مكاتيب عراقية مسألة اللحمة الوطنية

مكاتيب عراقية مسألة اللحمة الوطنية
علي السوداني
عندي لكم الليلة ــ عزيزاتي أولاً وأعزائي ثانياً ــ كومة أنباء يقين، صحبة لطائف وطرائف، تتفاوت في مستوى انتاج البهجة او الدهشة او القهر، أولها هو أن مسؤولة أمريكانية رفيعة جداً، ربما كانت من وزن الريشة، حطت أول البارحة فوق بغداد العباسية، وفي قعدة انشراح وصحافة، أسرّت المسؤولة الحاضرين، بأن الأرشيف العراقي الذي منه الأرشيف اليهودي، ما زال في خزنة واشنطن ولم يهرّب صوب اسرائيل، وهو يخضع للصيانة والرعاية والحفظ منذ نحو عشر سنوات. أنا بالطبع، لا أصدق الأمريكان حتى الآن، خاصة المسؤولين الرفيعين منهم، وأدري أنهم وحوش وحرامية وكذابون وسماسرة، وأن برميل النفط عندهم، أغلى من برميل الديمقراطية، وانهم اذا دخلوا قريةً، أفسدوها، ودليل غضبتي هذه، هو العراق القائم الآن. أما النبأ الثاني، فمتنه يقول إن الرئيس جلال سيعود الى البلد من مشفاه الألماني، وان من اولى اولوياته المستعجلة، هي دعوة الفرقاء للعشاء والنقاش والتصافي والتراضي. الدعوة ستكون حول مائدة مستطيلة، طول ضلعها سطعش متر، وعرضها خمسة، لكن مسارب ومصادر قريبة من مطبخ الرئيس، فضلت اخفاء اسمها، رجّحت أن تكون المائدة المنتظرة مثل امام افتراضي، مستديرة على نفسها، وذلك من أجل اعطاء فرصة للمتحاورين الأنداد، لسكب عواطفهم، واظهار حميميتهم تجاه بعضهم بعضاً، اذ سيكون بمقدور واحدهم، أن يشد على يد لصيقه في القعدة، ويعصر كتفه، ويبوسه، ويوشوش بأذنه، وقد يتواعد معه خارج أسوار الخضراء، وهذا ما ليس بمقدور المائدة المستطيلة أن توفره. الرئيس مريض وتعبان، واظن انه سيترك المتحاورين يتحاورون، وهو نابت على مسافة واحدة منهم أجمعين، وعينه شاخصة أبداً، صوب مسألة اللحمة الوطنية التي لم يُتأكد بعد، ان كانت لامها مضمومة بالضمّ، أم مفتوحة بالفتح المبين وعندي صديق ينتمي الى جماعة قصيدة النثر. صاحبي من الصنف الذي يحب البقاء نائماً دائماً في الجانب الآمن. صاحبي شاطر وفهلوي ولاعب سيرك أصلي، فهو بعثي قادسي مع البعثيين، وشيوعي قحّ، حافظ لليل البنفسج على مائدة الشيوعيين، وقومي يترنم بأناشيد جمال عبد الناصر، مع القوميين، واسلامي، يشتري من هذا عمامة، ومن ذاك مسبحة، وحيث تحين ساعة التراويح، يلبس الاثنين، محبس فضة وعقيق، في وسطاه القائمة. صديقي شاطر ولمّاح وشمّام. أمريكا الوغدة تحبه وتسقيه وتسمنه. الدكان الايراني يصنع معه نفس صنيع الدكان الأمريكاني. صديقي نغل، ان جمعته المصادفة، بيهودي اسرائيلي، قال له بعين غرقانة، وبحرف خاشع، ان بك عطراً مبروكاً من يهود العراق. صديقي حيّال ونطّاع، ويفتهم بقشور الموسيقى وسلالمها، يغنّي آخر الليل مقام دشت ويلوّح بكأسه وبمؤخرته، في صحة اسرائيل. صديقي ليست لديه معضلة، لا في دين، ولا في وطن، ولا في كرامة. صديقي ناعم جداً. صديقي سكّيتي مثل ماء يتمرزب من تحت تبن. صديقي لا يستحي. هو مثل آخر قطرة هبطت من ناصية مجزوزة. صديقي أنتج أذىً، بقدر الأذى الذي فرّخته كتيبة شواذ أمريكان، واحدهم يذبح الضحية، وصاحبه يلتقط له صورة تذكارية معها. صديقي بلوة سودة، ان نزل في صحراء الصومال، نبت في مكمن طامس، ناطراً أخير أنفاس الجائعين، كي يجرّدهم مما تبقى من ستر الجلود. صديقي تفوووووه عليك
/9/2012 Issue 4301 – Date 11 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4301 التاريخ 11»9»2012
AZP20
ALSO