هدم الأضرحة أم بناء العشوائيات؟
حسن حنفي
مما لا شك فيه أن بناء الأضرحة، المساجد فوق قبور الأولياء الصالحين غير شرعي. فقد حذر الرسول من اتخاذ قبور الأنبياء مساجدا لا تتخذوا من قبور الأنبياء مساجدا بالرغم من أنه قال أيضا قبري روضة من رياض الجنة . وقد سارت الحركة الوهابية، أولى الحركات الإصلاحية الحديثة، في هذا الاتجاه. ومازال سائدا في بعض البلدان وأهمها الحجاز، خوفا من الإشراك بالله. وهو امتداد للإسلام السلفي والأثر السعودي في مصر بعد زيادة العمالة المصرية المتخصصة واليدوية فيها. وعادت بالذقن والجلباب والسبحة والطاقية، والتركيز على الشعائر والمحرمات. وهو إسلام حرفي إنتقائي لا يأخذ من الإسلام إلا الشكل دون المضمون. ويغير نظام الأولويات فيه بدلا من الدفاع عن المصالح العامة وإشباع حاجات الناس في الغذاء والكساء والإيواء والتعليم والصحة والرياضة البدنية. يتمسك بالمظاهر. فهي الطريق السهل والذي يحشد الناس، ويصعب الاعتراض عليه لا من الفقهاء ولا من العلماء المثقفين ولا من عامة الناس. وما الفرق بين الولي وغير الولي؟ ألا يعزوا الناس للولي الكرامات التي تجعله قادرا على ما لا يقدر عليه الآخرون في الحياة وفي الممات؟ وهو نوع من الإشراك بالله، بالتوكل والاعتماد عليه، والدعاء له، وطلب المساعدة منهم.
وبالرغم من صحة الموقف الشرعي إلا أنه اجتماعيا قد يسبب بعض ردود الفعل. والرسول لم يهدم الكعبة بل نظفها من الأصنام. وصرح لعائشة أنه لولا أن قومها حديثو عهد بالكفر لهدمها لأنها في النهاية حجر مهما يكون بانيه، إبراهيم أو غيره، ومهما يكون من جدده، ومهما يكون وضع الحجر الأسود فيه، من السماء أو من الأرض. فقد أصبحت الأضرحة مكانا للموالد والأسواق والفنون الشعبية ولتجمع الطرق الصوفية التي هي أيضا في شرعيتها شك طبقا للحركة السلفية الإصلاحية. فهي ليست ظواهر دينية، شرعية أم لا، بل ظواهر اجتماعية خالصة أصبحت جزءا من تاريخ مصر مثل مساجدها. وأصبحت تعرف القاهرة وغيرها من المدن بأنها مدينة الأضرحة وأولياء الله الصالحين. يزورها السياح لهذا السبب. ويدرسها المستشرقون ومؤرخو العمارة والفنون.
وماذا سيفعل أنصار الحكم الشرعي من الحركة السلفية الإصلاحية بالحسين في مسجده وبالسيدة زينب في مسجدها، وبالسيدة نفيسة في مسجدها؟ ماذا سيفعلون في قبور الشافعي من الفقهاء، والسيد البدوي والرفاعي من الصوفية وأصحاب كرامات شهد لهم الناس بقدرة الرفاعية السيطرة على الأفاعي وإخراجهم من الجحور وتخليص الناس منهم؟ ولا يمكن تصور القاهرة بدون أضرحة آل البيت الذين لجأوا إليها هربا من اضطهادهم في الشام من بني أمية؟ وما العمل في أضرحة القديسين النصارى داخل كنائسهم مثل سانت تيريزا؟ لو هدمت لكان تعصبا. ولو تركت لكان معيارا مزدوجا، الرحمة بالنصارى والقسوة على المسلمين. وقد لا يكون أحد من عباد الله الصالحين، فقيها أو وليا أو راهبا بهذه المساجد أو الكنائس بل هكذا اعتقد الناس. وكثير من عقائدهم التاريخية لا تطابق الأبحاث التاريخية الحديثة سواء على النصوص أو على الأنبياء أو على القديسين وذلك مثل رأس الحسين وكسيف علي البتار الموجود في كل مساجد الهند وباكستان، وفي كل منها شعرة للرسول.
وماذا لو قامت العامة واتهمت من يقوم بالهدم أو من حكم به بالكفر والإلحاد، وبدلا من خدمة الإيمان الصحيح قام الناس ضده بعد أن رسخت العقائد الشعبية وأصبح من الصعب تخليصهم منها بسهولة إلا بعد جهد عدة أجيال؟ الخطأ لا ينقض الخطأ بل يثبته. ومجموع الخطأين لا يكوّن صوابا. والتعصب لا يواجه بتعصب مضاد بل يزيد التعصب حدة ويقويه.
والبديل هو إعادة بناء المقابر، وإخراجها خارج المدن، والصحراء واسعة، وتحويل أماكنها إلى مساكن شعبية آدمية تبتلع الأضرحة داخلها. البديل هو إعادة بناء العشوائيات وعشش الصفيح إلى مدن عمالية كما حدث في الستينات، وداخلها كل الخدمات الممكنة من مدارس ومستوصفات وساحات رياضية لأطفال الشوارع. البديل هو مشروع قومي للإسكان الشعبي بدلا من المقابر والعشوائيات التي أصبحت مرتعا لتجارة المخدرات وأماكن لهروب المجرمين أو مقالب للقمامة. ويساعد ذلك على إيجاد فرص عمل للعمال العاطلين ولتحديث أطراف المدن، مداخلها ومخارجها. وتوضع مكان الأضرحة ميادين عامة وحدائق بها تماثيل الزعماء الوطنيين أو رموز الطبقة العاملة، العمال والفلاحين أو الطلاب بناة المستقبل للحث على التعليم ومحو الأمية كما كان يصدح الشيخ إمام في ثورة الشباب في 1972 في أغنية شيد قصورك ع المزارع ، عمال وفلاحين وطلبة ، استعادة للهتافات الوطنية في الأربعينيات يحيا الطلبة مع العمال .
وما أسهل من فرض ضرائب تصاعدية على قصور التجمع الخامس وأشباهه من الأحياء ومساعدة الأغنياء في إسكان الفقراء. ما أسهل من فرض ضرائب عقارية على أصحاب الشقق التمليك تتصاعد تدريجيا حتى أصحاب القصور السكنية والفيلات الترفيهية على سواحل مصر الشمالية والشرقية. ما أسهل تحصيل ضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة لمساعدة أصحاب الدخول المنخفضة. ويمكن معرفة الحد الأعلى والحد الأدنى للأجور عن طريق تقسيم الدخل القومي على مجموع المواطنين بالتساوي لمعرفة نصيب كل مواطن نظريا من الدخل القومي بصرف النظر عن طبيعة عمله وخبرته وأجره المرتفع إذا عمل في الخارج. وما أسهل من توزيع الخدمات على الأحياء في المدن الكبرى بالتساوي. لكل نصيبها من الدخل القومي وليس فقط الأحياء الراقية التي يسكنها علية القوم أو الأجانب في خطة عامة للتنمية القومية تبدأ بالمناطق الأكثر تضررا والأحوج إلى الخدمات العامة مثل سيناء، والواحات، والصعيد، والريف، والأحياء الشعبية.
هذا هو الشرع العملي، وذلك هو تطبيق الشريعة، لا فرق بين إسلامية ومسيحية. وهذه هي الخدمة الوطنية، لا فرق بين دينية وعلمانية، بين سلفية وليبرالية، بين أصولية وحداثة. فالشريعة للبناء وليست للهدم، للأحياء وليست للأموات، للإيجاب وليست للسلب، للواجب أو الفرض وليست للحرام أو المحظور. حينئذ يشعر الشعب بأن القضية ليست هدم الأضرحة ولكن بناء العشوائيات، وأن التشريعات ليست فقط للتحريم بل أيضا لأداء الواجب، وأن الإسلام ليس فقط موضوعات نظرية كالولاية والكرامة ولكن موضوعات عملية تتعلق بحياة الناس وبمصالحهم العامة.
الهدم دون البناء، هدم الأضرحة دون بناء العشوائيات، قد يثير الناس الذين تعودوا على تقديسها وزيارتها، وتفريغ همومهم فيها. فالثقافة التقليدية مازالت تقوم على تقديس الأولياء والقديسين وعزو الكرامات لهم، ودعوتهم لقضاء الحاجات. أما البناء، بناء العشوائيات، فإنه يوجد البديل للثقافة الشعبية التقليدية في قضاء حاجات الناس، ورعاية المصالح العامة. وأن الولي لا يستطيع أن يطعم جائعا أو يعلم أميا أو يشفي مريضا أو يأوي مشردا أو يربي أطفال الشوارع، ويحميهم من تجارة أعضائهم. إنما يأتي ذلك على الأمد الطويل بالتعليم والوعي الذاتي، والقدرة على تحليل الواقع ومعرفة العناصر المكونة له وعوامل تغييره. وهو آت لا محالة.
ودون انتظار تستطيع الثورة حاليا على الأمد القصير أن تقوم بدور التعليم على الأمد الطويل. فالثورة تغير فجائي بعد طول ثبات، بركان بعد طول هدوء، وحركة بعد طول سكون. تستطيع أن تجرف الموروث الشعبي وتعيد صهره بعد أن تصلب وتحجر. فقد كان نتاج التاريخ والصراعات الاجتماعية والسياسية فيه. لا يوجد موروث شعبي دائم وأبدي إذ أنه نتاج كل زمان، وإفراز كل عصر. ويحدث انتقال نوعي من موروث إلى آخر. من موروث تقليدي ضار استغله السلطان وفقهاؤه لتسكين المجتمع وإبقائه على حاله إلى موروث حركي جديد قادر على تغيير السلطة ورجالها، يحمي مصالح الناس. ويتحول المقدس من موروث إلى آخر. ويهتز ثباته، ويقضي على أبديته حتى يبدد التعليم المفهوم ذاته. ويتحول المجتمع كله من مجتمع الخرافة إلى مجتمع العلم.
/9/2012 Issue 4301 – Date 11 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4301 التاريخ 11»9»2012
AZP07



















