية الكتابة تعتمد ايضا على تصاعد الفعل الدرامي للحدث المتشعب مع الشخصيات الأنثوية في حالاتها المتراكمة من فعاليات اليأس والمعاناة.. ولهذا كانت المفردة إخبارية لا تحيل الى متن فلسفي خاصة وان التراكم السيكولوجي للشخصيات يحتاج الى تثوير المفردة رغم ان المستوى التحليل كان ظاهرا من خلال تدخل الروائي في توضيح ابعاد أخرى بما فيها التركيز على زمن الروي وهو زمن الحرب والحصار والتغيرات التي حصلت ما بعد عام 2003 من خلال بث معلومات تتعلق بهذا المعيار الزمني.. لذا تبدو المفردة لا تحمل مدلولات شعرية او مدلولات منقلبة على الكلاسيك من اللغة ان صحت الصورة التي اريد الوصول إليها.. بل كانت بسيطة مقادة من قبل الروائية لجعلها مفردة لغوية بسيطة لم تتفاعل مع الحدث الروائي لتتحول الى مخيال سردي كبير حتى في تلك المتعلقة بالجانب الجنسي والشبق الذي يعتري الشخصيات الأنثوية سواء بين المرأة والرجل العشيق او المرأة الغاضبة والمرأة المتمردة في إيجاد لذة جنسية مثلية.. المفردة هنا طبيعية لا تميل الى التحليل او التخيل الدرامي لفعله الأخذ بالمتصاعد كما الفكرة خاصة وانها لغة متقاربة ومتشابهة لأنها ترافق الفعل الدرامي..حتى ان النسوة البطلات جئن من مستوى دراسي واحد.. لذل لم تكن المفردة هي الحصان الذي يقود عربة السرد ولم تكن الحمولة الفكرية موازية للمفردة وهي هنا أكثر مناطق السرد ضعفا في توليد مشغلات الترابط التي توازي الفكرة والثيمة والادارة الناجحة للعمل من ناحيته الدرامية..لذا كانت المفردة أداة لصعود العربية وقيادة الحصان لرسم ملامح الفعل الدرامي بشكل طبيعي.من جهة اخرى فكانت المفردة محلة بتعابير معينة ربما يطلق عليها البعض خادشة وهي موجة الرواية الحديثة التي تحاول ان تستلهم هذه المفردات ووضعها في المتن السردي داخل السياق العام بعد ان كانت تدخل بهدوء وخجل داخل الحوار بطريقة المفردة العامية الا انها غادرت الحوار لتعبر عن مرحلة وهو ما يجعل الامر من وجهة نظري لا تنمح التخيل المراد له ان يكون عليه القارئ لحظة قراءته لمثل هذه المفردات بل ربما تمنحه صدمة وصدمة معاكسة لأنها قد تأتي في مجال ضيقٍ من الرؤية.. أن استخدام المفردات من هذا النوع قد يحقق المتعة القرائية لان الراوي/ الراوية لا تعتمد على صدمة اللفظ ،لذا كانت مثل هذه المفردات تعد إقحامية وان بدا هدفها تعزيز صدقة الواقع حتى وان جاءت بين قوسين..وهو يقول في الرواية ان مثل هذه المفردات لها وقع خاص ( تصور معي كيف يمكن أن يكون وقع هذه الجملة على وجدانك وأنت طفل في العاشرة من عمرك..(ابوية ينيج أمي).. كيف يمكن لعالمي الصغير أن يصمد) ص.67
سايكولوجية المغارة
في الرواية الاعتماد كما ذكرت تعتمد على الحالة النفسية المتأزمة واللجوء الى المخاطب والتداول السردي في طريقة الروي.. ولهذا فان سيكولوجية النساء الصعبة كانت الولوج الى الداخل يشبه الدخول الى مغارة لها فتحة ضيقة جحدا والذي يريد ان يسير به عليه ان يتخذ طريقة واحدة لسبر أغوارها.. لذا كانت الاستعانة عن فتح نافذة أخرى لرؤية الخارج.. الكتابة بصيغة الانا أخذت بنائيتها بطريقة المنولوج مرة ومحاكاة الداخل والاعتراف في كشف اسباب الكتابة الى الموت مباشرة كحلٍ نهائي لمعضلة الحياة مرة أخرى.. يحتاج الروي الى معرفة النفسية .. نفسية المرأة.. الولوج الى الداخل والتقمص لمعاناة والكشف عن اللذة ومعاندتها والكبت وفضحه.. ليس لان الكاتب رجل بل ان الاعتراف النسوي يحتاج الى مقدرة كبيرة.. لذا كان المتن السردي يجتمع في بعض اوجه هذه التجاذبات في طرح موضوعة الجنس في متنه السردي مع المستوى التصويري مع المنولوج المباشر مع محاولة لبث روح المستوى القصدي.. ولهذا نرى ان الجانب النفسي كان مساعدا وكان عبئا في الوقت نفسه.. مساعدا لوضع علامات الجهشة في التلقي وعبئا لأنه لن يتمكن من الوصول الى كشف الاسرار والرواية لا يجب أن يقبى سرا في روي التفاصيل.. ولهذا انتجت لنا سيكولوجية الداخل ثنائية في السرد بين الأنا الراوي والمخاطب الموت او هن من جهة أخرى حين يتحول الروي من رسالة الى وصف أخر من الصراع وهي شبكة من العلاقات النسوية.. وله1ذا حين تجتمع الخيانة مع التمرد مع الزواج الفاشل مع الحب الفاشل مع الحب المعوض الفاشل ايضا مع كسف زيف العلاقات بين الاهل والاصدقاء وقبول الزوج بما يحدث للزوجة والحب غير المكشوف كلها عوامل سيكولوجية متمردة لم يتم كشف النقاب عنها بسهولة وهو مايتم التحول من الوصف للمأساة كفعل اولي الى الوصف للإهمال لمشاعر والتحول الى جانب الاخر القتل بالشرف والاستحواذ على علاقات الأخريات كردة فعل إكراهية كردة فعل لكل الماضي المهمل..بل حتى اللجوء الى الصلاة او التكفير عن الذنب هو اعتراف بان ما كان من ردة فعل ليس صحيحا وهو تراجع من الروائي الذي بث كثيرا احقية المرأة ليعود الى العادات والايمان الذي كفرن به وما حصل هو التأكيد على الجنس خارج نطاق الشرعية خيانة لذا كان الملاذ سجادة صلاة وهو صراع نفسي بعد المضي في درة الفعل العنيفة على الرجل وعلا الداخل الذاتي للمرأة (فنهضت للتوجه الى الحمام، حيث جعلت المياه المنهمرة تزيل لزوجة العرق عن جسدها.. ارتدت ملابسها وخرجت.. مدّت سجادة الصلاة بالاتجاه المطلوب.. صلّت ركعتين قبل أن تجلس على السجادة وهي تردد الأدعية منتظرة سماع صوت الأذان لأداء صلاة الفجر) ص152 وعملية المياه المنهمرة هو التطهير من فعل الدناءة وازالة لزوجة الخيانات العديدة.
مستوى التعبير
يندرج مستوى التعبير تحت عباءة المفردة ايضا في قيادة الفكرة الى حيث التأمل والمتخيل.. لكن الرواية تحمل مستوى التعبير الذي تقوده فصول الرسالة الموجهة الى الموت كجمل متباينة من جهة ومتشابهة من جهة أخرة.. لذ يجنح التعبير للإتيان بالصورة ويقربها من مخيلة القارئ على اساس انها تعبير عن وضوح المقصد.. لذا فكثيرا ما يبدأ فصل المناجاة / المنولوج/ المخاطب بكلمة آه تتبعها كلمة موتي مباشرة ويكون المتن أيضا يحتوي على هالتين المفردتين مجمعتين او فرادا كتعبير عن هذا المكوث الازلي في ايجاد النهاية المأساوية او الاقتراب منها كتعبير عن انتقاص كبير من الحياة، وهو ما يجعل الروي مكررا وكان بالإمكان الاستعانة عنه بكلمات أخرى لان الاستغراق بالتكرار قد لا يولد تأويلا جديدا ولا يولد مخيلة سوى اشباع المخاطبة لكن بشكل مفرط وهذا يشكل عبئا على بنية الكتابة أكثر مما يحولها الى لغة خفيفة في التلقي خاصة اون آه مشبعة بحماية الياس والإعتراف والنقد وجاءت كمخاطب على انه توجع أنثوي اثقل الروي وأضعف لمتن المروي.. ولم تشكل علامة من علامات تصعيد الحدث أو زيادة في مستويات التعبير لأنها لا تخبر عن أفعال جديدة لها تأويلات أخرى ..
فقد وردت آه وموت مثلا الصفحات من 153 – 158 خمس عشرة مرة منها خمسة معا وثمانية كلمة يا موت او يا موتي واثنان آه مفردة.. ولكن مستوى التعبير ايضا يجنح في طرح الاسئلة الكثيرة التي تعتمد عليها خاصية المبنى الاساسية التي تريد التفسير والتشكيل مع القصيدة وبثها في جسد الرواية للبحث عن إجابة سيكولوجية وليست إجابة ترميمية او قادرة على معالجة الاسى والخيانة والياس وتتجمع في بؤرة اسمها السباب لان السبب والمسببين هم الجهة الأخرى لهذا الواقع.. الأسئلة تعبير آخر عن مستويات غائية مضمرة او معلنة لأنها تتراكض بسرعة تارة او بهدوء تارة أخرى لكن ضجيجها يكاد يمزق صخرة الراوي/ الراوية// الروايات العديدات/ المخاطبة / المتكلم/ الغائب.. ولذا فان الاسئلة كتعبير لا يجيب عن المعبر عنه بل تترك الأسالة على طاولة الصراخ الأزلي وتمضي مع الصدى لعله يعيد انتاج أسئلة مرة أخرى من قبل المتلقي، خارج نطاق الاسئلة التي لا يريدها الروائي ان تنتهي الموت.


















