يوميات معلم في الأهوار (ج 2)

يوميات معلم في الأهوار (ج 2)
حينما كنا تلاميذ في المرحلة الأبتدائية احببنا درس الرسم (الفنية حاليا) بشكل كبير خصوصا عندما يطلب المعلم رسم منظر طبيعي. يرسمه على السبورة ويصف لنا الريف والهور ويجعلنا نتشوق لتلك الطبيعة حيث الماء والخضراء والوجه الحسن كما يقول ذلك المثل الرومانسي .لذلك حينما كنا نرسم المنظر نبدع في رسم الماء والبلم والصريفة لأننا عشقنا تلك الطبيعة رومانسيا بل تمنينا ان نعيش واقعيا في تلك الطبيعة.
وجاءت الفرصة مع الكبر وكما كتبت ذلك في الجزء السابق . والواقع ان احلام الطفولة وحتى تصور الكبار شيء والمراد شيء اخر.فالعيش في الأهوار صعب لابن المدينة .والتكيف مع ذلك الواقع يتطلب الكثير من الصبر والمعاناة . فكما وهبتهم الطبيعة اشياء كثيرة فأنها قست عليهم بأشياء اخرى وقد وهبهم الخالق بما يجعلهم صمدوا امام تلك المعاناة . فبعضها عندنا كعبور نهر لشخص لايجيد العوم. وعندهم لا اهمية لها. اذن هي حياة الهور وما علينا الا اطاعتها والتكيف معها.
وكما علمنا استاذنا القدير-طيب الذكر (جعفرابو رغيف) ودائما يردد حكمته(اياك ان تغرق بشبرماء)
في الصباح كل شيء هادئ .فبعد انتهاء الدوام وقيلولة هادئة في ايام الخريف والشمس تدلي بخيوطها مترخصة بالغروب
حيث تستلهم الأجواء الرومانسية الاان ما يكدر ذلك بدء الهجوم المنظم لفيالق -الحرمس.تلك الحشرات التي لاتستطيع التصدي لها او منعها . اذن -حك-الجسم وحتى الفجر هي الوسيلة الوحيدة التي نعرفها.ناهيك عن عدم ارتياح في العشاء اوالمطالعة او اي عمل بما فيه الأستماع الى الصديق العزيز راديو صغير-فتلك المناطق خالية تماما من اي مظهر للمدنية العصرية الحديثة وذلك ما سهل عملنا التربوي في تلك المناطق .حتى تلك الحشرات فأنها لن تعرقل نشاطنا وان كانت تحرمنا من نوم هادئ .وان كنا نأخذ بحكمة استاذنا بالتكيف الا احيانا وزميلي استاذ(محسن احمد) ونحن نحك ونقول (سيد هاي شلون حلهة).
(ابو خضير) حارس وفراش المدرسة وهو ليس من المنطقة وانما من سكنة قضاء الكحلاء ذلك الأنسان الرائع والذي يملك موسوعة كاملة عن سكان الهور وكيفية التعامل الدبلوماسي معهم .كان (رحمه الله) انيسا ساهم كثيرا في تقليل معاناتنا وانهاء مهمتنا بالشكل المطلوب.اذن على ابو خضير ان يرشدنا الى حل في التخلص من -الحرمس، فيجيب والسكارة،(اللف) لاتفارق شفاه -هاي سهلة -نسوي مدخنة وبذلك يهرب الحرمس. وكان حل قاسي لنا فعلينا ان نتحمل الرائحة الخانقة وتوسخ ملابسنا واجسامنا. واقترح طرقاً اخرى منها ان نبلل ملابسنا او نغطي وجوهنا بأية قطعة قماش او امور اخرى وجميع تلك المحاولات فشلت في التصدي لتلك المخلوقات العجيبة فهي اشد اذى وقساوة من البعوض وغيره من الحشرات القارصة والتي يمكن القضاء عليها بأقل القرصات. انه موسم الخريف وهو ربيع لجميع الحشرات .اذن ما علينا الا السهر وسرد الذكريات والاماني وتبادل الحكايات .يشاركنا العم ابو خضير بعد ان يغط في نوم متقطع في بيته المحاذي لصريفتنا(بيتنا) ليحكي لنا الوان من تلك الحكايات التي تتحدث عن ذلك المجتمع (سكان الهور) والواقع المدهش لهم حينما كانوا تحت رحمة الاقطاع والشيوخ .
انها مجموعة من المعاناة المرة. لقد حدثني والدي(رحمه الله) عن ذلك المجتمع وهويعرف عنهم الكثير لانه كان يمتهن شراء الجلود منهم .المهم علمني كيف اتعامل معهم .فهم اناس غاية في الطيبة والبساطة واحترام ذوي العلم خصوصا المعلم.هكذا اتفقت جميع الروايات. لقد تصورت ان اهل المنطقة سهارى مثلنا لكن ابوخضير – يابة الوادم غفوا من الغروب – والحرمس يا عم. اجاب مبتسما -استاذ هايزلاطة مثل ما تكولون اهل الولاية (سكان المدن) لكن هناك شخص قادم..هز ابو خضير رأسه وقال هذا الرجل يمتهن شغلة غريبة لايمكن لاحد امتهانها -وما تلك المهنة الخرافية.
انه صياد الخنازير بين حقول الشلب .فلولا هذا الرجل لدمرت الخنازير الكثيرمن المحاصيل الزراعية .وان اجور الرجل كمية متفق عليه من محصول الشلب ولكن مايشغلنا-هل في يوم ما تصل تلك الحيوانات لنا وتداهمنا ؟ الاجابة عند الرجل .هكذا اوحى لنا ابوخضير في اجابة مازحة ماكرة! .ودعونا الرجل الى مجالستنا لنستأنس بأحاديثه حول تلك المهنة الرهيبة. نزل من زورقه الصغيروالذي يسمى (البليم) وهو يتسع لموطئ قدمي الرجل .وعرفت ان استخدامه لذلك الزورق الصغير ليمكنه المرور في الأنهر الصغيرة والسواقي والترع اي انه مصمم لمهنة (صيدالخنازير)
توجه نحونا ونزل من زورقه. وقبل ان يسلم علينا طمئننا واقلقنا ايضا بقوله (لاتخاف ونشحدها لخنزير يجيكم) ثم سلم علينا .كان رجل طويل القامة يمتلك عينين الفراسة واضحة فيهما. واكد انه يستطيع وعلى اي بعد معرفة الخنازير
داخل الحقول وانه لايحتاج سوى رمية واحدة للأيقاع بفريسته !!وبدا المزاح معه حين قال له زميلي انك لاتحتاج الى سلاح لان الخنزير يخاف حين يراك ويستسلم .تصورت ان الرجل اغضبه الكلام لكن كان العكس حينما أيد ذلك مضيفا .انه مرات عديدة يشعر بوجودي فيهرب مني ذلك الرجل الوحيد من سكان القرية لاينام الليل فامسى صاحبنا في سهر تلك الليلة. ووجهت له السؤال الذي اقلقنا -هل يوم ما ستتصل الخنازيرالينا؟؟ اجاب بثقة اذا كان موجود فأن اي خنزير لايستطيع الوصول الى اي بيت في القرية كما انه لم ينف وقوع حوادث من ذلك النوع بل
اكد تعرض بعض السكان الى حوادث مع الخنازير مما ادى الى اصابات خطرة!! ماذا يحدث لو هاجمتنا تلك الحيوانات وقد غفل ذلك الرجل عنها!!؟؟
سجاد جاسم الزبيدي – ميسان
/9/2012 Issue 4303 – Date 13 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4303 التاريخ 13»9»2012
AZPPPL