التعبير عن مكنونات الذات في أعوام الذئب
بارقة أمل بإستشراف الواقع
علوان السلمان
الكتابة الروائية حقل ابداعي يعاد فيه نتاج الصراعات على الواقع بتناقضاتها وحركتها الداخلية بوساطة مخيال المنتج(السارد) الذي يعد قوة خلاقة في اضاءة التجربة ونسجها مجسدة بلغة موحية بعيدة عن التقعر..مشحونة بصخب الحياة..ومتميزة بقدرتها الادبية وجماليتها الفنية لتحقيق وظيفة قصدية مفسرة للوجود بوعي خالق لعمل فني يتم من خلال تفاعل التجرية في اعماق الذات ومن ثم نضجها الشعوري واستلهامها لتناقضات الواقع عبر دائرة تتميز بشموليتها لخارطة الوجود وقدرتها على رصد العلاقات الاجتماعية..كونها تنفعل وتتفاعل مع الحدث وتوتراته معتمدة على الوعي الذي هو شكل من اشكال النشاط الذهني الذي يستنطق ما خلف الالفاظ من اجل تقديم صورة للوعي الذاتي في اطار الوعي الجمعي..
و(اعوام الذئب)المنجز السردي الذي نسجت عوالمه النصية انامل المبدع حميد المختار واسهمت دار ومكتبة عدنان في نشره وانشاره/2016.. كونه نصا ثقافيا دينيا فكريا اجتماعيا ناتجا عن منظومة فكرية وبنية عقلية انسانية.. فيها يعتمد السارد السرد الداخلي(الذاتي) بصفته حاضرا كشخصية فاعلة في امتدادات الحكي..مؤثرة ومتاثرة وليس مراقب خارجي فيكشف عن سلسلة من التحولات في الرؤية والتجربة فيشكل شخصية نامية كاشفة عن رؤياها الراصدة للصراع بين عالم مثالي وعالم طبيعي..الصراع بين الايديولوجيا واليوتوبيا للكشف عن الرغبات عبر الرمز والصورة(المشهد)..ابتداء من العنوان العلامة السيميائية الدالة على امتلاك سياقه الرامز بمستواه العميق المتداخل وفضاءات النص من جهة وتأشيره لطبيعته التواصلية من جهة اخرى..وتشكيله لوحدة واحدة لمجموع الفصول بعنواناتها(الناسوت)..الطبيعة البشرية التي يقابلها اللاهوت بمعنى الالوهية..وفصله الاول بعنواناته(وحش الاعماق ومفكرة الخرافة وسادوماسوشيا.. وفصله الثاني الذي اندرج تحته(حلم الاحلام وفراشات محترقة ونسور لقمان واطفال وحشيون وميلودراما للعوائل ويقظة الملوك وسعداء نحن في توابيتنا ايها الضيوف..فالقسم الثاني(الجبروت) الذي هو صيغة مبالغة من الجبر ويعني عالم الاسماء والصفات الالهية(سبحان ذي الجبروت والملكوت..)..وفصله الاول الذي اندرج تحت بابه(حورية البحر ورسالة من جوانا ومطر الدم..اما فصله الثاني فقد كانت حصته( كثبان الموت تزحف نحوك وفجر الملائكة وانا اسد يهوذا النائم وغوانتا نامو وانت غابة كاملة ياحبيبتي..فالقسم الثالث(الملكوت)..عالم الغيب المختص بالارواح والنفوس..(او لم ينظروا في ملكوت السموات والارض..)..وتشكل فصله الاول من (الغيبوبة وما تبقى من الغضب والنهايات القصوى للالم..اما فصله الثاني فشمل(طوبى لنون البحار وهيولي الجسد وكتاب الذخائر والمغالق والرجوم..اما الفصل الاخير فكان عنوانه(ظلان في مشهد البحر) وقد اندرج تحته اربعة عنوانات رقمية استدعت المستهلك(المتلقي) ليسهم في بناء النص..الذي ينفعل السارد ويتفاعل فيه بالحادثة مع اهتمام بالبعد الاجتماعي والروحي من خلال استخدام تقانات فنية كالحوار بشقيه(الذاتي والموضوعي) والزمكانية والوصفية واعتماد اسلوب الاسترجاع والتذكر..اضافة الى الميتاسرد الذي يبرز كمرتكز اساس داخل السرد وستراتيجية لتحريك الاحداث…
تقليب اوراق
(تركت كل الاشياء وبدأت بتقليب الاوراق..كانت تتحدث عن وقائع حدثت في هذا المصح بما فيه من شخصيات النزلاء المرضى وسواحل بحور قريبة منه ونساء جميلات يزرنهم في احلامهم واخريات يدخلن عليهم في ايام الزيارات..المكان اشبه بالسجن المركزي ففيه اقسام وردهات وممرات وثمة من يراقب كل شيء..وملامح المرضى هي ملامح نزلاء السجون لكن كاتب هذه الاوراق يصفه كمكان معزول لعلاج المصدورين والمحتضرين..فضلا عن ذلك كله هناك احداث وارتحالات ذهنية كثيرة..ويبدو لي ان الذي كتب هذه الاوراق هو كاتب متفرغ لذلك يكتب بعيدا عن العيون المتطفلة والمراقبة..كان نزيلا في المصح ولا ادري ان كان مات هنا في هذا المكان أم أنه نجا من الكارثة..على اية حال ساكتب كل شيء في تقريري فواجب الامانة يدعوني الى قراءة هذه الاوراق بدقة فصلا فصلا علها تفيدنا بشيء ولا سيما ان المصح مقبل على عهد جديد..ولتكن هذه الاوراق التاريخ الحي الذي دون وقائع حدثت في هذا المكان وما زالت آثارها باقية حتى الآن..) ص10..
فالسرد يتحرك من خلال سلسلة من العتبات النصية التي تضيء عالم الرواية والتي تمثلت في العنوان والاقتباسات الافتتاحية لكل من(عباس كيارستمي)(مخرج ومنتج سينمائي وكاتب سيناريوايراني..) و(جاك كيرواك) روائي امريكي من اصل كندي له رواية(على الطريق)..وهذه النصوص الموازية تكشف عن الترابط الجدلي ما بين السينما والسرد..مع فصل بمثابة تمهيد يكشف عن خطاب قلق متمرد على القوالب الجاهزة بتجاوزه لها..فضلا عن تكسير خطية السرد بانتهاج اسلوب الاستنطاق الذي طغت عليه هيمنة السارد الذي اصبح بطلا فعليا بتفسيراته وتعليلاته واستطراداته..اذ يوظف السارد منذ البداية ضمير المتكلم حيث تبدو الرواية سردا سيريا ذاتيا(بيوغرافيا) يفيد من عناصر المنولوج(الحوار الذاتي) والارتجاع(فلاش باك) ورسم المشهد وتحريكه من خلال سلسلة من المواقف غير الخاضعة لمنهجية مالوفة وانما هو مزج لمكونات خطابات غيبت الحوار المعتاد ودفعت بالاستنطاق او الاعتراف مع الاشتغال الواعي بتقنية الميتاسرد التي تقوم على فكرة التوازي بين نصين وكسر الخطية التتابعية لتنامي الحدث..
(على سريري في المصح لم استطع ان اتصور انني ساسير الى ذلك المكان الحلم..المكان الذي فارقته منذ أمد بعيد..المكان الذي كثيرا ما كنت اتوارى فيه حتى عن نفسي..الشيء الوحيد الذي يزعجني هو الزيارات الخاطفة للاشباح المنسلة من ذاكرتي ومعارفي القدامى..تلك التي تاتيني حتى في صحوي..انها صور الموتى من اصحابي الذين اكلهم الداء وفقدان الدواء محولا اياهم الى هياكل عظمية لا تستطيع حراكا..احيانا اسمع اصواتا متداخلة تقتحمني بفظاظة..اصوات اسمع فيها صوتي بوضوح يدعوني الى الخروج من نفسي ومن السرير والمرض والمصح والارض والعالم اجمع فاتشظى كالمرايا المخاتلة التي تنتحر متفجرة عل الوجوه المصبوغة بالالوان الفاضحة..لكن الذي يلهمني بشيء من القوة والتحمل هو زيارات جوانا المرأة الآتية من اقصى شمال الارض تلك المرأة التي قادتني الى مناطق الحلم وابقتني في حدود الصحو واليقظة..انها الحية الوحيدة في عالمي الميت والمليء بالاشباح والارواح الهائمة..) ص26..
فالسرد يقيم بنيته على اسلوب القص الحكائي الذ ي شكل بعدا وظيفيا مع نموه باطراد وتصاعد منحاه الذي يؤكد على قدرة الوعي بالفعل واتساع افق الرؤية باتساع عنصر الحركة الذي شكل احد معطيات المستوى الحسي للغة التي وظفت الاشياء بطريقة مستفزة وموحية اسهمت في تطوير البناء الدرامي للسرد..لذا فالنص يمتاز بالتجسيد العميق والمتحرك والمتعدد الجوانب من النواحي النفسية والعاطفية والروحية والاجتماعية مع قدرة على متابعة نمو الشخوص ونضوج تجربتها ورسم معالم تطور وعيها..فضلا عن توظيف الوصف الذي يثير الحواس والايحاءات لتجسيد رغباتها المكبوتة..اضافة الى اعتماد الرواية في بنائها على السرد البطيء بلغة سهلة ممتنعة مع تنوع مستويات السرد وتعدد الشخصيات وانفتاح المكان بشقيه(المغلق والمفتوح) وامتداد الزمن بكل افعاله(الماضية/الحاضرة/المستقبلية) وتعدد الصور وتلون المشاهد وهي تعلن عن امتداداتها من (مشفى التويثة) عبر اوراق التقويم والكيس الذي جلبه عامل الصيانة..
(كنت لم ازل اقلب اوراق التقويم امامي واذا بعامل الصيانة يدخل علي حاملا كيسا قذرا وهو يضحك مستغربا ويقول:
ـ دكتور هذا الكيس وجدته في غرفة الامانات
ـ الامانات..أية امانات؟
ـ اقصد المكان الذي كان يسمى بغرفة الامانات
ـ وهل رايت ما فيه؟
ـ فيه اشياءغريبة وثمة اوراق كثيرة ايضا) ص9
وعي الشخصية
فالنص يتميز بتوازي الحدث والشخصية..لكن السارد يقدم وعي الشخصية باعتبارها ثيمة النص التي تعيش مجريات الحدث مكتنزة بتوتره الدلالي..اضافة الى انه يشحن سرده بالتأمل فيدخل خطابه في خضم الاسئلة التي زاد من لهيبها ذلك الاستبطان للموروث…
(في اليوم التالي كنت عند ساحل البحر محاولا الكتابة..في ذات المكان الذي رايت فيه الرجل العجوز..فجأة انشق البحر وخرجت فتاة من بين طيات الموج..لم تكن ذات الفتاة التي رايتها للمرة الاولى..تراجعت قليلا الى الوراء وانا مندهش من غرابة هذا المشهد ..اقتربت مني آوه ياالهي.. انها..تشبه فتاتي عصفورة الاحلام القتيلة..كان الماء يشكل سيولا شفافة تجري في انحاء جسدها الذي اختفى خلف القواقع والاشنات واعشاب البحر قالت:
ـ هل ما زلت تنتظرني؟
ـ آه..آه ياالهي..
ثم طفقت ابكي بشدة
ـ رباه هل انا في حلم..يا الهي الرحمة
ـ لقد اصبحت عجوزا يا حبيبي
ـ آه عصفورتي ايتها الغالية..اين ذهبت؟
ـ انا قريبة منك دائما
ـ كيف ..كيف؟
ـ هل ما زلت تذكرني ياحبيبي؟
ـ وهل نسيتك يوما..؟ ص104 ـ ص105
فالسرد يستند على تقديم الحبكة برؤية من الخلف باعتماد ضمير الغائب الذي يتوارى خلفه السارد العليم ليقدم رؤيته للوجود عبر نسق زمني متنام..اذ يبدأ بضمير الغائب من خلال حوار داخلي مستذكرا حركة الزمن وهو يسير بخط تعاقبي..افقي وفق رؤية تعتمد منطق التعاقب المشهدي المبني عل الحوار الذي يعزز عنصر الدراما في سرده الاجتماعي باعتماد السؤال والجواب في ثنايا السرد والوصف الذي يستجيب لمتغيرات الواقع وتاثيراته وهو يعكس فاعلية الجذور التاريخية التي استقى منها الروائي روافده متكئا على مرجعيات متعددة منها استحضار التراث الحكائي مع تجذر شخوصه في بيئتها وقوة تشبثها بالعادات والتقاليد الموروثة..فيسجل تفاصيل الحياة ويتعامل مع العادي فتشكل لرواية همها الذي لا يجردها من دفئها الانساني ولحظتها المشبعة برائحة الحياة..فهي تعتمد في بنائها على واقعية المذكرات التي تؤرخ للاحداث فعمدت على احتواء الاحداث التاريخية احتواء فنيا في اسلوب عرضها وانتقالاتها السردية..
11 – هذان برجان عملاقان عمرهما 30 سنة
110 – هذا عدد الطوابق في كل منهما
11 – وهذا تاريخ الانهيار
هنا يرقص الرئيس على رنين الاجراس وتحت نصب(سفير) انه زمن الجراح في دمك يا امريكا وهو يتخلق كقطب الافق في ارتجاج الكلمات المفاجيء..في ارتجاج الزجاج والحجر..لا حاجة لنا للكلام..لا حاجة للعذوبة الناعمة والطرية منذ صباح الانهيار وهي قريبة من الاعناق المائلة..لا حاجة للجروح المستعارة لاجلنا لتلتهب بجوار الفريسة..)ص131..
فالرواية تسجل حدثا تاريخيا يتمثل في الهجمات التي شهدتها الولايات لمتحدة الامريكية في11 أيلول/سبتمبر..اذ تحول اتجاه طائرات نقل مدني تجارية وتوجهها لتصتدم باهداف نجحت في تحقيقها وهي(مركز التجارة الدولية ومقر وزرة الدفاع(البنتاجون).. وهي تعتمد اسلوبين متداخلين في بنائها النصي اولهما: انها تحكي الحدث بلغة متوهجة من خلال اسلوب التذكر ..وثانيهما ينهي السرد ببارقة امل وهي تستشرف الواقع المازوم..الملتف بقلقه..فيما كان اعتماد الروائي على الاستذكار التاريخي وتوظيف الحكاية الحدثية في التدليل على القيمة الاجتماعية والبعد السياسي التحريضي الذي تتنفس عوالمه الحكاية المروية..اضافة الى تركيز الروائي في تأمله للواقع على ركنين اساسيين اولهما:تفسيري وثانيهما تجريدي..هذا يعني انه يمازج بين نسقين فنيين اولهما: واقعي وثانيهما تخييلي..لذا كانت ذاكرته تتارجح ما بين الاقتراب والابتعاد من لحظات الذكرى باسلوب امتاز بتنسيق الاحداث والمحاورة الكاشفة عن دواخل الشخصية بلغة رامزة..مكثفة قادرة على الاشارة من خلال بنيتها وتركيبها وقدرتها عل الاشارة..كونها مدلولا فنيا استدعته الرواية لتصعيد التكنيك فيها..فضلا عن توظيف الهامش الذي يلعب دورا فنيا مكملا للمتن النصي..اضافة الى توظيف الجزئيات للكشف عن دخيلة الشخصية وتطور الحدث وهي تعرض الظواهر ابتداء من منطلق الزمن الاول حتى الحاضر مع المزاوجة بينها بكل ابعادها مما منح النص بعدا غير محدد احال الخيال الواقعي الى خيال متجسد فيه الحلم مشوبا بالواقع من اجل التاثير الوجداني في نفس المستهلك واستثارته..
(قال الرجل العجوزفي نفسه: لابد ان اصطاد شيئا هذه المرة..كان يحمل ادوات صيد ماضيا الى البحر..ظل يتساءل في نفسه عن معنى خلو الساحل في مثل هذا الموسم واعتدال الجو الذي ينبئ ببشائر الربيع..كان الناس في الماضي لا يتركون لك مكانا حتى للوقوف..يا لهذه الفصول الخاوية حين رفع راسه متاملا سعة البحر وهو يحد الافق المتلامع امامه لمح من بعيد على تخوم البحر وامواجه المتلاطمة باصواتها الغاضبة ثمة امراة تحمل شيئا على صدرها ملفوفا بالاقمشة كما لو كان طفلا رضيعا وهي تتجه باصرار الى ظل اخذ يتلاشى في مشهد البحر..) ص217.. فالسارد يهتم برسم الشخصية من الداخل ويعمق البعد النفسي..اضافة الى افادته من عنصر الزمن الذي شكل والبعد المكاني تقنية فنية في بنائه النصي..اذ يطرح رؤيته السردية وهي تسبح ما بين عوالم التذكر وتفصيل الحوادث فتبرز قدرته في التقاط الواقع بلغة حوارية تستخدم الحوار الداخلي للكشف عن دواخل الشخصية ومدى تفاعلها مع الخارج بالفاظ تتناسب والوعي الذي تمتلكه الشخصية..
وبذلك قدم المختار نصا مركبا من لقطات مشهدية يجمعها خيط رفيع من الواقع المتشظي الذي يشكل اطار اللوحات المتداخلة التي تختصر الزمن ويعرضها عرضا توثيقيا.. بانوراميا.. تاريخيا ومكانيا من خلال التغيرات التي طرأت عليه وسكانه برؤية جمالية للتعبير عن مكنونات النفس الانسانية وهي تجمع بين واقعين اولهما:غاب في ذمة التاريخ وترك آثاره قائمة وثانيهما واقع يحاول سحق الانسان بعد انحساره في ذاكرة التاريخ..


















