رؤية في تأملات موت

الإحساس بإشتغال آخر

نبيل الشرع

الهوية اللفظية في ذهن الانسان هي صورة افقية لخيال فهمه يستنيط منها محاور التصوير العمودي لإسقاطات الحركة التعبيرية فما بين تناظر مع الواقع ومع شأنية الحدث ومابين وجدانية الاقتراب من السيمائية التي تعطي نتيجة براقة يتراوح نقش الحرف الذي اخرجه الشاعر (( رافد القريشي)) في نصه ((تأملات موت)) اذ نقرأ في هذا الوهج استشراب قوافي التعبير عن لحظات تؤطرها شهقات الطرق الموزعة على خط الانفاس

ان الحكاية عن موضوعة الوجود في معية التقلبات والامكنة والاحوال على اختلاف انماطها المتكررة بجلب استعارات غير مجهولة او صور مأخوذة تحتاج الى نفس يلطف المحاكات والمشادات مابين كر وفر فيتوفر لدى المتلقي شهية فعالة تجذبه نحو المعاني التي يريد الشاعر سكبها على الواح الكلمات

العتبة البدوية لدى الشاعر تتوقف عند رصيد حكائي غض يقول الاستاذ عباس باني المالكي : ((ان الاعتماد على الخيال التصوري في رسم الحدث النفسي داخل وخارج الشاعر ، هذا ما يحرك الابعاد الاخرى الخارجية التي تحدد محورية الحوار داخل الذات )) // عباس باني المالكي كتابه (( قراءات في مسارات الرؤيا )) ص 41 // يقول الشاعر :

وجهي شحوب بات يجهله السنا

بفمي التراب ولست أعرف من أنا

العناصر الماورائية تنهض بعدا خامسا في هذا المقطع لتحمل لنا وقوع في منهجية الادراك الذي يفهمه الشاعر فما بين الوجه // الشحوب // الجهل // السنا // يحصد النص معية القوة التعبيرية الى ان ينقل الشاعر الصورة الى الضفة الناضجة لينسخ خياله شعبة الحلول في قمة البيان فتظهرمفردات // الفم // التراب // المعرفة // الأنا // تقول للعالم كما هو مجهول متورم بالاستفهام ؟؟

يمشي بنا الشاعر مع جريان نصه فيقول :

أنا آخر الأتين عانقني الثرى

وأتى لأنفاسي طلوبا أوهنا

أمضي لحتفي والظلام يحيطني وأنين ضلعي إذ تكسر َ وانثنى

والعاتمات على محيا ناظري

بتن اللباسَ المستبد الالعنا

غادرتُ رحلي واكتفيتُ بوحدتي

نحو السكون مسيرتي كي ادفنا

وأتيتُ تثقلني خطاي لموطني

بضع من الأمتارِ ارهقها الضنى

متأبطا جسد الممات براحتي

متأزرا روحي صبورا مذعنا

التامل هوية مثيرة تبرز صفة البحث والتردد بين مجازات الحياة وحقائقها فالاتيان عند الشاعر هو الوصول الى حديقة الاجابة بكل الاحوال سينكشف له فحوى تقلبه وهو الحتف الذي لابد منه .

القبر عالم اخر يسكنه البشر بعد طي رحلة الدنيا يحمل معه ارهاصات تقلبه فيها فهو انثيالات محطاته التي عاشها لكن رؤية الشاعر في موجز ابياته تحكي عن سكينة من نوع اخر فربما يكون الجسد قبرا ايضا بسبب الوحدة بسبب الحزن بسبب التوجع من المجتمع او بسبب الاختلاف بالفكر او النشأة فيجبر الانسان على الصبر او يلبس جلباب الانحناء والبعد // يسترسل الشاعر في تحشيد الفاظه على صفحة النطق ليحملنا الى اعتناق الاحساس باشتعال من نوع اخر فيقول :

وحدي وصمتي والشغور يضمني

إذ ينتشي الكافور يثمله العنا

والسدرة العصماء يمثلُ ماؤها

بين المحاجر والمشاعر مسكنا

رحل العويل وكنت الهث جاهدا

أن التقي متحدثاً أو ألسنا

و مع الفراغ هزيم نبضي متعب

يتجرع الآهات في جب الفنى

لأظل أحلم بالصراخ وبالصدى

ويصير حلمي عند قبري مدمنا

يا روح مهلا هل مللتِ دماثتي

ورضيتِ علياءً تضمكِ موطنا

فارقتني حيث الدجى قد حاق بي وغدا خليلا مستديما مزمنا

ان اشكلة الاحساس في محور النصية أن تتمكن من طرح أشكالات حوارية مفتوحة، ناتجة عن مفارقات مرتبطة بالمفهوم المعالج. وبالتالي فإن البناء الإشكالي لا ينفصل عن معرفة البعد الخيالي ومستويات توظيفه، تداولا ولغة، وفي السياق الشعري غالبا ما يتم التعبير عن الحواريات بطريقة تعبيرية تكشف عن الكفاف المطروح، وتنبؤ عن المواقف المتاحة للعبير // فهاهنا تمكن الشاعر من سرد حواراته مع الكون بشاعرية براقة تنقل الذائقة الانصاتية الى كوامن عامرة بالوان اللذة

منطقة شكوى

تمكن الشاعر (( رافد القريشي)) ان يشرح الوجود من منطقة الشكوى والتموضع التام شرحا متفوقا بآفاق متوازنه ابتعد بنا عن الحشو المفرط والصور المتكررة بل منح الذهن لوحة اندماج مسيطر وهذا جوهر وظيفة النص الشعري يقول أدغار ألن : بان القصيدة اذا كانت بالغة القصر فلن يستطاع بها نقل التجربة الشعرية الى القارئ وإثارة فكره وشعورة )) وهذا ما توفق فيه الشاعر على اتم وجه فجاء النص ملحمة منيفة تستحق ان تقرأ بامعان …