قراءة المكان بذاكرة الأمس والحاضر (5)  –   نعيم عبد مهلهل

548

قراءة المكان بذاكرة الأمس والحاضر (5)  –   نعيم عبد مهلهل

بريطانيا تتزحلق بقدميها في شبه الجزيرة طينية على ضفاف دجلة

الغرام قرب شاهدة الرخام

أتت الأحلام، يا قيصر، لا تدعها تنتظر على الباب، استقبلها بالمجد والخيول.

عبارة قالها أخي المرحوم عبد الأئمّة

ــ 3 ــ

هبط الليل على لندن، والكوت سيهبط فيها الليل بعد أربع ساعات. صورة المقبرة الإنكليزية بحالها هذا. تقترب تماماً من أمكنة النفايات. وهذا في الرؤية الدينية للأمر لا يبدو جيداً. فأياً كان صاحب القبر وديانته، فقدسية المكان حرمتها في طبيعة الحدث. الموتى لهم حُرمتهم؛ لأنهم لم يعودوا موجودين على الأرض سوى رميم وعظام وشاهدة تتعلّق بها ذكرى ما.

وعلى مدى عشرات من السنين، نقلت البرقيات الدبلوماسية ورسائل الأهل الكثير من المناشدات حول ضرورة نقل الرفات الشجاعة لجنود تحمّلوا الحصار أشهراً في سبيل مجد التاج البريطاني. ثم انتهت تضحياتهم لتكون غريبة. وفي ليلة معتمة بهالات من غيوم داكنة سكنت سماء الصيف اللندني بغير المعتاد، عاود وجه بيتر بالظهور تحت الأجفان الحزينة لفرجينيا وولف، وتمنّت في مخطوطتها التي بدت ملامحها تقترب من خاتمة المطاف أن يأخذ جسدها حاجّاً إلى البلاد التي حرمتها من أن تكون طفولتها خالدة معها من خلال دفء قبلات بيتر الخجولة، وهي تميل إلى تحت أجفانها، كما اللص الذي يحمل لذّة خطواتها على سلم من الورد، يهبط به من تحت رمشيها حتى الأمكنة التي يختارها هو.

هي تستعيد معه متعة الليلة الأخيرة في بهجة الكلمة وحفيده دانيال يستعيد مع حبيبته بهجة القبلة الأولى، فيكتم أنفاسه بخيال أن المدينة التي يتواجد فيها كجندي آت بمهمّة أممية، عليه أن توصله إلى قبر، يريد أن ينقل إليه تحيات أمّه، وحرصها أن تسمعه خفق قلبها من أجل جَدّها الذي ترك رسائله مركونة في حافظة جيبه التي أتى بها واحد من رفاقه الذين عادوا من الأسر بعد انقضاء الحرب الكونية الأولى.

وبين مشهدين من متعة غرام تكاد تكون نهاياته متشابهة تحاول فرجينيا أن تمسك ظلال وجهه البعيد في أرض بابل، وتعكس بهاجس توراتي مخاوف القلب المرتعش من أن بابل لا تُحسن سوى ممارسة السبي واقتناء الجواري وتشغيل رجال المدن المعاندة عتّالين لحمل الحجر الكبير لبناء الزقورات والجنائن المعلّقة.

احبار اليهود

لقد راجعتْ مخطوطات كثيرة في مكتبة المتحف، وأفزعها حديث لأحبار يهود عن العنف في بابل، حتى أرادت أن تكتب لوزير المستعمرات تشرشل: كيف ستَهزمون التركَ في أرض عنيدة مثل بابل. لكنها فضّلت أن تبقى تبحث في حكايات الكَهَنَة، وتفسّر في عبارات التوراة تلك النبوءات الكثيرة، وكانت تشعر أن بيتر سيكون – في المحصلة – نتاج واحدة من هذه النبوءات، وأن عليها أن تتهيّأ إلى شعور ما، من أنها ستفقده إلى الأبد. لتمدّ يدها مرتعشة على ورقة تريد أن تسأل فيها تشرشل عن إرهاصاتها القلقة ككاتبة وعاشقة ومكتئبة. فيما يد مارتا مرتعشة أيضاً، ولكنها تكتب لهفتها على صدر حبيبها دانيال، ولا تعرف شيئاً عن هواجس توراة، تسكن رأس كاتبة بريطانية مشهورة كانت في يوم ما تعلّق أهداب العشق على مسافة المكان والطريق الذي يخدم فيه حبيبها دانيال، عندما كانت عشيقة لجَدّه بيتر، والذي خدم في ذات البلاد التي أتى منها حبيبها؛ ليلتصق بها مكتسياً رعشة اللهفة والذهول وأخيلة مكان، يكاد يتحوّل في ظهيرته إلى جحيم من اللهب والغبار.

بين المشهدين الكاتبة في عزلة حزنها. والجسدان في متعة الاندماج في غرام مستعجل ومفاجئ.

تستذكر فرجينيا – في أوراق بيتر – روحه الطفولية القلقة، ويهطل على زجاج مرايا ليلها وهج تذكّر مداعبات بريئة ونظرات صمت وحوارات، كانت فيها تحاول أن تُبقي وعي بيتر في كيانها. معتقدة – وكما قرأته في إصحاح توراتي -: أن الكيان الذي نُرغمه على البقاء فينا سيكون من الصعب دَحْره، حتى لو تعرّض إلى ألف سبي.

 لهذا؛ تقتنع هي أن اليهود بدؤوا بالعودة إلى أورشليم، وأن بيتر سيعود لها. فالملكة وتشرشل لن يسمحا لتكون بابل قادرة على سبي ذوي الدماء الرومانية. وعندما تذكّرت أن صلاح الدين المولود – أيضاً – في بلاد بابل قد فعلها وهزم أجدادها الإفرنج، وسبى ملكها ريكاردوس قلب الأسد، اعتقدت أن هذا أتى من غفلة التاريخ التي لا تتكرّر، والتي سمعتْها في خطاب وزير المستعمرات تشرشل في مجلس اللوردات والعموم قوله: إن شمس بابل تنادينا؛ لنصحّح لها مسارات سفننا المبحرة إلى الهند.

تذكّرت حلم بيتر الجميل أن يرى الهند. تذكّرت رسائله يوم نزلت سفينته ميناء الفاو في البصرة، عندما كتب إليها: اليوم وطئنا أرض بابل. اذكريني وأنت تُقلّبين أوراقك، وتخيّلي أن كل حكاياتها ستكون معكوسة. فالجنرال طاوزند ألقى بنا اليوم خطاباً حماسياً، قال فيه: لن تستطع الأستانة سبي الجندي الجرماني على أرض بابل، نحن مَن نسبيهم.

تذكّرتْ معه حوارات الموت والحياة التي كانت تسكنها في نتاجها الأدبي، وربما موت بيتر عمّق لديها الهاجس، وأوصلها إلى أمكنة اليأس واختيار النهاية الفاجعة بالنسبة لحياتها.

ترتعش أصابعها وهي تفتح أوراقاً مدوّنة، حملت حواراً أخيراً مع بيتر، تتذكّره – الآن – بتفاصيل القلق الشهي الذي صدّقت فيه هاجسه أن تتخيّل الحكايات التوراتية بالعكس، فلا يحلّ عليه أي سبي. لكنه نال أكثر قسوة من السبي عندما أتته شظية مدفع تركي، وأصابته برقبته، وقطعت حبال حنجرته، وهو الذي تمنّى – ذات مرة – أن ينطق باسمها قبل أي إغفاءة. قالت: أنا مَن ينطق باسمكَ، الآن… وها هي تنطقه مع رعشة ناعمة، تشبه – تماماً – رعشة دانيال، وهو يغمض أجفانه في طرقات الأرصفة المضيئة في صدر مارتا التي تداعب بشفتيها لهفته المستعجلة وحنانه الجارف؛ ليتداخل معهما شغف الهوس الجسماني المتصاعد حماساً مع صرير السرير. تسكنها دهشة أنثوية ناعمة، وتساقط من كتفيها رذاذ أمطار تعرّق جسدها وهو يشدّ لهفته بحماس مستعجل؛ ليتفاعل – تماماً – مع رغبة دانيل بأن يكرّر ممارسته باشتهاء الذي يسكنه الجوع لمرأة منذ أيام السبي، وإلى حد اللحظة التي شعروا فيها أن الحذر ينبغي أن يكون أول هواجسهم حين يتجوّلون في شوارع البصرة؛ لأن المهديين لا يحبّون جنود الاحتلال مطلقاً.

فرجينيا – أيضاً، منذ موت بيتر – تحاشت أن تستعيد متعة حكايات تلك التوراة التي لا يقلقها سوى نبوءاتها. وكان عليها أن تعرف أن عشق تصديق النبوءة يُولّد الانتظار والقلق الدائمين، وأن محنة الدم الروماني ينبغي أن لا تلتقي مع محنة الدم اليهودي لشعور عام سكن الذاكرة المسيحية ـــ الرومانية أن اليهود هم مَن عذّبوا المسيح، وصلبوه.

الآن؛ عليها أن تستعيد حوار الموت والحياة. وعلى الإيقاع ذاته، يستعيد دانيال ومارتا حوار القبلة والجسد.

هي تعتقد في محنتها مع موت بيتر وبقائه وحيداً في مقربة بمدينة الكوت قرب ضفاف نهر يقال في أساطير الشرق إنه نهر من أنهار الجنة، وإن نوحاً صاحب السفينة في الطوفان العظيم أبحر فيه، أو أبحر منه من خلال أمكنة ممزوجة بماء هذا النهر ونهر آخر توأم له، يسمّى الفرات… وقد حملا كل أمطار السماء في تلك الأيام السبعة؛ ليفيضا على الأرض كلها، ويبحر في هذا الفيضان نوح.

تتذكّر هذا كله من رؤى التوراة، فتتخيّل النهر وموجه وسكون حبيبها في قبره المجهول في الأرض البعيدة، لتتحفّز؛ لتكتب إلى الوزير تشرشل مرة أخرى… وكعادته، لا يجيب……

هنا؛ يمتزج عطر ليلتين في قنينة واحدة اسمها إنكلترا. أمس؛ خسرت حصار الكوت، وخسرت هي بيتر. واليوم؛ تنتظر – كما نبوءات التوراة – قدراً جديداً، ليس في الكوت أو حطّين، كما أمس، ولكنْ؛ في البصرة.

الليلة الآنية دانيال وهو يمارس لهفته بجدارة جندي لا يملك غير خمسة أيام من الراحة، ثم يعود؛ ليواجه أقدار أيام جديدة، نوّه لها السرجينت بأنها ستكون صعبة.

والليلة القديمة هي ليلة فرجينيا مع بيتر، قبل أن يهزم حقائبه، ويصعد بارجة حربية إلى ميزوبوتومايا، وبانتباه دامع تصغي إلى همس الحوار وكلماته، وتنحب كثيرا. وفي اللحظة ذاتها، كان جسدا دانيال ومارتا يشهقان كثيرا….

قال بيتر لفرجينيا:

ــ كيف نشعر أننا سنبقى متمتّعين بشهوة وعطر الحب والحياة، حتى يأذن السفر إلى أبديته…؟ كيف نبقى محمّلين بالجمال، وليس بالتجاعيد………….؟

 كيف نلغي الإفلاس والحزن والشعور بالظلم، ونتخيّل أنفسنا ملوكاً، حتى لو ضمن نطاق مساحة أرواحنا والجسد؟

كيف نعيش دون أن تتقاطع مواعيد الحب مع مواعيد الحرب…؟.

إنها أسئلتي المحيّرة، يا فرجينيا..

ـــ الجواب عند العطّار….

ــ العطار مَن؟ وأين حانوته……؟.

ــ العطّار هو أنت.. وحانوته يقع في قلبكَ…….

ــ أنت مثالية… وكلامك لا يتلاءم – أبداً – مع عالم فوارقه لا تُحصى.. أثرياء وأمكنة جديدة وبارجات حربية لا تنقل الحياة كما هي. تيجان تحتلّ البلدان، وجيوش صارت مثل قراصنة تشرب ماء البحر، وتحرق غابات اليابسة، وعلي أن ألتحق بها؛ لأكون قرصاناً، وأقتل في الشعوب البدائية. وأخرى فقدت مجدها، وبقيت ثرواتها. شعوب تنزح إلى بلدان أخرى، وتبيع أجساد إناثها في أرصفة الكدية، وخيال الزيت الأسود المستخرج من بواطن أرضها، ويقول عنه وزير الحربية: إنه هو مَن يجعل تاج الملك أكثر لمعاناً، ويجعلنا أمة ثرية….

ــ أنا لستُ مثالية. أنا أتحدّث بحدود الأماني التي يتخيّلها عقلي وقلبي وثقافتي….

ــ وما هي وصفتك؛ لنبقي هذا الشعور عامراً فينا؟

ـــ أن نؤجّل التفكير بالأشياء الجارحة.

ـــ وكم عددها….؟

ـــ ما يجرحنا قليل، وما يسعدنا أكثر. غير أن جرحاً واحداً يلغي لذّة مليون سعادة. لهذا؛ في الحب وفي الرزق وفي الصداقة وفي العبادة يتأجّل التفكير بوجود العائق، ينبغي أن نهيّئ له قلباً مؤمناً وإرادة ما. كهذا الذي يأتي لحبيبه بعد اشتياق أزمة ما، فتراه يمهّد لقبلته مسلكاً عبر حنين الكلمات، ويقول: لا أدري، لم أملك صبراً لوقت، فعدتُ مشتاقاً إليك. هذا كل ما في الأمر…لا أعرف إحساساً أجمل من أن تعود لمن تحبّ وتهوى وتتخيّله جنة من عطر وقبلة وقلباً ينبض بحنان العالم كله..

ـــ وهل الحنان بعض شفاء الفراق الطويل…؟

ـــ نعم.

ـــ وهل مداواته بقبلة أجمل من مداواته بعطر؟

ــ الاثنان في خلطة يمنحان لذّة الشفاء.

ــ صفي لي لذّة الشفاء…

ـــ إنه الشعور بالرعشة الدائمة التي لا تنتهي غداً أو بعد غد؟

ــ يعني عمرها يومان فقط؟

ــ كلا، ما بعد غد دائماً يعني إلى ما بعد.. بعد….

ــ ولكننا نكبر ونشيخ ونذهب إلى ساحات المعارك التي تنتظرنا هناك، في جاوة ودلهي وبابل والقاهرة، إن أجيالنا تشيخ بسببها؟

ــ مَن يشيخ العاجز على إبقاء مشاعره متّقدة…………

ــ وحين يصيبك الوهن والمرض وعلّة الكهولة والجسد؟

ــ ولكن القلب ينبض بإحساس واحد عند الفتى وعند الشيخ…….

ــ وماذا يعني هذا..؟

ــ هذا يعني أن الحب قائم….

ــ يبقى في مكانه الذي وُلد فيه ونمى…..

ـــ ولكن صاحبه وصنعه لا يملك الأبد.. إن الحب سيموت مع صاحبه؟

ـــ خطأ، الحب وُجد ليُبقي الروح موجودة في عداد أشياء الأرض.

ــ وكيف نكتشف هذا..؟

ــ نكتشفه فيما يتركهُ الراحلون لنا، كتبهم، معابدهم، أعمالهم الجليلة، وأشياء لا تُعدّ……..؟

ــ وهل الحرب عمل جليل؟ هل السفر إليها في أبعد الأماكن شرف لعمر الإنسان وقيمته؟

ــ نعم، وسيبقى منها عطر الأثر.

ــ ولكن الأثر ليس سوى جماد..؟

ــ أبداً، الأثر هو روح مَن كان هنا، وما زال.

ــ إنه التخليد الواهم.. فما بعد الجسد تطلّ غيبيات لا تُحصى.. ولكننا نراها في صورة واحدة.. العدم.. ليس هناك سوى العدم الذي أراه أمامي الآن مُجسّداً بمجهول الحرب والمكان النائي والغربة الأبدية؟

ـــ يا لكَ من واهم كبير.. العدم يعني تهدّماً في كتلة الجسد، ولكنْ؛ لا احد يستطيع تهديم الإحساس فينا.

ـــ نعم، نصير رميماً، لكن أثارنا لن تتحوّل إلى رميم، فالقصيدة العظيمة التي تحترمها الحضارات على مدى الأزمنة تراها تعطي لحياة القادمين معنى آخراً للحب والعيش والجمال. إذنْ؛ مَن كتبها هو في دورة حياة أخرى….

ـــ ما زلت تدورين في مثالية الافتراض، وأنا أدور في قوارير العلم والحقيقة والنبوءة؟

ـــ أبداً، يا صاحبي، أنا أدور في أزليتي، وأنت تدور في لحظتك….

ـــ ولكني لم أرَ عبر الخليقة أحداً قام من نعاسه الأبدي ليقول إنني عدتُ إليكم بخلودي. دائماً هو الموت مَن يشيد أبراجه فوق رؤوسنا؟

ـــ زُرِ المكتبات، المتاحف… المدن… وستراهم …

ـــ يا فرجينيا. هؤلاء ليسوا سوى ورق وحجر…؟

ــ لا، يا رجل.. هذه القلوب العظيمة حين تصير عناوين ولوحات ودروساً وجامعات ومجلدات وأضرحة وكاتدرائيات ومعابد وكل شيء…..

ـــ ما زلت تدورين في وهم خيال أن الفيلسوف والعالم والشاعر لن يموت. الأباطرة والحكام القُساة يصنعون الأثر أيضاً.. وسأتخيّل – في النهاية – أنك ستجزعين من كل هذا. عندما يواجهك قدرية ما أشعر فيه بسبب حروب الاستعمارية والمملّة أن روح اللا جدوى أشعر فيها آتية مع حضارة القرن العشرين هذا، وأن هذه الحرب المفزعة بيننا وبين الترك تُشعرني بسلسلة طويلة من المجازر والآلام الآتية. هناك يسوع واحد صعد الصليب، واستراح، يا فرجينيا. ولكنْ؛ سيكون هناك – في هذا القرن – شعوب بأكملها ستصعد الصلبان. ودائماً؛ أشعر بهاجس خفي. إنني – أيضاً – سأصعد الصليب ثمناً لطموح تشرشل هذا الذي تعشقين خطاباته ومقالاته في التايمز. هل وزير الحربية والآخرون من صنّاع الصروح التي تتحدّثين عنها هم مَن يُفترض أن يصنعوا مجد العالم الجديد. هل يرثون قيصر ومجده من خلال نذر صليب جديد؟ أنا ذاهب إلى بابل، ولا أقتنع بصنّاع مجد، أكون ضحيته أنا.

ــ هي مشاعرنا غامضة وقصية في لحظة يقولون فيها: اذهبْ إلى آخر الأرض؛ لترضي أحلام البلاط. إنها محنة، يافرجينيا، أن تجد نفسك في تيه توراتي يدعوك، وهو ما تعتقد الملكة أنه واجب شرفي، وأنت تعتقد أنه الذهاب إلى المجهول. بابل مثل الفراعنة لها لعنتها الغامضة. وأخشى أن أكون ضحية وامتداداً لنحس موت أجدادنا في الحروب.

لهذا؛ فإن الذي وجدته هو القبر، يا فرجيينا. القبر على ثرى بابل. تلك التي استيقظ فيها الإسكندر مذعوراً من الموت، وأتته بوباء الكوليرا. وستأتينا – أيضاً – بوباء الطاعون والبرص والنأي عن أوطاننا. تلك البلاد، يافرجينيا، إذا لم تحاربك برجالها وسيوفها، تحاربك بأمراضها. هي فعلت ذلك مع ملوك الإغريق وروما والفُرس. وستفعلها معنا ومع غيرنا من الذين يحلمون ببابل وكنوزها.

ــ حلمي أن تعود بسلام.

ــ حلمي أن أموت في أرض، نقول عنها: إن مقدّساتنا فيها، وأهلها يقولون لنا إن موتكم فيها…..

ــ هذا موت النقائض بين مقدسين؛ واحد يؤمن به الجنود من أجل تبرير غزاوتهم وحروبهم، وآخر يؤمن فيه السكان الأصليون من أجل أرضهم واستقلالهم الوطني.

ــ فرجينيا؛ لا مبرر مع حلم التاج سوى ما ترتضيه حراب جنودنا. أنا إنكليزي، وابن صالح لكنيسة وينبري، وهي راضية عن ما تفعله أساطلينا في الشرق. نحن نذهب إلى أمكنة وُلد فيها يسوع. ونحن مَن نؤمن به. والناس هناك يؤمنون بنبي غيره.

ــ بيتر، أنت تتحدّث عن حروب دينية، فقدت مبرّراتها، الآن. أنا أتحدّث عن غزو اقتصادي من أجل القمح والذهب والآثار والنفط. لا تبرّرْ لنفسكَ موتاً مقدساً كالذي تعرّض له جَدّك. لأن جَدّك كان ذاهباً إلى قبر يسوع. الآن؛ أنت ذاهب لتقتل الترك، وتسلب بدلاً عنهم خيرات بابل. لم يكن هناك قبر ليسوع. وليس هناك لَحْد لقيصر، أو إسكندر، أو ملك ساكسوني. هناك قبور لأنبياء، ذكرتهم التوراة والإصحاحات، وهم لا شأن لنا بهم. حتى الذين سبتْهم بابل. فهم ليسوا من عِرْقنا. ومهما يكن، فنحن طارئون في هذا المكان. وأظن أننا في حروبنا هذه ننزع لصوصاً عن ثيابهم، ونرتديها نحن.

بين الحلم والموت تضع فرجينيا وولف أسئلتها، وتهرب بذكرياتها إلى تخيّل بيتر وتفاصيل وجهه. تتخيّل الأحفاد الذين سيدركون المكان بالمشاعر ذاتها، يلبسون الخوذة ذاتها، ويمسكون البندقية ذاتها، ويتّجهون إلى جهة الشرق. يُخبّئون حماس شبابهم في دهشة مؤجّلة بشفاه واحدة، لا تكترث ببرد لندن، وتستدفئ بحرارة ذكرياتها معه.

وفي الجانب الآخر تقبع المقبرة الإنكليزية، يملأ ممرّاتها الترابية وَحْل أقدام، لا تأبه بمَن هم نائمون فيها. طرقات يصبغها الوحل والأيام الرتيبة لبشر المدينة…. وهم ينظرون إلى جنود أتوا من أوكرانيا؛ ليتمركزوا في ضواحي المدينة، لا ليحرسوا موتى قبور المقبرة اللاتينية، بل ليحرسوا الحلم الأمريكي بإزالة كل ما يمتّ لعهد صدّام من صلة. يُؤسّسون لهم نقاط تفتيش في مدخل المدينة، وفي بداية الشارع المؤدي إلى بدرة؛ حيث الحدود الإيرانية؛ حيث يظن الأوكرانيون أن أسلحة مهرّبة تأتي من مدينة مهران إلى مقاومين يتسلّلون في الليل الموحش من بين صمت القبور، ويهاجمون مفارزهم في استراحة ونعاس شراب الفودكا.

ذاته الليل الموحش بعطره البابلي يناغم وحشة النيام. حارس المقبرة (البصري) يدلف مع شيخوخته إلى خشب رطب مشتعل بدخان كثيف من صفيحة زيت. يدفع ناظريه إلى الوهج اللذيذ، ويحاول جاهداً أن يستجمع ألفة عُمر، قضاه بين رفات الجنود. يحرسهم، ولا يعرف حتى أسماءهم. وفي شبابه، كان يستجمع لذّة ذكريات غرام له مع واحدة كانت تأتي إليه من الريف تبيع القيمر قرب المقبرة، عندما تعرّف عليها، وصارت تُطعمه كل يوم ماعوناً من قيمرها اللذيذ، وعندما تشجّع مرة؛ ليعبّر لها عن شيء في قلبه أتى لها بوردة من قرب قبر بيتر. وردة شعر بها أنها تملك معنى؛ لتنبت بالصدفة قرب هذا القبر، ودون كل القبور. فثمّة مَن يأتي سراً في الليل، ويسقيها، وكان يعتقد أن روحاً ما تأتي من مكان بعيد؛ لتسقي هذه الوردة. والحقيقة أن روح الروائية الإنكليزية هي مَن كانت تتمنّى أن تظلّ وفية إلى نعومة خَدّ بيتر وشهيته الطفولية ونظرته الناعسة، كما إغماضة البنفسج في الليل؛ لتذهب بآنية الماء. تركب بساط الريح الذي جلبتْه لها حكايات ألف ليلة وليلة، وتذهب حيث قبر بيتر؛ لتسقي هذه الوردة التي ظلت طوال عشرات الأعوام تنمو وتذبل، ولا يمسّها أحد إلى اليوم الذي قرّر فيه حارس المقبرة (محمد) قطفها من مكانها، وإهداءها لتلك الفتاة النحيفة ببياض وجه طفولي بريء. ولأنها لم تعتد ولم تعرف – في يوم ما – طقوس الورد ومشاعر إهداءاته، فلقد بقيت صامتة، وعلى شفتيها ابتسامة استغراب وتعجّب وتساؤل. وسألتْه ببراءتها الريفية: ماذا أفعل بها؟

ـــ شمّيها؟

ــ وماذا تفعل بي حين أشمّها؟

ــ تجعلك سعيدة؟

ـــ أنا سعيدة؛ لأني أبيع كل القيمر الذي أجلبه من القرية…؟

ـــ وأنا سعيد أن قيمرك يشعرني بك، وبجمالك.

طفح الخجل النعسان على خديها، وارتعشت شفتاها، وهي تدخل عطر الوردة إلى رئتيها؛ لتشعر – لأول مرة – بلذة الورد، وعطره، ومعنى إهدائه.

ومن يومها؛ اشتعل في الجسدين غرام لذيذ. تحوّلت ظلال القبور الإنكليزية؛ لتكون سريره، وأمكنة متعة الاشتياق الناري بين محمد وهاشمية التي نزحت من قرية ميسانية في عمق الأهوار؛ لتعيش مع جواميسي أبيها في قرية بأطراف الكوت، ولتنزل كل صباح تبيع بضاعتها، وتنال مودة الاشتياق مع الرجل الذي تحبه. وسوية – بألفة الغرام الشهي – تعلّمت منه أشواق المكان، وصمته، وعطور زهوره، إلى اليوم الذي قرّرت أن تقضي الليل معه حارسة لتلك الأضرحة الصامتة، وستمسك بشفتيها بندقية القلات، والعناق مع حبيبها، وهما يحرسان الصمت وضوء النجوم المنعكس بشهية ما تراه جميلاً في ممارسة الليل الطويل بين محمد وهاشمية.

كانت ليلة لا تشبهها من ألف ليلة وليلة سوى ليلتين؛ الأولى تلك التي أقامتها فرجينيا احتفاء بصديقها الذي سيغادر غداً إلى بابل مع جيش الجنرال مو؛د ليبقي طريق قوافل شركة الهند الشرقية سالماً، وليعود معها بأجوبة تقرأ أسئلتها في ثقافتها التوراتية والإنجيلية، وكانت ليلة من غرام الكلمة والجسد.

يتذكّر بيتر – مع هدوء الليل، صفاء الليل في الكوت، وبريق نجومها – اللحظات التي كان يأوي إلى سعادته الأليفة، وهو ينتظر الأحد الذي يجلب فيه البريد العسكري من الهند حاملاً رسائل ذوي الجنود؛ حيث يُجمع في دلهي، ثم يُوزّع إلى العالم؛ حيث بريطانيا لها في كل أرض قَدَم. ولكنها – الآن – تزحلقت بقدمها في شبه جزيرة طينية على ضفاف دجلة اسمها الكوت، بناها والٍ عربي قاس أيام الحكم الملكي اسمه الحجّاج بن يوسف الثقفي؛ لتكون محطة استراحة للقوافل في طريقها بين الكوفة والبصرة. وطاوزند – أيضاً – أرادها استراحة للرتل الإنكليزي الزاحف إلى بغداد، لكن الترك باغتوه، وحاصروه، من كل مكان.

تصله رسالة من فرجينيا، تخبره ببعض الاشتياق، وتعيد إليه متعة براءة ذكريات طفولتهما معاً. تُذكّره بهوايته الجريئة حين كان يعمل دُمَىً من الطين، ولا يضع عليها ملابس داخلية. يضحك بيتر من تفاصيل ذكريات، نسيها هو، لكن فرجينيا تُعيدها إليه، وتقول له: إن الدمى التي تفنّنت بها كثيراً، البلاد التي تخدم أنتَ فيها، كانت قبل آلاف السنين تصنع آلهتها من دمى الطين. وما دام النهر قريباً منك، مُدّ يدكَ إلى ضفافه، واجلب الطيب، وتَسَلّ بضجر الحصار بصناعة الدمى، ولكنْ؛ بملابس داخلية، فطين دجلة، صنع منه أبناء تلك البلاد أعظم التماثيل والأختام واللوح التي شهدت حرف الكتابة. وحين تسألني من أين تعلّمت هذا؟ أخبرك أني ما زلتُ مواظبة على زيارة مكتبة المتحف البريطاني، وفيها كل شيء عن تاريخ البلاد التي أنت محاصر فيها.

يتذكّر محمد حارس المقبرة أنه وجد قطعاً لدمى مفخورة قرب قبر دانيال. ويتذكّر أنه كان يجمعها بفضول غريب، ويعيد تكوينها من جديد، في إحساس منه أن صاحب القبر هو مَن صنعها ذات يوم. ويوم أهداها لهاشمية التي صارت زوجته، بعد أن قرّرت أن تعيش معه زوجة (نهيبة)؛ لأن أهلها رفضوا تزوجيها لرجل يعيش في المدينة، وقرّروا العودة للأهوار، فاختارت أن تهرب إليه، ويتزوّجها.

فتّش عنها أهلها في كل الأمكنة؛ ليضعوا السكّين في رقبتها، غسلاً للعار. لكن أحداً لم يفكّر أنها ستعيش في مقبرة مع مَن اختارته، وتصوّرها هاجرت معه إلى العاصمة؛ حيث يمكن أن يعيش أي هارب من تقاليد العُرف في مدينة البشر، فيها لا يُعدّ، ولا يُحصى. وإلى حين تُوفّيت هاشمية، وتفرّق أبناء الحارس، ظل هو الوحيد الذي يمسك كهولته ومهنته في حراسة هذه القبور، حتى حين قطعت السفارة البريطانية راتبه.

{ بقية الحلقات على الموقع الالكتروني لـ (الزمان)

لم يكن مقدّم التقرير في قناة الفرات الفضائية لينتبه أثناء التغطية الخبرية المتلفزة لحال المقبرة بعد مرور أكثر من تسعين عاماً على إنشائها أن حارسها البصري كان يمسك دمى من الطين بين يديه، ولم يكن ليفهم مغزاها أحد. ولكن هاشمية زوجته تعرف سر الدمى، ومَن صنعها. وحين كانت الكاميرا تتمعّن في أجفانه المتسرّبة بضوئها مع قطرات ندى صباح بارد بوميض السنين البعيدة والمتراكمة، كانت أصابعه ترتعش، وهي تريد أن تفسّر لمن يتحدّث معه عن سكان هذه المقبرة عن تلك الدمى التي لم يعرف العالم أن لها علاقة وثيقة بروائية إنكليزية مشهورة اسمها فرجينيا وولف. هو – حتماً – لا يعرفها. ولكن دانيال الجندي الآتي مع الجيش البريطاني والمتجحفل الآن في البصرة يعرف تماماً مَن هي فرجينيا، وأن تلك الدمى هي نتاج صُنع يديه في رتابة حصار طويل، فرضه الجيش التركي عليهم، وتنفيذاً لوصايا فرجينيا التي كانت تصل إليه بالبريد، يتمّ تهريبه إلى الجيش المحاصر بطرق ملتوية وسرية، ومكافآت تُعطى لبعض الأعراب من عشائر المنطقة؛ لتوصل حقائب البريد القادم للجنود من لندن عبر مكاتب سفن شركة لنج أو البارجات الحربية القادمة من دلهي، وتنصحه فيها أن يذهب إلى دجلة، ويصنع من طينه المقدّس دمى على أشكال آلهة تلك البلاد، فلربما تحفظه من الموت، كما كان يعتقد سكان بلاد الرافدين القدامى.

الدّمى لا تتكلّم. والرجل لا يتكلّم، والقبور لا تتكلّم.

لكن الأجيال تُعوِّض صمت الماضي بلسان الحاضر، وربما حارس المقبرة ودانيال هما الزمن المتكلّم الآن، ولسان حال مَن يتوارثون الموت في أراض خارج حدود المملكة.

لم يكن تقرير القناة سوى دقائق لتسليط الضوء على المكان. لكن بعض الذين يشغلهم هاجس المكان وتاريخه يتخلّون في تلك الدقائق أزمنة لا تنتهي تعيشها هذه البلاد في ذكريات وجودها، منذ أن أتى إليها الفُرس والأقوام الجبلية والإغريق، وهم يحملون أناشيد الغزو، وحتى توقّف الدبابة الأمريكية أمام تمثال الرئيس في ساحة الفردوس، وإسقاط رأس التمثال بحبل، جرّته المجنزرة بعناق وسط تصفيق العشرات من مواطني البلد، في حين كانت الملايين من منتظري تلك اللحظة صامتين خوفاً من تكرار التاريخ، كما في الحرب الأطلسية الأولى.

لهذا؛ لم يكن – عدا هؤلاء العشرات الراقصين والدائرين حول رأس التمثال المخلوع من جسده، كما في لعبة (الثعلب فات فات بذيله سبع لفات.) – وحدهم مَن صدّق أن الرئيس لم يعد له وجود. وكم كانت تلك الصورة الكئيبة تزرع في ذاكرة البلاد خيبتها من خواطر الملوك وحسابات الزهو التي يفترشون بها شوارع الحروب.

حروب وطنية وأخرى أجنبية، ولا ثالث لهما في هذه البلاد، دائماً تحارب من أجل أن تكون كما يشعرها هاجسها. وربما التقرير الأرشيفي للقناة التلفازية يسجّل – بقصد، أو بدون قصد – بعضاً من العرفان لأصحاب تلك القبور الذين يكرّر أبناؤهم ذات الهمة الاستعمارية، ويأتون إلى بلادنا ثانية.

وبعيداً عني وعن دانيال وفرجينيا وولف والمترجم أمير تتخيّل الكاميرا في فضاء المشاهدة أن أحداً ما سيحاول أن لا يُبقي كلام مراسل القناة في أدراج أرشيف المكتبة التلفزيونية. لابد من جفن ما يتحرّك وراء أسئلة المراسل ونظرات حارس المقبرة والنفايات التي تملأ المكان؛ ليذهب إلى تلك النظرات المعبّأة بشهوة المكان في لياليه القديمة، تلك التي تجمع شواهد القبور بروح حارس المقبرة، والتي تمنحه مزيداً من عاطفة عشق مميّز، جعل هاشمية تتحدّى عرف المعدان، وتهرب إليه. ويقيناً أن تلك الشواهد الرخامية وأرواحها علّمته – وبدون أن يعي – بعض الرومانسيات المدهشة في الخيال السكسوني، فصار يمارس معها – في أول أيام عشقه لها – طقوساً ناعمة من الإيماءات ولغة العيون، وكأنه يستلهم كامل فنون الغزل ولمعانه من حوارات روميو لجولييت في مسرحية شكسبير.

كانت تلك الإيماءات تمشي بأوردة جسدها مثل الشحنات الكهربائية، وكان ردّ فعلها لا يرسم في ملامحها سوى الخجل الذي يملأ خَدّيْها، وارتعاشة شفتيها، ويغيّر ملامحها بسعادة، تجهل ملامها؛ لأنها لم تعتد أن تنظر إلى وجهها بمرآة، ولكنها – الآن – تشاهد نبض قلبها المتسارع في عيون حارس المقبرة؛ لتستعجل اللحظة التي تكمل فيه بيع صواني القيمر واللبن الخاثر، وتُسرع إليه؛ ليختبئ معها في أمكنة مظلّلة بين القبور، لا يعرفها، ويستدلّ بها سواه؛ ليمارس معها لذّة اشتياق وهمس. ومن أول أيام الغرام المخبّأ في صمت شواهد الرخام ونعاس الجنود والعبارات المختارة من أناجيل وكتب صوفية للديانات الهندية، وبعضهم أخذ لقبره عبارة من التوراة، وربما بينها كان هناك بعض الشواهد لجنود هنود مسلمين من غير السيخ، أحدهم غامر بشوقه، وأوصى لشاهدته بيت شعر يقول:

(الحبّ أن ترقد بسلام.

وفي أجمل حالاته أن يكون قبركَ في قلب مَن تحبّ، وليس في التراب.)

كنتُ أراقب التقرير التلفازي. وربما الوحيد من بين الآلاف الذين يشاهدونه – الآن – مَن يستعيد كامل الطقوس الروحية والتاريخية لما خلف نظرات حارس المقبرة.

في عشرة دقائق، سرد المراسل تفاصيل كل هذه الرواية، وأسقط إيماءاتها على أجفاني، وحمّلني مهمّة استعادة هاجس المكان، والبحث عن حفيد لواحد من سكان هذه المقبرة هو الآن يخدم في الجيش البريطاني المرابط في البصرة. ثم ذهب بي إلى لندن، ويوميات فرجينيا وولف وقراءة هاجس الحزن في حياتها، جعلني أفتّش في تواريخ وحكايات ألف ليلة وليلة عن قرامطة وزنج ويهود.

أمسح بذاكرتي خطوات الأمكنة؛ لأستعيد فيها حلاوة المخفي في تواريخنا. تلك الشهوة الممنوعة التي تجعلنا ننسى جروح الحروب وجوع الحصار وجور الملوك، ونمضي لنفتّش عن البراءة والغرام والقصيدة.

أمكنة حلم تتعدّد في جغرافيتها، لندن، حيدر آباد، مدن البنجاب، البصرة، زنجبار، قرى هور الكحلاء؛ حيث ولدت هاشمية، وانتهى بها خفقان قلبها؛ لتعيش عمرها كله قرب شاهدة قبر جندي بريطاني وسخيّ.

مدن تعطش، ولكنها لا تموت، بسبب قدرتها على صناعة المطر والأنهار من مساحات الضوء التي تسكنها البصرة والكوت والقرنة وأم درمان وجاوه التي أبحرت منها سفينة المنفى الأوري والبابلي؛ لتغرق بعد يومين في المحيط مع 300 حالم بالهروب من جحيم الجوع ورتابة بطاقة التموين، ولتستقرّ أجسادهم في قاع العدم الصامت، كما تايتانيك.

أستعيدها كلها في دقائق هذا التقرير. وخلالها أبدأ بتشكيل الحكاية، وكأني أنطق بلسان حال حارس المقبرة عن كل الذي لم يقله، بل كان مكتوباً بكل فصول هذا الكتاب في صمت أجفانه ورعشته الساهية التي اعتقد أنها لا تبحث عن شيء في لحظة تسليط ضوء الكاميرا عليه، وتقريب اللاقطة من فمه المرتجف جوعاً وفاقة وحلماً سوى عن وجه هاشمية المضيء بسحر كل قرى الأهوار، وقد غابت عنه، وبقي وحيداً في عزلته، يراقب – بحزن – الشواهد وهي تختفي بقصائدها وكلماتها بفعل التعرية والإهمال واستخدام البعض لرخامها في عمل دكّات للبيوت أو الدكاكين القريبة من المقبرة.

أُوفّق أو لا أُوفّق. هذا هو سحر مغامرتي مع إيماءة حارس المقبرة، وهي وحدها مَن جلب كل الأحداث هنا. واحتراماً لقامته وحزنه ونظرته الغائرة في الزمن العجيب عليّ أن أستعيد معه فتنة العمر التي عاش لحظاتها برعشات موسيقية، تعلّمها بثقافة مكتسبة من رسائل الجنود الهاجعين في المقبرة. وكما كانت مودّة دانيال ومارتا في لقائهما الغرامي العاصف بعد أول إجازة له في أرض الوطن. وكما فحولة الهوس المجنون في المضاجعة الصاخبة بين محمود سعيد وجين موريس بطلي رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال يتشكّل لديّ شيء من لحظات الغرام الفتي المكتسب لرومانسية تفوق ما كان دانيال ومحمود سعيد يمارسانه؛ لأفتح باباً من اشتياق روحَيْن مندمجَيْن في لهفة الوصال قرب شواهد الرخام البارد في عطش متبادل مع زقزقة بلابل صباح مدينة الكوت.

وفاء لرجل حفظ بأمانة – وبالمجّان – حلم هذه الشواهد الرخامية، عليّ أن أستعيد – ولا دخل لي بما كان يُقال في هذه الطقوس – نقلي لحروف كلماتها بلسان حال الحارس الأمين لهذا الصمت الذي عرف كيف يجعل من قلب بائعة قيمر قلباً ينتج السمفونيات والخجل اللذيذ، وجعل سعادتها معه تفوق أيّ وصف يسكن عينها لمساءات القصب في قريتها الصغيرة الطافية على مياه وسماء، وتسمى قرية (الزرازير) في عمق هور الكحلاء. وكان يقرّب أذنيه وعينيه من الخلسة اللذيذة الدافئة. وبعيداً عن العُرف والخجل، فقد تجرّأت هي بفتنة الكلمات، وهمست له: أَقْبِلْ، لأمنحكَ ما تريده. ولكنْ؛ ليكن شاهدنا الله وشواهد قبور هؤلاء النيام.

ـــ وتتركين أهلك والقرية وقطعان الجواميس وطقسك اليومي وأنت تأتين بمشيتك المائلة ومعك إغراء كل هذا الصمت النائم بين القبور؟

ــ نعم، أقبلُ، إن كنتَ تريدني، ياحارس القبور، لأكون معك كل العمر حارسة لقلب واحد، وأنت حارس لقلوب مئات الجنود النيام، ولكنْ؛ بينهم قلب واحد حي،

هو قلبي. ستحرسه أيضاً؛ لأنه سيحرسك.

ــ نعم، أقبل.

هذا القبول هو ما أجسّده الآن، أنا في تواضع الكلمات ورعشتها، وهي تنقل ببراءة وشرف وبهجة لحظة شعر فيها حارس المقبرة أنه يتذوّق القيمر من شفاه أنثاه، وليس من يديها، وهي تقدّمه له بماعون الفافون. غاب لسانه بلسانها. تدفّقت إلى جسدها نار لم تألف نشوتها حتى في حطب الشتاء البارد في بيت القصب الذي كان يأويها وأمها وأبيها وأخوتها الصغار. هو – أيضاً – اهتزّ بدنه برقصات كان روميو يحرّكها بغنج الشعر والمناجاة وموسيقى قيثارة تحت نافذة جولييت.

عذوبة يمرّرها عبر الشرايين والأوردة، حبل من غرام متبادل ناعس وشهي ودافئ.

الشواهد الرخامية يتحرّك حجرها وهي تتأمّل في خلسة الاشتياق هذا الالتصاق القائم على الفطرة اللذيذة في قرار لجسدَيْن أن يكونا من الآن وإلى الأبد، سوية في التلاحم، وفي حراسة القبور.

يمضي معها إلى أبعد من مداعبة اللسان، وتمضي هي معه إلى أبعد من الإغماضة، فيتصاعد في جوفه غليان البهجة الذكورية؛ ليحس بعطرها الذي اشترته أمس من العطّار، وكان عطراً هندياً شدّه بغرابة ما يتوثّب فيه الآن، وهو يحسّ بقشعريرة تسكن صدره العاري؛ لان ضفائرها تُحرّك عليه سحابات من الفرح والقبول أن تكون له بما أراد وشاء، مادام هو قد أقسم لها أمام الله وشواهد القبور أنها زوجته من الآن….

فصل من أناشيد المرايا وهي تعكس أنوثتها وذكورتها في حزمة الضوء الشهي المنعكس من خفقان قلوبها. يدركها بقاء وتواصل وغياب في أروقة الجسد الذي تلتصق معه. وتراقص في فضاء قبلاتها التي تمارس فتنتها، ما ظلّت تعتقد أنها الحلال الأول الذي تشعر بمتعته. فلم تكن – قبل ذلك – لا تُقبّل سوى خَدّ أمها وأبيها وأخوتها. ومرات يدفعها شوق غريب لتُقبّل القصب أو موجة الماء. وفي مرح أنثوي غامض، كان تُقبّل السمكة التي تصيدها بفالة أبيها في قيلولة نوم الجواميس في الماء وعي تراقبها بحنان وحبّ.

أمكنة هجرتها، ولكنها تُستعاد – الآن – في بهجة المودة مع مَن عشقت، وأغواها بهدوئه، وعينيه. لقد هجرت من أجله تواريخها وصباحتها وحنان المنزل؛ لأنه أخبرها كما تعلم من شاهدة قبر جندي سخي: إن الغرام الجديد يلغي التواريخ القديمة كلها.

 وبالكاد استوعبت معنى العبارة، ولكنْ؛ هي تدرك أن عليها أن تتعلّم حروف كلمات الشواهد، كما تعلمها هو مستفيداً من مخالطة مَن كانوا يزورون هذه القبور، وليفكّ طلاسمها، وليتآلف معها، ويصادقها، ويوافقَ أن يحرُسها، حتى من دون معاش.

إنه غرام بدائي، ولكنه يحتفظ بسحر رائع من أمكنة وفصول ورقة التين، ويسكنها شعور اللحظة الأولى في جماع الذكر والأنثى على بسيطة هذا العالم، وهي تتخيّل أن الأرض فقط هي المسافة بين قريتها الميسانية في الكحلاء ومدينة الكوت؛ حيث دفعتهما العيش وأماكن الرزق الجديدة؛ لينتقلوا إليها، بعدما كثرت بائعات القيمر في العمارة ونواحيها، عندما كانت أمها تأخذها إلى القرنة؛ لتفي واحداً من نذورها إلى شجرة آدم التي تمنح الخصوبة حين يضمخ أيّ واحد ورقة من أوراقها المرّة، هناك عرفت أن ظل شجرة السدر هذه كانت مؤوى لأول لقاء حميمي بين رجل وامرأة، لكن محدودية تفكيرها وعلْمها أبقاها في خيال مشوّش، لم يجعلها تدرك – تماماً – مغزى الظل البارد تحت شجرة السدر هذه، ولماذا الناس يصبغونها بالحناء، ويتبرّكون بها، ويشدّون على أغصانها قطعاً من الستن الأخضر تعبيراً عن رغبة مؤمنة؛ ليتحقّق لهم أمل وحاجة، قصدوا بها المكان. ولكنْ؛ الآن، تخبرها براءتها أنها – الآن – تغادر جنة الماء والقصب وقطعان الجواميس إلى جنة الدفء والحنان والكلمات الآتي حين يفسّرها لها حبيبها، وهي تشاهدها مرقونة بعناية على الرخام، فتشعر بلذّة تلك القلوب النائمة وسعة أحلامها، وتتساءل لماذا هم جنود، ويقاتلون على ضفاف الموت والبنادق، ما داموا يفكّرون هكذا؟.

كان ذلك حين كبر وعيها، عندما كبر حلمها مع زوجها الذي عقد قرانه عليها شرعاً أمام واحد من مشايخ مدينة الكوت المعتبرين.

واعتبرا لحظة المودة تلك بين شفتيهما في القَسَم أمام الله وشواهد الأضرحة أنها عربون المودة والعمر الأبدي بينهما، حتى وإن كان فيه ذنب ممّا يعتقد الآخرون أنه بعض من الفحشاء، لكنهما كانا مقتنعين أنه بعض من الحب في عذرية المودة كتلك التي كانت بين فرجينيا وبيتر.

ولكي يُكملا أول طقس غرام مشعّ بينهما في مساء ربيعي، كانت فيه الزهور المورقة قرب القبور تنشد بعطرها فرحاً متلصّصاً من أجفان الجنود المتمدّدين بإغفاءة، صنعتها شظايا الدان التركي.

هي تبحر، في عينيها شهوة غريبة ومكتملة الرعشة والسعادة، وهو ينهض فيه الرجل الذي أثمرت فيه عثوق نخيل قريته على شط العرب هذا الحماس الملتهب بفتنة أجمل ما كتبته إحدى شواهد القبور التي تراقبهما بمتعة، وهي ما حرص عليها هذا الجندي المولود في ويلز، والمتوفّى على أرض الكوت، والقائلة:

(هنا؛ أتدفّأ في صمتي الأبدي

وعلي أن أتخيّل أني أتدفّأ بجسد حبيبتي

فأشعر أني أعيش خلودي، ولا أموت…………………..)

عودة ثانية ليولسيس

((لقد أحببتك، ولذلك جذبت بيدي هذه الجموع من الناس، مسطّراً إرادتي بالنجوم عبر السماء؛ كي أستحصل لك على الحرية، المنزل الجدير بك، منزل الأعمدة السبعة، لعلّ عينيك تشعّان من أجلي عندما أجيء))

 توماس أدوارد لورنس / مقدّمة كتاب أعمدة الحكمة السبعة

ــ 4 ــ

لم يكن دانيال قادراً أن يرفع أجفانه في وجه أمه الحزينة التي عرفت أنه – لهذه اللحظة – لم يزر قبر جَدّه بيتر في المقبرة الإنكليزية في مدينة الكوت. ولو عرفت أنه قضى ليلته الأولى في أحضان مارتا قبل أن يجيء إلى بيته؛ لتخلّت عن أمومته، وإلى الأبد. لكنه – بعينين دامعتين – استعطفها؛ أنه في عودته سيفكّر جدِّياً في المغامرة، وسيزور قبر جَدّه بيتر. وعقّبت هي على هذا:

ــ لورنس زار مدن الصحراء والرافدين كلها متخفياً بزي أعرابي، ولم يلتفت إليه أحد، وكانت ملامحه الإنكليزية وزرقة عينيه واحمرار وجهه تدل على ملامحه الإنكليزية أكثر منك.

ــ أمي، أيام لورنس التنقّل سهل، وكذلك الاختباء. الآن؛ الشرق الذي كان أيام لورنس مدناً متناثرة وصغيرة ودون معرفيات وفهم ثوري محدّد، غيّرته الحضارة كثيراً. لقد كان لورنس ينتقّل على بعير، ويستغرق في تجواله أياماً بين مدينة ومدينة. الآن؛ تغيّر الأمر، فكل شيء يرصد في تلك المدن حتى الأطفال بفضل التلفاز والعولمة صاروا يعرفون الأجنبي من بين أيّ حشد. ولكني – حتماً – سأجد طريقة ما لزيارة قبر جَدّي، حتى ولو لساعات. لدي مترجم عراقي – ربما – سيساعدني في تلك المغامرة.

ـــ وهل زيارة قبر جَدّك لساعة مغامرة في بلد جيشنا مَن يملك مقاليد الأمن فيه؟.

ــ نعم، يا أمي، مغامرة. أشعر ويشعر قائد سريتنا أن يوماً بعد يوم يتحوّل وجودنا في العراق كمثل خيال مآتة، حرّاس وَهْم؛ لأننا نلاقي في الجنوب الشيعي مقاومة شديدة من تيار متشدّد بالنسبة لقضية بقاء جنود أجانب هناك اسمهم الصدريون. هؤلاء لهم حضور واسع ومكثّف في أغلب شرائح مجتمع جنوب ووسط العراق. ولو كان لورنس حياً الآن، وأراد أن يتنقّل كما فعل في أوائل القرن العشرين لما استطاع أن يتحرّك ميلاً واحداً، حتى يُكشَف، لكني أفكّر بالذهاب هناك، بعد أن أقنع آمر السرية؛ لأذهب مع أيّ رتل يتوجّه إلى بغداد، وأنزل في معسكر لجنود أوكرانيين في المديمة، وفي واحدة من جولاتهم الراجلة في المدينة، سأذهب وأزور القبر. وسيكون كل هذا دون علم آمر الوحدة، فقط؛ سأحاول إقناع آمر المفرزة.

ـــ أتخيّل – الآن – جَدّك بيتر، وهو يرنو كل صباح للطريق المؤدية إلى البصرة، وهو ينتظر مجيئك إليه زائراً. بين فترة وأخرى، يعاودني في الحلم، ويسألني: إن كنت طلبت من دانيال؛ ليزوره. وحين أجيبه: نعم، طلبت منه ذلك. يردّ، وبتعجّب: ولماذا لم يزرني حتى اللحظة..؟.

فلا أعرف بماذا أردّ عليه؟

ـــ والدتي، لا تتصوّري الأمر صعباً. منذ أشهر، ونحن نلعب مع الصدريين لعبة القط والفأر، ونكاد أن نكون وحدنا في الساحة في مجابهتهم.

ـــ ولماذا؟ أنا أسمع أن هناك جيشاً عراقياً تشكّل، وهناك جهاز شرطة؟

ـــ قادتُنا لا يفضّلون مجابهة الصدريين بالتعاون والمشاركة بين جيشنا والشرطة والجيش العراقي؛ لشعورنا وقناعتنا أن الشرطي والجندي العراقي لا يريد أن يصوّب بندقيته في صدور أبناء وطنه، ومذهبه، ممّا جعلنا نكاد نكون الوحيدين في المجابهة. لهذا؛ وهروباً من تعقّد الموقف في مجابهة عناد هذه المليشيات، كنا نفضّل البقاء في الثكنات، ولا نتجوّل في دورياتنا، كما سابقاً في الشوارع؛ كي لا نثير غضبهم، ويحدث الاحتكاك.

ــ وتترك جَدّك بيتر ينتظر…؟

ــ أتركه؛ لأني أعتقد أنه يفضّل الانتظار على أن أقع أسيراً عند المهديين، ويكون الذي يكون……..

قالت مارتا وهي تعقّب على هذه العبارة من حديثه مع والدته، وهو يحدّثها في مودة أخرى، في آخر يوم له من إجازته القصيرة:

ــ حين تقع أسيرا لديهم، سينتهي فيّ أي أمل، فلم يخرج أيّ بريطاني حياً من أيدي خاطفيه في العراق.

انتابه فزع تلك اللحظة أن يكون أسيراً في يد مقاوميه.

تذكّر أمير وهو يتحدّث له عن محنة الأجانب في العراق، وكيف القاعدة تتعامل مع المخطوفين من الأجانب، وقد أَروا العالم مشاهد تلفازية مروّعة لقتل الكثير من الرهائن، وأغلبهم من البريطانيين.

أمير نفسه ترجم له مقالاً كتبه هو عن واحدة من هؤلاء الأبرياء، واسمها (مارغريت حسن)، كان تعمل في واحدة من المنظّمات الإنسانية، وخطفها تنظيم القاعدة، وتم تصفيتها بطريقة مروِّعة. لكنه أخبر مارتا أن الصدريين لم يفعلوا مثل هذا، لحدّ الآن. وهم – في قتالهم مع الأمريكيين والبريطانيين – يستخدمون رؤى القتال رجلاً لرجل، وفي شوارع المدن، وقد تم هذا في مدن مثل النجف والناصرية والبصرة.

خذي – مارتا – اقرئي ما كتبه أمير عن مارجريت حسن، وحتماً سأرى دموعاً تهطل على خدّيك، مثلما فعلتُ أنا. فقد كان المقال مؤثراً وحزيناً. والحق، وقتها، أسكن الرعب في جسدي لأيام عديدة.

وكما توقع دانيال في اول لحظات القراءة بدأت اجفان مارتا تتحرك برعشة حزينة .وعندما هطلت اول الدموع على خديها كان المقال الحزين يروي قصة مارغريت حسن التي عاشت محنة اختطافها في العراق ثم قتلت بصورة دموية وبشعة حاولت فيها مارغريت أن تثبت لخاطفيها أنها مجرد رسول سلام في منظمة انسانية لكن الرصاص كان اقرب الى جسدها من اجنحة الحمام .

دموع غزيرة هطلت كما أمطار دبلن في واحدة من مشاعر جميس جويس أثناء كتابة روايته يولسيس.

قالت مارتا: يوم ذهبنا في سفرة مدرسية بأول فصل لنا بالجامعة، وكنتَ معنا، يا دانيال، قال لنا أستاذ الأدب المعاصر: هذه دبلن. لا فائدة من أن نتذكَّرها، دون أن نتذكَّر معها رواية يولسيس وكاتبها. ستجدونها – حين نقرؤها في الفصل الثاني من هذا العام – رواية مركَّبة وصعبة، لكنكم ستشمُّون عطر دبلن فيها.

الآن؛ حين أزور دبلن مع يولسيس وجويس، عليَّ أن أتذكَّر مارجريت حسن. إنها إيرلندية عظيمة. لم يبكني حزن آت من الشرق مثل هذا الحزن. قصتها دانيال تجعلني أقلق عليك ذات القلق الذي سكن قلب فرجينيا من أجل جَدِّك بيتر. المصائر هناك لن تسيطر عليها بركات القساوسة، لا، الشرق لن يشبه الغرب أبداً، ولن يكون هكذا في يوم ما.

ــ نعم. شاهدت وعاينت بأم عيني، لم يشبهه، ولن يشبهه. تلك من المسلمات، لكني وأنا أعد أمي بزيارة قبر جَدِّي في المرة القادمة استعدتُ – تماماً – وجه (الوردة الإيرلندية) كما يسمِّيها صديقنا المترجم العراقي. وقبلها استعدتُ كلمات الأستاذ يوم ذهبنا في أول سفرة جامعية إلى دبلن. يبدو أن ما كتب في بدايات القرن العشرين من شوارع دبلن وليلها يؤرِّخ لهواجس القرن الجديد. وحتى كتاب لورنس أعمدة الحكمة السبعة هو يعيد صياغة وجودنا بشكل آخر في المكان الذي سعى فيه لورنس كثيراً؛ ليقدم الرشى لإنقاذ الجيش المحاصَر في الكوت، وفشل.

أمي تريدني أن أستعيد فصلاً من كتاب لورنس، وربما تريدني أن أرتدي زيَّه العربي، وأذهب متخفِّياً إلى قبر جدي، فقط لأضع الزهور عليه. وحينما سألتها عن جدوى المغامرة الكبيرة من أجل دقيقة حداد واحدة وباقة ورد؟.

قالت: إنه الوفاء بقيمته العظيمة. وجَدُّك ينتظر منذ أكثر من تسعين عاماً هذه اللحظة.

اللحظة هذه تمَّت مناقشتها مع أمير الذي فضَّل أن لا يكون طرفاً مباشراً في القضية؛ لأنه وبالرغم من قناعته بإنسانية الفكرة، إلا أن هاجسه وقلقه وارتباك النظرة التي ينظر بها إلى المترجمين جعلته يتحاشى الكثير من الأفكار التي يطرحها دانيال، ويفضل أن يحاول إقناع مرؤوسيه بمصاحبة رتل عسكري ذاهب إلى بغداد، وتكليفه مهمة ارتباط روتينية كإرسال بريد استخباري إلى مقرِّ القوات الأوكرانية في الكوت، وهناك يستطيع أن يتدبَّر زيارة قبر جَدِّه.

قالت مارتا: صديقكَ العراقي هواجسهُ مشروعة. وربما اقتنعت فيها بعد أن قرأت مقالته عن السيدة مارغريت حسن. الأمر صعب بالنسبة له، وبالنسبة لك أيضاً.

ــ ولكن أمي لا تراه صعباً. وتقول: إنها اللحظة التاريخية التي لن تتكرَّر.

ــ اللحظات التاريخية تلد بقدرية أحداثها. لورنس يقول ذلك. فالبس عقاله، واصعد بعيره، وإن كان هناك طريق صحراوية بين البصرة والكوت تتبَّع أثر خطوات ناقة لورنس، واتبعه.

ــ لو سمعتك أمي، يا مارتا، لصدَّقت اقتراحك المجنون هذا، ولطلبت مني أن أفعل ذلك.

ــ سيكون جميلاً أن تفعل ذلك. أَ لم يقولوا: التاريخ يعيد نفسه؟.. أنتَ أَعِدْهُ مع عقال لورنس وناقته.

ــ أبتسم حين أشعر ببريطانية وجميلة مثلك تعرف معنى العقال.

ــ كل البريطانيين يعرفونه بفضل صورة العربي المتكرِّرة في جرائدنا. ثم إننا نراهم كثرا في شوارع لندن في موسم السياحة بالصيف. ومجلة التايمز ذاتها جعلت هذا العقال موضوعاً في أغلفتها في الكثير من أزمات الشرق الأوسط. لورنس ذاته كتب مرة: لولا الزيّ العربي وهذا العقال الذي أرتديه لما عرفتْ لندن بماذا كانت تفكِّر الأستانة.

ــ مارتا؛ أنت تفكرين برؤية تاريخية ثاقبة. وأحتاجك الآن؛ لنفكر معاً بالطريقة السهلة والأمينة للوصول إلى قبر جَدِّي بيتر.

ــ أي عاشق وخطيب أنت… عندما تريد من فتاة تشتاق لجسد مَن تحب، وفي آخر يوم من إجازته، ويذهب إلى مجهول الحرب، أن تضع معك تصوُّراً لقبر تُرك هناك من أكثر من تسعين عاماً؛ لتزوره. فيما فمي يحتاج زيارتك إليه.

ــ يا لدهاء النساء وقدرتهن عن نسياننا لقبور أجدادنا المنسية هناك.

ــ أوه؛ إنها عبارة شكسبيرية. اخترْ لنا أخرى من يولسيس، ففيها متعة أحبها، يا مستر بلوم، وها أنا أرفع لك طرف الثوب.

رفعت طرف ثوبها. بان منه بياض استشراق شهي. دعته إليها، اشتعل فيه ليل دبلن والبصرة ولندن والكوت. وهي اشتعل فيها ليل واحد شبيه بذلك الليل الذي أوقد نار زنوجته في قرية من قرى النيل السوداني. من هناك؛ جاء مصطفى سعيد ليعلم النساء في الغرب احتراقهن الشهي، وبسبب هذا، تمنَّت مارتا أن يجيء إليها دانيال ذات الاحتراق من الأماكن الحارة التي يعمل فيها، وهو طالما حدَّثها عن زنوج يعيشون فيها يشبهون – تماماً – ملامح بطل رواية موسم الهجرة للشمال.

فمهُ في فمها.

يستنشقان معاً العطر الإفريقي المثير (أم السودان) يدور في رأسها صداع لا يفعله أي كأس كبير من الويسكي.

تبتهج مثيرة على شفتيه همسات منفعلة؛ لتشعره بشوقها إليه. لينسى – الآن – كل شيء، ولا تدور في أسئلة لسانه سوى بهجة معاشرة أنثاه. فيسكنه لمعان شهي ولذيذ وماطر. وكأي جندي أفقدته الأمكنة البعيدة متعة النوم مع وردته، يحسسها بمداعبات مرتعشة الأصابع أن حاجته إليها لا تنته بجولة واحدة في الليلة الأخيرة. وأن عليه أن يسكتها في أبعد المناطق المنزوية في جسده؛ حيث تسكنه الرغبة الحارة؛ ليكون – الآن – مصطفى سعيد آخر، علّمته أماسي الشمس الملتهبة في البصرة أن يكون منفعلاً باشتياقه مع امرأة، وقادراً على فعل أيِّ شيء.

يلتوي جسده على جسدها كما أسد ولبوته في صراع من أجل امتلاك الشهوة القصوى. ليشعر بها ترتجف فيه. ويرتجف فيها. تشاهد اغماضته الثملة، وتحاول أن تعطي ما لديها وهي تشعرها أن صدرها غار كله في صدره؛ لتشعل النار في موقد فمها، وليتسنى لها أن تفعل معه ما يجعله يمسك ذكرى هذه الليلة حتى بلمعان حربة بندقيته. وربما حتى بعطر باقة الورد التي سيضعها على قبر جَدِّه بيتر.

همستْ له: مشتعل أنتَ؟

ــ كما بركان…

ــ وماذا ستفعل بدوني؟

ــ سأكتب الشعر، لأشعر أنه أنتِ…

ــ تكتبه بقلم أم ببندقية؟.

ــ سأكتبه بذكريات هذه القبلة وهذين النهدين، بعطر هذه الليلة التي لا تشبه لندن بأي من تفاصليها، بل تشبه ليلة بصرية أو نعاس صباحي في قرية من قرى أم درمان. وربما تشبه إحساس مستر بلوم وهو يرفع طرف الثوب؛ ليتحسَّس أعضاء الوردة الداخلية.

ــ آه؛ أنت تشعرني برعشة مباغتة.

ــ أوف؛ مباغتة كما رصاصة قناة تمرُّ سريعة كالبرق جوار خوذتي.

ــ وهل تعرَّضت لهذا؟

ــ نعم؛ مرة واحدة. وقتها؛ لم أرفع رأسي، وبقيت مرتعشاً، ووجهك معي.

كانت تموج على جسده كما الطائر المشتهي طقس طيرانه الحر. تأتيه من فمها إلى كل أمكنته. ويأتيها بفمه إلى أماكن الأنوثة المضيئة كما شموع ستتخيَّلها مشتعلة قرب قبر جَدِّه.

وعلى ضوئها هما الآن يمارسان غرام آخر أيام الإجازة.

يتذكَّر مرة قولاً لسارتر أيام حرب المقاومة: إنهم يعطونا الإجازة. لنعود بمعنويات متدنِّية.

قالت: عليَّ – الآن – أن أجعل مقولة سارتر معكوسة. لابد أن أعيدك إلى البصرة بمعنويات ممتلئة بعطر جسدي الذي سيبقى معك ذاكرة لحلم امرأة من أجلك، يا حبيبي.

شعر بذكورته تتمدَّد بإحساس مُشعّ إلى أبعد من السرير، فصار يمازح حدائق فمها بنعومة لسانه؛ لتسكنها ثمالة أخرى تجعل أي عاشقة تغيب عن الوعي.

كانت دائماً تعتقد أن اللحظات السعيدة لا تصنعها سوى الطقوس المشتعلة بحنان لقاء مستعجل، تحاول أن تكون فيه – الآن – امرأة يتفق منها الكثير من أمطار غيومها الصاخبة في مراعي جسده.

هو مُمسك زمام مبادرته معها، وهي تحاول الطيران إلى أمكنة أبعد ممَّا تلامسه أصابعها. ومن مناخات هذا الودِّ ظلت الخواطر الزرقاء تبحر في سماوات خياله أمنيات مورقة برغبتين ظلَّتا متلازمتين في خواطره وقصائده ورسائله وحواراته مع أمير:

ــ أن أزور قبر جَدي بيتر، وأن تنتهي هذه المهمة القاسية، وأعود إلى بلدي.

قال أمير: المهمة تنتهي. وتذهب، ولكن جدّك سيبقى هنا. وعلي أن أسدي لك خدمة. أن أزور قبره بدلاً منك، وأضع على شاهدته الورد. وسأهمس له أن حفيدك دانيال لم يستطع الحضور إليك، وأنبأني لأحمل إليك تحياته وحزنه، إنه لم يستطع الوصول إليك.

ــ لا، يا أمير، لن تنبئني بشيء، أنا مَن سيزوره.

ـــ صعب، يادانيال. سيتخطّف، وستصير رهينة دسمة.

ـــ لورنس يقول: المغامرة تختصر في متعتها نصف الطرق الصحراوية. لابد لنا أن نغامر. أجدادي كلهم حاربوا خارج حدود المملكة طلباً لشهوة المغامرة. كل شيء في عالمنا دون وصول وهدف وأمنية وحلم صعب يبدو باهتاً. تعلمت هذا في كتب التأريخ. وفي كتاب لورنس ما يحفِّزني على القيام بتلك المغامرة، حتى لو اضطررت أن أرتدي زياً عربياً، وأصل إلى هناك.

قالت له: أذهب، ليبقى مني شيء، لا يُمسح بسهولة مع الأيام.

قال لها: شربتُ كل عطرك وضوء عينيك.

قالت: وخذ أمكنة أخرى. خذ تفَّاحتي لتعرف أن حواء لن تفارق آدم الذي تعشق.

تورَّد صدرها بابتهاج ممتع، كما سعادة التفاح من نعومة قشرته وحمرة خدَّيه. هاجت فيه أشواق تخيَّلها أمنيات لا تقف بحدود الليلة الأخيرة. طاف على مسافة الجسد الرخامي؛ ليدوِّن على كل أمكنته شواهد جديدة لأحلامه وأمنياته وهاجس الغريب بعشقه للمكان الذي يعيش حذره وتأهُّبه وحربه.

يتذكَّر في أوراق جده خواطر كتبتها في تأملات الأماسي التي كانت فيها مدافع الترك تستريح من قصف الجيش المحاصر. وكان جيهان ــ سنغ يحدِّثه عن كتب الطائفة وطقوسها.

يكتب إلى فرجينيا بعضاً من حواراته مع صديقه الهندي. فترد عليه فرجينيا بشيء من كآبة الشتاء الطويل وأخبار الحرب والتقشُّف الذي يجب أن يعيشوه بسبب تكاليف الحرب.

يخبرها أن جيهان سنغ يؤمن بالأرواح التي تطير في أخيلة المنام. لا بتلك التي قد تسكننا في النهار. وأن الروح التي لا ترفع رأسها إلى الأعلى أثناء الصلاة هي روح تعجز عن فعل كل شيء.

ردت عليه مازحة: ولكني كنتُ أصلي، وأنا أنظر إلى خفقات قلبي. ثم أنجزت فصلاً جيداً من رواياتي، قل لصديقك الهندي: الروح كل الأمكنة جهاتها. وحتى تحت التراب أو في قاع البحر تستطيع الروح أن تعبِّر عن اشتياق وحلم، وتستطيع أن تنجز عملاً.

قال دانيال: وأنا بهذه الروح سأتجه صوب الكوت. وربما سأنجز عملاً رائعاً.

قالت مارتا: الأعمال الرائعة تقترن بالملاحم. لورنس فعلها. ومارغريت حسن فعلتها. أنت إن وصلت إلى قبر جدِّك بيتر، ستكون قد قمتَ بواجب تمليه عليك التزام أسري. فيما الأعمال الكبيرة هي وليدة أحلام روح وعي مَن يقصدها، جيهان سنغ، التي ترفع رأسها إلى سماء؛ لتحس بروعة ما ترى وتتعلّم.

ــ مارتا. أنت تتعارضين تماماً مع رؤية فرجينيا، وهي ترد على كلام الهندي سنغ.

ــ نعم، أردُّ؛ لأنها كتبت عن أشياء قلقها أكثر ممَّا كتبت عن العالم المتحرك أمامهما، ولهذا؛ وصلت إلى قناعة اليأس، ووضعت لحياتها حداً. ربما لأنها لم تقتنع يوماً ما بما يقوله ويفعله هذا الجندي السيخي. ولكن طرقة موت الاثنين تريك جمال ودهشة ما تحدَّث عنه جيهان. فهو مات مغواراً في حرب. وهي ماتت منتحرة في نهر.

ــ أشعر أن ما تقوليه صحيح.

ــ ما دمت تشعر، فلنغادر مَن يتعلقون بأجفاننا، ولنبقِ على متعة الليلة الأخيرة وحدها شاخصة كرمح وسيف ونبلة في حربنا، والتي ساحتها جسدانا. بحق يسوع، انسَ كل شيء الآن. المكان البعيد، وعدك لأمك، وجه أمير، وأعمدة لورنس، انسَ، وتعال مع فمك وأصابعك، واعبث بكل الزهور التي رتّبتُها في آنيتي من أجلكَ. شمَّها وردة وردة، وستكتشف أنها جميعها متساوية بالرعشة واللهفة وحاجتها إليك.

كانت الليلة الأخيرة أحاجته ليشعر بأنها منحته ما لم يندم على نيله في يوم ما. الشفتان بحمرتهما الوردية اللامعة، الصدر الأبيض مثل زبد البحر، والأجفان الناعسة كما إله إغريقي أيقظته ثمالة الليل من نعاسه.

كل المسافات مطعمة بالورد هذه التي يشعرها فيها الرجل العاشق أنه يمشيها جيداً.

إنها كلمات جدِّه بيتر في رسائله إلى فرجينيا أيام الحصار. هو لا يستعيدها؛ لأن مارتا تريده أن يكون لها ومعها بدون أي هاجس استذكار عدا هاجسها. ولكن أطيافها تحوم حول رأسه، وهو الذي تعلَّم من ثقافة أمير السومرية: إن الغرام بدون متعة الماضي لا يمكن أن يصنع لمستقبله أيّ قبلة لذيذة.

هم في سومر يقولون هذا. لكنها تصر وبانفعال شهي يجعل أحضانه تتألَّم من قوة ذراعيها؛ لتهمس لها وفمها وسط فمه: دعكَ منهم. زمانهم مضى بعيداً. والآن زماننا…

لكنه لا يستطيع. الإرهاصات تسكنه. رأسه ممتلئ بكل تلك الأطياف. وهي تمتلك ذات الشهوة الحسية التي يكتسبها من جسد حبيبته الآن.

يردُّ عليها وهو في نشوة التصاق شفتيه: لا أستطيع. تلك الأطياف هي مَن تجعلني معك أستعيد قواي بعد كل هطول مطر.

ــ إذنْ؛ خذني إليك… وسأشعر أنك لا تتذكَّر عداي.

وثانية – معها – يطفو على سحر موج جسدها كمَن يطفو على شذى ذكريات قديمة عندما كان طيف عينيها يسكنه في تلك الظهار الملتهبة على شطِّ العرب.

دائماً كان يتخيَّلها في حكايات أمير، وفي قصائد السياب التي عشقها بترجمة أمير لها، بالكتب التي جلبها والتي هي سمّ مشترك بينهما، وسر لقائهما الأول على مدرج الجامعة. تذكَّر لحظة أهدتْه يولسيس، ولم يستوعب قراءته. وحين طلب منها فكّ بعض مشفرات الرواية فتحت له الزرَّيْن العلويين من قميصها، وهمست له: يولسيس هنا. إنه الشعور باللذة كما نفهمها نحن في هذا الزمن.

يتذكَّر كيف مرة وهو أمام تمثال السياب عندما كان الشطُّ يدفع بموجه القاتم وجه حبيبته، وهو يقرأ هذا المقطع من الر واية يولسيس، فيتهيَّج فيه الرغبة إلى أنوثتها.

ولأنها تعرفه. تبقي لهفتها معه مشتعلة. ومع ذوبانها بين أضلاعه المتسارعة التعرُّق والصرير تستعيد فتنة ما كان مستر بلوم يحسُّه في دهشة مزاجه المرتبك والشهي، فتقرأ معه، وتغوص معه، وتطبَّق بحذافير لذَّة الحسِّ والجسد كل ما كان هذا المقطع من مقتطفات الحلقة الثامنة من الرواية الذي يتلوه أمام أمير كلما هزَّه الشوق إلى مارتا:

((“كان القمر كاملاً في ليلة يوم الأحد قبل أسبوعين بالتمام، وهو – الآن – قمر جديد. كنا نمشي بمحاذاة نهر تولكا. مشهد لا بأس به للقمر من متنـزه “فيرفيو” كانت تدندن. قمر مايو اليافع يشعّ، يا حبيبي. كان إلى الجانب الآخر منها. مرفق. ذراع. هو. حشرة الحباحب تشعّ، يا حبيبي، لَمْسٌ شبقي. الإصبع الثالث في راحة اليد. يسأل، يجيب الإصبع الثالث: نعم، توقَّفْ. توقَّفْ. ما يجب أن يكون يجب أن يكون. لا محال.)).

يتخيَّل أن شطَّ العرب نهر تولكا، وأن النخل الممتدَّ بنحافة العطش والشظايا صوب سماء صافية الزرقة يمدّ إلى الأفق شبقية من تواريخ حرمت فيها هذه الأماكن من ممارسة ما كانت تتخيَّله في ألف ليلة وليلة.

معها – أيضاً – يحاول أن يجد الأصبع الثالث. لقد تاهت أصابعه في جسدها، ولا يعرف أين هي الآن..

همست له: تبحث عن الأصبع الثالث، يا مستر بلوم؟

ردَّ دانيال: نعم.

ــ إنه هنا وسط فمي. أعضّه. ليتذكَّرني وقتما يمسك القلم أو يضع شهوة تخيُّلي معك حين يلامس مفاتيح الكيبورد، وأنت تكتب لي بشهوة بلاد ألف ليلة وليلة.

يتذكَّر كم كان يكون الشوق إليها شهياً، ويزداد عنفاً حين تلامس أجفانه أمواج شطِّ العرب، ويتأمل – بحب متبادل – النظرات من الشاعر البصري بدر شاكر السياب، ويتذكَّر بيتاً شعرياً له يذكِّره بحبيبته دائماً:

((لو جئت في البلد الغريب

إليَّ ما كمل اللقاء

الملتقى بك والعراق

على يدي هو اللقاء))

 اللقاء هناك، يا مارتا، وليس هنا. هنا بلدهم. بلد هذا الشاعر. بلد هذا النخل. بلد أمير. بلد القنَّاص المهدي الذي يريد أن يثقب خوذتي برصاصته، وليس بلدي.

تخيّل أن البصرة هي دبلن، وتخيَّل ما كان يحدث في هذه الشهوانية الجديدة على رؤى القرن العشرين في ظاهرة الجماع، إنه يمارسها مع مارتا حين تنتهي الحرب، ويعود إلى وطنه. سيشعر معها بإعادة قراءة الرواية ثانية، ويطبِّقان كل شيء في فصولها الغريبة، حتى يصلا إلى حافة الجنون من متعة ما يحصلان عليه، بعيداً عن أن يكون – الآن – خائفاً من شبقية رصاصة القناص عندما تسكن رأسه.

وتقول له: لا مكان للسرير بعد اليوم. واذهبْ غير مأسوف عليك؛ لترقد قرب قبر جدِّك.

مشاركة