الرحيل من مندلي – نصوص – عبدالرزاق عبد الواحد

ذكرياتي 89

 الرحيل من مندلي – نصوص – عبدالرزاق عبد الواحد

  في أواخر السنة الدراسية الأولى في مندلي شهدت صحتي تدهورا ً رهيبا ً .. كنت لا أستطيع النوم أحيانا ً حتى الصباح فرط الآلام المبرحة في معدتي حدّ أني فتحت سكينا ً ذات ليلة تحت بطني لولا أن تعاونت أمي ، رحمها الله ، وأخي على الإمساك بيدي وانتزاع السكين منها ، ولم تجدني شيئا ً جميع الأدوية والمســـكنات التي لم يبخل بها طبيب القضاء ، والمستوصف الوحيد فيه .

 حين بدأت العطلة الصيفية ، عجلت منذ أيامها الأولى بالعودة مع والدتي وإخوتي إلى بغداد .. وحال وصولي راجعت طبيبا ً في شارع الرشيد نصحت بالذهاب إليه إسمه كرجي ربيع .. كان في وقته ذائع الصيت مع أنه لم يكن طبيبا ً مختصا ً . فحصني الدكتور كرجي بعد أن استمع إلى شرح ٍ وافٍ مني عن الأعراض التي تنتابني ، والأوجاع التي أعانيها .. قال أشك بوجود قرحة لديك في الإثني عشري ، قريبا ً جدا ً من المعدة ، وأحالني إلى طبيب الأشعة المشهورالدكتور شوكت محمود . وكما توقع الدكتور ربيع فقد ظهرت في الصورة الشعاعية قرحة في ملتقى الإثني عشري بالمعدة .  أين تعيش ؟ .. وماذا تعمل ؟ . كانا أول سؤالين وجههما لي الطبيب وهو ينظر إلى الصورة الشعاعية المثبتة على مستطيل الضوء في عيادته . قلت أعيش في مندلي .. وأعمل مدرسا ً فيها . قال : طعامك وشرابك ؟ . قلت : أنا قليل الأكل ، وصرت لا أستطيع الإحتفاظ بالطعام في معدتي في الأشهر الأخيرة . أما شرابنا فمن مياه الآبار . قال : والتدخين ، والخمر ؟ .. قلت : أدخن كثيرا ً ، ولكنني لا أتعاطى الخمرة . قال : كيف تلهي نفسك في مدينة صغيرة نائية ؟ . قلت : دكتور أنا أكتب الشعر ، وقد أسهر أحيانا ًمع أوراقي وقلمي حتى الفجر . أها .. قالها الدكتور ربيع وهو يرفع الأشعة من المستطيل الزجاجي المضيء .. أنت شاعر إذن ! . قلت : نعم . هل تستطيع أن تترك الشعر ؟ . لا طبعا ً. قال : فلن تشفى ! .  كتب لي الدكتور ، مع الوصفة الطبية ، تقريرا ً إلى وزارة المعارف مضمونه أنني لا يمكن أن أبقى بعيدا ًعن بغداد لأنني قد أحتاج حتى إلى مداخلة جراحية سريعة في حالة حصول نزيف في القرحة .. هذا بالإضافة إلى ما يجب أن يتوفر لي من مراقبة طبية وبرنامج خاص في الطعام والشراب . أخذت تقرير الطبيب ، وأرفقته بطلب للنقل إلى بغداد ، ورفعته إلى وزارة المعارف .  إنتهت العطلة الصيفية بكاملها وأنا أتأرجح يوميا ً بين وزارة المعارف واللجنة الطبية التي أحالتني إليها . ثلاث مرات تكتب اللجنة توصيتها بضرورة نقلي إلى بغداد ، وتعيد الوزارة توصيتها طالبة إعادة الفحص ! . لن أنسى جواب مدير التعليم الثانوي يوم أتيته بتقرير اللجنة الطبية الذي يطلب للمرة الثالثة نقلي إلى بغداد . قال ، رحمه الله ، أنت من كل عقلك تريد تجي لبغداد ؟!. لعد إبن الوزير وين أوديه ؟ إبن المتصرف وين أعينه ؟؟ .. روح إبني شوفلك أي لواء آخر قريب وقدم طلب جديد للنقل إله !! . وهذا ما حصل فعلا ً . قدمت طلبا ًجديدا ً للنقل إلى الحلة .. ونقلت إليها بعد أنقضاء أكثر من ثلاثة أشهر من السنة الدراسية ، متعينا ً في متوسطة الحلة للبنين .  كان يوما ًقاسيا ًعليّ وعلى إخوتي المدرسين معي في مندلي ، يوم عدت إليهم وفي يدي صورة من الأمر الوزاري بنقلي إلى الحلة .. لقد عشنا عاما ًمن المحبة والإنسجام لم أعش مثله طيلة عملي في التعليم .. ربما لأننا كنا لا نفترق طوال اليوم ، فجميعنا عازبون ، والجميع يعيشون في بيت واحد وإن افترقت عنهم بمجيء عائلتي إلى مندلي . والجميع شباب في أوائل العشرينات من أعمارهم ، وفي السنة الأولى من ممارسة وظيفتهم ، حتى لقد كانوا يعاملون أمي ، رحمها الله ، وكأنها أمهم جميعا ً . أما الوقع الأشد لنقلي فقد كان على طلابي .. أقسم أني رأيت الكثيرين منهم يبكون حين سمعوا .. أما وداعهم لي عند السفر فما زلت أشعر له حتى الآن بغصة كلما تذكرته ! .

 حادثة لابد لي أن أسجلها في ذكرياتي عن مندلي قبل أن أرحل عنها . كان زميلنا مدرس العلوم ـ الأستاذ نافع ـ ذا مزاج خاص متـفردا ًبيننا . كان كل منا من محافظة .. من بغداد ، والأنبار ، وديالى ، وزميلنا الفلسطيني ، وكان هو من الموصل . كان منطويا ً على نفسه ، منصرفا ًإلى التحضير لطلابه ، لا يشاركنا إلا على الطعام . فجأة ًإنتبهت المجموعة إلى أن الأستاذ نافع بدأ يمتعض كلما رأى اثنين من زملائه يتهامسان ، أو يضحكان بينهما بحضوره ، ثم أخذت هذه الحالة عنده شكلاً مرضيـّا ً بمرور الوقت حتى أنه ثارعلى زملائه مرارا ً حدَّ الهـياج ، وكان طويل القامة ضخم البنيان .. فصاروا يخشونه ولا يدرون كيف يتـقون هواجسه . يوما ً ما قال لي المدير : أستاذ عبدالرزاق . أنت قريب من نفوس المدرسين جميعا ً .. كلهم يحبونك ويحترمونك ، لاسيما الأستاذ نافع . وأنت ترى حالته هذه . إنها مسألة اهتزاز للثـقة بالنفس . ألتمسك أن تلازمه ، وأن تتحدث إليه بما يعيد إليه الثـقة بنفسه ، فهو غريب ، ونخشى عليه وعلى أنفسنا من هيجانه !. وفعلت ما طلب مني المدير .. وانقطعت عن جميع زملائي إلى الأستاذ نافع أنفخ فيه الثـقة بنفسه . ذات مساء ..وكنا نتمشى أنا وإياه في نهاية الشارع المفضية إلى خارج البلدة .. وكنت أقرأ له قصيدة من شعري ميمية القافية ، .. الأوجاع والسَّـقـَم ُ .. والألم ُ ، على هذا الرويّ .. ثم جاء بيت ينتهي بـ .. والنيران تضطرم ُ .. وإذا بالأستاذ نافع يقول لي 🙁 أ شني تضطرمُ ؟ ). قلت تضطرم يعني تشتعل ..قال : أي .. إعملها ( تشتعلُ ) أحسن ! . قلت : أسـتاذ نافع ، القـافية ميم ، وتشتعل ما تصلح معها . قال : (أ شني ما تصلح ؟؟ . إنت اعملها تشـتعلُ وقول أستاذ نافع قال هكذا ..!!).  عدت ذلك المساء إلى المدير وأنا ( أ شتعل ) غيظا ً .. قلت : أستاذ صالح ، أظن أن ثـقة الأستاذ نافع بنفسه تجاوزت كل الحدود ، فأرجو أن تعفـيني من مرافـقته بعد الآن ! . وحكيت له ما دار بيننا ، فأمسك بطنه من شدة الضحك .. وظل يذكرني بها كلما التـقينا ! .

 / في الحلـة ..مدرسون وطلاب

 كتب الشاعر المبدع الأستاذ حميد سعيد ذات يوم ، قال : كنت طالبا ً في الصف الأول في متوسطة الحلة للبنين ، حين دخل إلى صفنا ذات صباح مدرس للغة العربية نقل إلى مدرستنا من محافظة أخرى في أوا سـط السـنة الدراسية . كان شابا ً أسمر نحيلا ًفي مقتبل حياته المهنية . . وكان لدينا درس في النصوص الأدبيـة. تناول حال دخوله قطعة من الطباشـير ، واستدار إلى اللوحة التي حاول تنظيفها بنفسه ، فأسرع إليه أحد الطلاب ، ثم كتب بخط نسخ جميل :

 أخي إن عـادَ بعدَ الحربِ جنديٌّ لأوطانِهْ

 وألقى جسمَهُ المنهوك في أحضان ِخُلانـِهْ

 فلا تطلـُُبْ إذا ما عُدتَ للأوطان ِ خُلانـا

 لأن الموتَ لم يتركْ لنا صَحْبـا ً نناجيهم

 سوى أ شباح ِ قـتلانا !

إلى نهاية قصيدة ( أخي ) للشاعر المهجري الكبير ميخائيل نعيمه . قال حميد ” ثم أخذ يحدثنا عن الشعر المهجري وشعرائه .. ومنذ ذلك اليوم أحببت درس اللغة العربية الذي كرهته لسوء اختيارات النصوص في مناهجه ، وسوء طرق تدريسها .. ومنذ ذلك اليوم بدأت تستيقظ في أعماقي جذوة الشعر وتلتهب حتى أصبحت شاعراً .. كان هذا المدرس الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد “.

 هنا أعتز بأن أشير إلى أن من جملة طلاب ذلك الصف كان الأستاذ محمد سعيد الصحاف ، آخر وزير للثقافة والإعلام في العراق قبل الإحتلال .. وقد ربطت بيني وبين طالبيَّ هذين زمالة عمل ، وصداقة حميمة حتى فرقنا انتهاك المستعمرين لوطننا .  إختلفت حياتي المهنية في الحلة اختلافا ًكبيرا ً عنها في مندلي .. أولا ً لجمال المدينة ، وسعتها ، وقربها من بغداد ..ثم لحميمية أجوائها التي كانت تشبه إلى حد كبير أجواء العمارة .. مدينتي في الطفولة .. ولما فيها من إمكانيات واسعة للثقافة والأدب والعلاقات الإنسانية : مكتبتها المحلية ، والمكتبات التجارية ، وكتب الأصدقاء ، الجو الأدبي الذي اشتهرت به مدينة الحلة منذ زمن بعيد .. وكثرة المعلمين والمدرسين فيها حتى من دورتي في دار المعلمين العالية ، هذا بالإضفة إلى العدد غير القليل من المدرسين المصريين في إعدادية البنين والمدارس المتوسطة ، وبينهم شعراء معروفون مثل الشاعر سعد درويش ، رحمه الله ، والشاعر علي الصياد .. ثم الأمان الصحي النسبي الذي شعرت به لقربي من بغداد من جهة ، وتوفر المستشفيات الكبيرة ، والأطباء الختصين في الحلة نفسها .  كنت قد استأجرت بيتا ً في محلة الجامعين ، وهي محلة عريقة من محلات مدينة الحلة ، نقلت إليه أمي وإخوتي .. أغرب ما فاجأني في بيتي الجديد ـ وكان بيتاً قديم البناء ـ أن عددا ًغير قليل من طابوق الجدران فيه كان مطرزا ً بالكتابة المسمارية .. حين نقلت تساؤلي إلى زملائي المدرسين ضحكوا . قالوا هذا أمر طبيعي في الحلة ، فكثير من دورها القديمة بنيت بطابوق مدينة بابل الأثرية ، وكان ينقل إليها بوسائط النقل المختلفة ، فلا يتكلف أصحاب الدور إلا قيمة النقل ! .  أعز ، وأندر ما كان في الدربونة التي كنت أسكن فيها ، شيخ بلغ الخامسة بعد المائة من عمره . كان رشيق البنية نحيفها ، مستقيم العود ، لا تكاد تصدق من رهافة حركته أن بلغ هذا المبلغ من العمر . كان يخرج من الدربونة كل صباح في أيام الصيف ، ويقطع الشارع إلى الجهة القابل حيث يستريح على رصيفها تخت عتيق يحنو عليه الظل طوال الصباح .. حتى إذا جاوز النهار منتصفه بقليل ، خرج إليه واحد من أحفاده يدعوه إلى الغداء ، فيلتفت إليّ يدعوني إلى الغداء معه .. يفعل هذا كل يوم ، فأشكره على أن أعود لألتقي به عند المغرب . كان أبو حسن ـ وهذه كنيته ـ يحدثني طيلة جلوسنا معا ً عن أيام زمان .. عن شهامة الناس ..عن وفائهم ، عن صدقهم ومحبتهم .. عن تراحمهم ، ساردا ً لي قصصا ً عجيبة عن أخلاقهم هذه .. كان ذاك الزمان زمان خير يا ولدي !

 الناس كانوا طيـبيـن ْ

 أرأيتَ قوما ًلا يدور على مَجالسِهم يَمينْ ؟

 كانوا كذا ، لا يَحلفونْ

 لا يَحلفونَ ، رأيت ؟؟

 ذاكَ لأنـَّهُم لا يّكذبونْ ..!

 وذات صباح .. وكنت جالسا ًكعادتي أنتظره على التخت العتيق الوحيد المقابل لدربونة بيتينا ..وإذا بصراخ وعويل يعلوان من الدربونة ، ثم تخرج بقرة هائجة تركض خلفها مجموعة من الأطفال والنساء والرجال .. صرخ أحد المارة في الشارع على امرأة كانت تولول بأعلى صوتها : أنتِ .. علامَ تعولين ؟ .. بقرة نافرة سيدركها الرجال ويعيدونها . قالت والدموع تسحّ على وجهها : لقد حصرت جدي في الدربونة .. نطحته فأردته صريعا ً .. عيني ما تنشف عليك يا بوحسن يا جدي ! .  سرت عدوى دموع المرأة إليّ .. تحدّرت دموع سخية صامتة على خديّ .. هذه إذن آخر جلسة لي على هذا التخت يا أبا حسن .. وآخر مرة سمعت منك فيها أحاديث ذاك الزمان الجميل ، كانت أمس ! .  بعد أكثر من خمسة عشرة سنة ، وكنت أعمل مديرا ً للمركز الفولكلوري التابع لوزارة الثقافة والإعلام ، قرأت كتاباً لأحد علماء التراث يبدؤه هكذا : مع كل عجوز يموت ، مكتبة تحترق ! .  / الحيـَّة  بمتوسطة الحلة للبنين

 تمتد متوسطة الحلة للبنين ، وهي بناية عتيقة عجوز ، غافية على كتف الفرات ، وقد بدت أشبه بالسرداب لفرط ما ارتفع عنها الشارع الذي كانت تطل عليه لكثرة مرور السنين ، وأعمال البناء والصيانة في الطرق المحيطة بها . الصف الأول شعبة ـ آ ـ الذي يقع على الشارع العام منخفضا ًعنه قرابة متر ، كان شباكه الوحيد المنفتح على الشارع مسرحاً لأحداث مثيرة تـتـندر بها المدرسة كلها . كان الشباك يترك مفتوحا ًفي الأيام الدافئة .. وإذا حدث وأغلق ، فإن الطلاب يفتحونه لألف أمر في نفوسهم ! . ياما قامت القيامة في الصف على يدٍ ممدودة داخله من شباك الشارع ، وصوت متوسل يقول : ” من مال الله ! “. أما طلاب الصف ، وهم أصغر طلاب المدرسة ، وأذكاهم ، وأكثرهم شقاوة بحكم صغر أعمارهم وتوقد ذكائهم ، فكانوا كلما امتدت يد مع هذا النداء ، يهرعون إلى الشباك وكل في يده فلس أو فلسان .. حتى إذا غضب المدرس مستعيدا ً نظام الصف ، كانوا يحاججونه في ما يوصي به الله والدين والعرف الإجتماعي من إغاثة السائل والمسكين .. يفعلون ذلك بكل جدية دون أن تبدو عليهم أية إمارة من إمارات العبث أو التندر ! . هذا إلى ما كان يدخل الصف من أصوات المارة ، والباعة الجوالين ، وألعاب الأطفال الذين كان منهم أحياناً من يعرفون بعض طلاب الصف فينادونهم بأعلى أصواتهم ويمكن للقاريء أن يتخيل ما يحدث في الصف عند ذاك .  كان ذاك الدرس أول درس أدخل فيه إلى الصف الأول ـ آ ـ وبينما كنت اسألهم واحدا ًواحدا ًعن أسمائهم لأتعرف عليهم ، كنت ألمح نظراتهم الشيطانية المتـفحصة وهي تتابع كل حركاتي ، وقيافتي ، وطريقة نطقي .. مسألة أعرفها منذ دراستي الجامعية للطرق التربوية في التعليم ، فأنا مستعد لها ، لكنها ـ حين يكون الصف مثل هذا ـ تكون في غاية الدقة ، خاصة في الأيام الأولى .  كنت ما أزال أستعرض أ سماء الطلاب حين وثب أحدهم صارخا ً : حيـَّه حيـَّه حيـَّه ! . ووثب الطلاب جميعا ً من رحلاتهم يبحثون ..! . أعترف أنني جفلت معهم أول الأمر ، وصرت أنظر في أنحاء الصف خوفا ًعليهم من الحية .. فجأة هدأوا عائدين إلى مقاعدهم ونظرات شيطانية تلمع في عيون بعضهم ، والإبتسامة تعلو وجوه بعضهم الآخر ! . أدركت أن في الأمر شيئا ً فبقيت للحظات أنظر إليهم نظرة عميقة فاحصة ، وهم صامتون .. بعضهم كان ينظر في عينيّ .. وغالبيتهم خفضت رؤوسها بترقب . قلت كاسرا ً الصمت : الآن .. هل انتهت قصة الحيـَّة ؟ .. لم يجب أحد . قلت : ماذا لديكم في جدولكم من مواضيع اللغة العربية هذا اليوم ؟ . إختلطت أصواتهم جميعا ً وهم يرددون : مطالعة أستاذ ..مطالعة . سكتُّ مرة أخرى وأنا أنظر إليهم بعمق .. فأطبق الصمت على الصف كله . قلت : إعتبارا ًمن هذا اليوم لا يجيب إلا من أسأله .. فإذا لم أحدد أحدا ً فمراقب الصف وحده المسؤول عن الإجابة .  كنت أعلم منذ دخلت إلى الصف أنني وهؤلاء الملائكة الشياطين سنكون في سباق تسلح ! . سيمتحنونني وأمتحنهم ، وسنرى ..  قلت : أخرجوا كتب المطالعة .. فأخرجوها من الرحلات ووضع كل كتابه أمامه . قلت : ماذا كان آخر موضوع قرأتموه ؟ فتبرع أكثر من واحد منهم بالإجابة . أشرت إلى الذين أجابوا أن يقفوا . قلت وأنا أنقل عينيّ بينهم : قبل لحظات قلت لكم لا يجيب إلا من أسأله . فأطرقوا جميعا ًبرؤوسهم . قلت : تفضلوا إجلسوا . متـقصدا ً لم أوجه إليهم أي لوم . إنه يوم امتحان بيني وبين هؤلاء البشرالرائعين . قلت : من منكم المراقب ؟ . فنهض واحد منهم أبيض البشرة ، أصفر الشعر أجعده .. قال : نعم أستاذ : قلت إقرأ لنا الموضوع .  ما كاد المراقب يقرأ سطرين من الموضوع حتى انطلقت صيحة من أحد الطلاب : الحيـّه . التفت ُّ مباشرة إلى مصدر الصوت بينما استدارت رؤوس الطلاب جميعا ًإلى شباك الصف المفتوح . كان يقابل الشباك من الجهة الأخرى للشارع مقهى كبير فوقه بيت تطل منه شرفة على الشارع .. وكانت صبية في مثل أعمار طلاب صفي واقفة في الشرفة المطلة على الشارع ! .  بسرعة البرق تحركت إلى الطالب الذي صدر منه النداء .. أمسكته من شعر رأسه وأقمته ، ثم بدأت أضربه ضربا ً مبرحا ً وهو يصرخ : أستاذ والله مو آني .. قلت : أخرج من الصف ، أنت لن تعود إلى درسي إلا بعد مجيء وليّ أمرك . خرج الطالب باكيا ً ، وساد على الصف صمت مطبق . منذ ذلك اليوم لم يسمع صوت للحية في الصف الأول ـ آ ـ في درس اللغة العربية .

 بعد أكثر من أربعين عاما ً ، كنت جالسا ً مع تلميذي الرائع الأستاذ محمد سعيد الصحاف في غرفته في وزارة الثـقافة والإعلام وكان وزيرا ً لها آنذاك .. كنا نتذكر أيام الدراسة في متوسطتها .. قال : أستاذي .. تـتذكر قصة الحية ؟ .. قلت كيف أنساها ؟ .. والتلميذ الذي ضربته كل ذلك الضرب ؟ .. قلت : طبعا ً . قال أستاذي .. لا تعاتبني الله يخليك . قلت : على ماذا ؟ . قال : أنا الذي صحت : الحيـّة في ذلك اليوم !! .

  أعز تجربة في حياتي التدريسية

 ما أزال حتى اليوم ، وقد أ شرفت على الثمانين ، عندما أتحدث حتى في حياتي العامة ، تكون لغتي أقرب إلى الفصحى حتى ليخيل للذي لا يعرفني أنني أتكلف هذا .. مسألة تعلمتها من رشيد ياسين حتى صارت جزءا ًمن طبيعتي . أما في حياتي التدريسية فما كنت أبدا ً أنطق في الصف بكلمة عامية ، بل كنت ألتزم كل الإلتزام بقواعد اللغة العربية ، وبسلامة أدائها . كنت أحس أن هذا أول واجباتي تجاه طلابي ، وتجاه اختصاصي فأنا مدرس للغة العربية . حين نقلت إلى الحلة تذكرت أن تجربتي في تأسيس مكتبات صفية في مندلي كانت أهم عمل قمت به هناك ، ورأيت ، قبل أن أغادر مندلي ، كم أثرت هذه التجربة في حياة طلابي هناك ، وكم طورت معلوماتهم ، ومعرفتهم باللغة العربية ، وخاصة في قدرتهم على التعبير فيها .. فقررت أن أعيد التجربة نفسها في الحلة .. شجعني على قراري هذا أنني وجدت في صفوف مدرستها المتوسطة خزانات جاهزة ولكنها مهملة خاوية من الكتب إلا بعض المجلات ، وبعض ما تحتاج إليها الصفوف من لوازم .  أول شيء فعلته أن زرت مدير المرسة ، الأستاذ مكي عزيز ، وكان معروفا ً بوطنيته ، وثـقافته الواسعة ، بالإضافة إلى حرصه الشديد على مدرسته وطلابها . وحين شرحت له رغبتي في تأسيس مكتبات صفية للطلاب فرح فرحاً شديدا ًبالمشروع ، وبحث معي طريقة إمدادها بالكتب ، وإدامة هذا الإمداد ، مبديا ً برحابة صدر إستعداده للتبرع بشيء من كتب مكتبته الخاصة لها .. قلت وأنا سأفعل الشيء نفسه ، وندعو بقية الأساتذة للمبادرة نفسها .. ثم نشرك الطلاب بالأمر ، واعداً إ ياه أن أقوم أنا بالحديث معهم عن ضرورة إنجاح هذا المشروع لمصلحتهم هم .  في اليوم التالي أمر مدير المدرسة بتنظيف جميع خزانات الصفوف ، وإعادة دهانها بعد ترميم ما يحتاج منها إلى الترميم . حركة دائبة استمرت أسبوعاً كاملاً تحدثت خلاله إلى الطلاب في صفوفهم ، وإلى الأساتذة في غرفة المدرسين ، عن أهمية إنشاء هذه المكتبات ، وعن الأثر الذي ستحدثه في حياة الطلاب ، و في النهوض بمستوى المدرسة ثـقافياً واجتماعياً بالإضافة إلى ما تساعد به الطلاب في تطوير لغتهم العربية ، وكانت سعادتي غامرة لفرط ما لقيته من ترحيب بالفكرة من الأساتذة والطلاب على حد سواء .. بل لقد أضاف لي الطلاب نهراً آخر من المعونة بأن أبدوا هم أيضاً استعدادهم لا إلى جمع الكتب من بيوتهم ، بل اقترحوا أن يبادروا إلى التبرع المادي للمكتبات ، فورطوا المدرسين معهم بهذه المبادرة ! .  تشكلت للعمل لجان في الصفوف ، ولجنة عامة للإشراف وتنظيم المكتبات ، ثم جمع التبرعات واختيار الكتب بمساعدة المدرسين ، وشرائها وتوزيعها على الصفوف .. أما لجان الصفوف فقد كانت مهمتها الإشرف على سجل التزويد ، وسجل الإستعارة ، والمحافظة على صيانة مكتية الصف . بعد ثلاثة أسابيع كانت في كل صف مكتبة جاهزة للإعارة !. هنا بدأ عملي الحقيقي كمدرس للغة العربية . أول شيء فعلته أن جعلت درس المطالعة في كتب خارجية يختارها الطلاب من مكتباتهم الصفية ، يقرأونها ، ثم يكتبون موجزاً لها في دروس الإنشاء داخل الصف .. وكنت أختار نماذج مما يكتبون ليقرأها أصحابها على بقية الطلاب في صفوفهم .. وكثيرا ًما كنت أعقد دروساً لقواعد اللغة على أخطاء الطلاب أثناء قراءتهم لموضوعاتهم في المطالعة .  كان هذا إنجازي الأول في متوسطة الحلة للبنين . أما الإنجاز الأغرب ، والأجمل ، فهو منعي الطلاب أن يتكلموا باللهجة الدارجة داخل الصف ! . حمَّلتُ لجنة المكتبة واجباً آخر تجاه مكتبتهم : ان يحفظوا لدى واحد منهم صندوقاً يجمعون فيه زكاة المكتبة ! . كل كلمة دارجة يلفظها طالب في درس اللغة العربية ، يدفع عنها غرامة قدرها فلسان إلى صندوق المكتبة .. وكلما اجتمع مبلغ معقول لدى اللجنة بادرت إلى شراء ما يقترح عليها من الكتب ، على أن تكون الكتب المشتراة من أغلاط الطلاب خاصة بصفهم .  قامت قيامة المدرسة ولم تقعد .. فقد صار موضوع غرامات أغلاط اللغة العامية حديث الأساتذة والطلاب على حد سواء ! . وصار ما يدور حوله من النكات ، ومن المفارقات موضوعاً دخل حتى في بيوت التلاميذ .. وتندر به حتى أهاليهم ، ومن بعض نوادرهم أن الأولاد صاروا يطلبون من أهلهم زيادة مصروفهم اليومي لكي يغطوا غرامات درس اللغة العربية !.  يوماً ما حدثت مشادة حول مادة الدرس بين طالبين على رحلة واحدة في درس اللغة العربية . بقي الإثنان منتفخي الأوداج مختنقين بضحكتهما دون أن يستطيعا الكلام خوف أن يخطئا في اللغة .. وأنا أراقبهما . التفت إليّ أحدهما قائلاً وهو يمد يده إلى جيبه : أستاذ الله يخليك .. هذا درهم ، هو يوميتي كلها .. أ ُخذه بس خليني أبرّد كلبي وياه بالعامي ! .  يمكن للقارئ أن يتخيل هذا الجو المرح ، ولكن الملتزم بالأخلاق وبمادة الدرس معاً .  أقر هنا أنني عانيت كثيراً في الأشهر الأولى من إحجام الطلاب حتى عن السؤال خوف انفلات كلمة عامية من أفواههم ، وعضو اللجنة المكلف في ذلك اليوم فاتح دفتره ، ممسك قلمه ليحاسبهم بعد الدرس على عدد أخطائهم ! . ولكنني كنت فخوراً أنهم استطاعوا تدريجياً أن يتجاوزوا هذا التشنج ، وأن يتكلموا بعربية أقرب إلى السلامة .  أذكر هنا أننا في أحد المرابد رأينا أن يجتمع خريجو دار المعلمين العالية من الشعراء والأدباء العراقيين والعرب لزيارة كليتهم..وذهبنا فعلاً .. ووقفنا بباب الصف الذي درسنا جميعاً فيه . كان معي الشاعر سليمان العيسى ، والشاعرة لميعة عباس عمارة والشاعر يوسف الصائغ ـ رحمه الله ـ والأديب أبو العيد دودو من تونس .. التـفت الدكتور الذي كان يدرس الصف الثالث موضوعاً في النقد الأدبي .. قطع حديثه وتقدم إلينا مرحباً ..

 قال : لن أقدمكم لطلابي ، ولكن أقدم طلابي إليكم . يومها إستأذنا من الطلبة أن يجلس كل واحد منا على رحلته التي درس عليها ، فأخلوها لنا . والتمسنا من الأستاذ أن يتفضل فيواصل درسه .  تحدث الدكتور ثلاث دقائق بالعربية الفصيحة ، لحن خلالها خمس مرات .. توقف ثم قال : لا أستطيع أن أتفيقه أمام أساتذتي ! إسمحوا لي أن أكمل باللهجة الدارجة ! .. ثم واصل محاضرته في النقد الأدبي باللهجة العامية ! .