يوسف في حوار مع (الزمان) : أسعى لأكون أحد النقاد العراقيين – حوارات – خالد مهدي الشمري
{ من هـــــو علي حــــسين يــــوسف؟
كاتب عراقي ، ولد 1969 في مدينة الديوانية ، واكمل تعليمه الاولي في مدارسها ، ثم انتقل الى كربلاء ، واكمل دراسته في جامعتها ، حصل على البكالوريوس من كلية التربية 1990 ، وحصل على الماجستير عام 2009في الادب الحديث بتقدير امتياز ، وحصل على الدكتوراه فلسفة لغة/ النقد المعاصر بتقدير امتياز ، من الجامعة نفسها .
عضو نقابة المعلمين ، وعضو رابطة التدريسيين الجامعيين ، وعضو اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ، وعضو نقابة الصحفيين العراقيين ، وعضو اتحاد الصحفيين ، ونائب رئيس مركز نينسون للدراسات والبحوث ، ورئيس قسم اللغة العربية في الكلية التربوية المفتوحة فرع كربلاء .له عدد من الدراسات والبحوث والمقالات ، وله سبعة كتب منها : الامام الحسين بن علي في الشعر العراقي الحديث ، واضاءات في الادب و اللغة ، واشكاليات الخطاب النقدي العربي المعاصر ، ودراسات في النقد واللغة ، وفي النقد الادبي الحديث ، واسئلة الفلسفة ، وحينما تتوهج الكلمة ، دراسات في الادب الكربلائي المعاصر وتقديرا لكل هذه الإنجازات أجرينا هذا الحوار معه .
{ ما هو النقد ؟ وماذا يمثل بالنسبة للدكتور علي حسين يوسف ؟
– النقد في اللغة : تمييز الدراهم وغيرها ، وتبيين جيدها من رديئها ، واستخراج صحيحها من زائفها ، قال الشاعر :
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة …. نفي الدنانير تنقاد الصياريف
واقرب من هذا الكلام ما ذكره ابن منظور في اللسان ، قائلا : نقد الرجل الشيء بنظره ينقده نقدا، ونقد إليه : اختلس النظر نحوه ، وما زال فلان ينقد بصره إلى الشيء إذا لم يزل ينظر إليه…
وفي حديث أبي الدرداء فقد اقترب مفهوم النقد ، مما نسميه الانتقاد ، فقد قال : إن نقدت الناس نقدوك، وإن تركتهم تركوك ، بمعنى نقدتهم أي عبتهم و اغتبتهم قابلوك بمثله… ونقدته الحية لدغته.
اما النقد بوصفه مصطلحا يدل على عدة جوانب فكرية فهو :
هو تتبع الأعمال الأدبية لغرض دراستها وتفسيرها وتحليلها وموازنتها فيما بينها ثم الحكم عليها لبيان قيمتها ودرجة جــــودتها .
{ لقد رافق هذا المفهوم الحركة الثقافية الانسانية منذ البدء ، ولا يمكن ان نقول انه رافق الادب فقط ، على الرغم من ان المتبادر من النقد في اغلب الاحوال هو النقد الادبي الذي زامن الادب منذ البداية ، وهناك جدل حول مسألة : هل النقد اسبق ام الادب ؟ .
لكن النقد بوصفه مفهوما عاما اعم من النقد الادبي ، اذ ان النقد الادبي ينحصر في الفكرة الادبية ، اما النقد في اصله فهو فكرة فلسفية ، وبالتالي فإن الفلسفة اعم من الادب.
والنقد في اصل وضعه : هو تقويم الاشياء ، او توصيفها ، والوقوف على الجيد منها ، وتمييزه من الزائف .واعتقد هذه الفكرة تنسجم مع المراد من النقد ، اذ انها تتجسد في اعمال اكثر الكتاب ، والنقاد الكبار ، فالنقد خلق ليكون عملا توصيفيا ، ومن ثم تقويميا للمنتج الفكري عامة ، او الادبي بشكل خاص .واتذكر مذ كنت صغيرا ، وبالتحديد في مرحلة الثالث متوسط ، كان مدرس مادة اللغة العربية المرحوم استاذ حسين دائما ما يشركني في قضايا التحليل الادبي للنصوص المنهجية آنذاك ، بعد ان وجد لدي القدرة على استخراج السؤال ، والشك في امور لا يفطن لها زملائي ، والتساؤل المستمر حول اصل الاشياء ، ونسبية حسنها وقبحها ، وكنت دائما اتعرض للغيرة والحسد من زملاء الدراسة لتفضيله اياي ، حتى لقبوني بالناقد ، وكنت حينها اشعر بالغضب من هذا اللقب ، ولم اكن اعرف وقتها انه تكريم لي ، وقد اكتشفت ذلك حينما طالعت احد الكتب في مكتبة المدرسة ، ووجدت فيه مدحا للنقد والنقاد.
وقد شغلتني فيما بعد اثناء قراءاتي مقولة لاحد الفلاسفة اثرت بي كثيرا ، وهزتني من الاعماق ، مفادها : (ان النقد يمثل موقفا فلسفيا ) ، وقد كنت افهم هذه العبارة : على ان النقد موقف ذاتي مصطبغ بالموضوعية ، ثم انه فلسفة ، واستكناه للوجود اولا ، وتمثلات هذا الوجود، التي من اهمها المسائل الفكرية ثم الادبية .
{ هل هناك فسحة للعواطف في تحليل نص ما او نقده . ؟؟
– يقول الجاحظ ، في البيان والتبيين معلقا على بيتين من الشعر : وأنا قد سمعت أبا عمرو، وقد بلغ من استجابته لهذين البيتين ونحن في المسجد يوم الجمعة، أن كلف رجلاً حتى أحضر دواة وقرطاسا حتى كتبها له. وأنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً، ولولا أن أدخل في بعض القيل لزعمت أنّ ابنه أشعر منه ، وهما قوله :
لا تحسبّن الموتَ موتَ البِلَى …. إنمَا الموتُ سُؤَالُ الرِجَالْ
كِلاهمَا موتٌ ولكنّ ذا ….أفظعُ مِنْ ذَا بذلّ السّؤالْ
هناك رأي يتهم النقد على انه لا يخلو من الذاتية ، ويرى اصحاب هذا الرأي ان الموضوعية امر شبه مستحيل في النقد ، فالإنسان في جميع مطلقاته يميل الى ان يكون ذاتيا ، صحيح ان هذه الذاتية تستند الى واقعية معينة تتلبس الذاتية بدرجة او اخرى ، وهذا الجاحظ وهو الناقد الحصيف لم يسلم من هيمنة النزعة الذاتية في حكمه على ما سمع ، ولم يعلل ، على الرغم من ان اغلب النقاد قد عد هذين البيتين من اجمل ما قالته العرب في هذا الباب .
ولو سحبنا هذا الامر على النقد الادبي ، لقلنا ان النقد عملية ذاتية في اصله ولا يمكن ان يصل الى الموضوعية المطلقة . واعتقد هنا ان هذه القضية نسبية تتعلق بالمنهج النقدي المتبع ، ومدى صرامة ادواته الاجرائية ، ومن ثم تتعلق بمزاجية الناقد ، وشخصيته ، وثقافته ، فلدينا عدة مناهج تختلف في هذا المجال فيما بينها ، اي تتباين في مدى السماح لتسرب الذاتية الى اشتغالها ، فمثلا المنهج الانطباعي ، يسمح للذاتية بالدخول الى عملية النقد اكثر من غيره ، وربما يمكن القول ان المنهج النفسي لا يقل تساهلا في ذلك ، وهكذا .
وكما مر فأن قضية العواطف والمواقف الذاتية تتعلق بنوعية المنهج ، وموقف الناقد ، فاذا كان الناقد يغلب انطباعاته حول النص فأن عمله سوف يكون ذاتيا انطباعيا ، لكن هناك من يسلط انطباعاته الشخصية في المناهج التي يفترض ان تكون علمية ، ولا تسمح للعواطف بالتغلغل الى اجراءاتها مثل المنهج البنيوي ، فكما هو معروف ان المنهج البنيوي بعيد جدا عن الانطباعات الذاتية ، فاذا ما اختلط هذا المنهج في امور انطباعية ذاتية وانفعالات شخصية فقد خرج من طبيعته الاصلية ، وتلبس لبوسا مشوها آخر ، والامر ذاته ينطبق على المناهج الحداثية ، واللسانيات ، والاسلوبية ،والتفكيك والنقد الثقافي .
وقد يوصم به النقد بصورة عامة ، وبكل مناهجه بالمجاملات النقدية ، والمحسوبية الثقافية ، وقد يكون دفاع الناقد عن نص ما ، كتاب معين ، او ظاهرة ادبية بعينها ، تبرره مواقف آيديولوجية ربما تخفى على الناقد نفسه ، او مواقف شخصية ، وهناك اشياء كثيرة اخرى قد تكون من بينها الحاجة المادية ، او الخوف من السلطة ، او الاعجاب ، وغيرها . ومهما يكن من امر لا بد ان يقف الناقد على الحياد بين النص والميول الشخصية ، وبين النص والحقيقية التي ارادها الاديب ، وهذا هو المطلب الافتراضي للنقد ، ولو ان تحقيقه يتفاوت بدرجات بين ناقد وآخر ، وبين عصر وآخر ، ومجتمع واخر ، وثقافة واخرى .
وقد قيل قديما (ان علماء الشعر ــ يقصدون النقاد ــ اعز من الكبريت الاحمر ) وتعني هذه المقولة بأن على الناقد ان يكون فطنا نبيها موضوعيا قدر الامكان اما اذا تجاذبته الاهواء والمواقف والميول الشخصية فهذا طبعا يقع في فخ المحسوبية وفي فخ النقد اللا موضوعي .انا لا انكر ان في النقد العراقي والعالمي بصورة عامة هناك شيء من المجاملات التي تلوث مسيرة هذا ، النقد وهذه تعد مثلبة من مثالب النقد ، ويفترض على الناقد ان يكون حياديا قدر الامكان ، لأنه الشخص المختص بتقديم النظريات والمناهج والمذاهب الادبية والنقدية للناس ، ثم انه محلل للنصوص وشارح ومقد م لها للجمهور غير المختص ، فمسؤوليته كبيرة ، وخطيرة .
{ في احدى الامسيات التي كنت محاضرا فيها ، واثناء تصنيفك لأدباء كربلاء ، ومثقفيها في كتابك الاخير ( حينما تتوهج الكلمة) الذي ذكرت فيه اسماء العديد من الادباء والنقاد والكتاب قلت حرفيا مخاطبا اياهم : (( قد اكون نسيت احد الاسماء سهوا ، او ربما لم يرد اسم ناقد او كاتب او اديب …)) فهل هناك مجال للسهو والنسيان في النقد ؟؟
– اعتقد ان السهو قضية انسانية عامة ، وربما لا نجد هناك انسانا لا يسهو ، فضلا عن الناقد ، لكن قد يعذر للناقد سهوه ونسيانه في المحاضرات الشفهية عندما يسهو عن ذكر بعض الاسماء او الاشارة الى المؤلفات او نصوص ، اما عندما يؤلف الناقد ، او يكتب نصا نقديا معينا فهو غير معذور ، اذ ان العمل النقدي المكتوب لا يخرج الى الوجود ولا يطبع ما لم تكن هناك عملية مراجعة وتدقيق وفحص اكثر من مرة ، وما ذكرته عن السهو في الامسية كنت اتكلم على السليقة ، اتكلم شفهيا ، وهذه مسائل واردة ، وقد اعتذرت في حينها ، وتداركت الموقف .
{ بمن تأثر علي حسين يوسف من النقاد ؟؟
– اعتقد ان تأثري بالفلسفة والفلاسفة كان طاغيا على اهتماماتي في بداية قراءاتي ، فقد كنت مشغولا بحب السؤال الفلسفي ، مسكونا به ، وقد كنت حينها ، وما زلت الى حد ما اشعر بمتعة عجيبة اثناء قراءة النص الفلسفي ، لذلك كان تأثري فيما بعد الى الادباء الفلاسفة ، او الفلاسفة الادباء : بدءا من المعري والمتنبي والجاحظ ، مرورا بالمتصوفة والمعتزلة ، وانتهاء بالوجودية ، والادباء ممن يميلون للتفلسف شعراء ، او روائيين ، وكتاب سيرة ، فضلا عما تقدم فقد تأثرت كثيرا بكتابات رواد النهضة الادبية العربية : المنفلوطي ، واحمد الهاشمي ، والرافعي ، والعقاد ، وطه حسين ، وشعراء المهجر ، وبمؤرخي الادب ، واعلامه : جورجي زيدان والزيات ، وشوقي ضيف ، وفضلا عن تأثري بهؤلاء الادباء والشعراء ، الا ان اكثر شخص اثر بي حقيقة هو المرحوم (زكي نجيب محمود ) اعجبت بفكره ، واسلوبه ، وفلسفته ، ثم تأثرت كثيرا بالكاتب والمفكر المصري سلامة موسى هذا الشخص اقتنيت له ثلاثين كتابا من مجموع مؤلفاته الاربعين كتابا .
ثم من العراقيين مصطفى جواد ، وابراهيم السامرائي ، وعبد الستار الجواري ، ومهدي المخزومي رحمهم الله جميعا . هؤلاء أساتذة اجلاء لابد للمرء في بداية طريقة ان ينهل من علومهم .
لكن ، لا بد من العودة في القول ان من اثر بي اكثر هم الفلاسفة ، فبدايتي فلسفية اكثر منها ادبية ، فقد كنت اميل الى فلسفة الاشياء ، واثارة الشك حولها ، اكثر من ميلي الى التسليم بها كما هي ، واعتقد ان الفلسفة قرينة النقد ، اذ انها تصب في المصب ذاته الذي يصب فيه النقد ، والنقد من جهة اخرى يعد فلسفة الادب .
{ اين يجد علي حســــــين يوسف نفسه بين اقرانه من النقاد والادباء ، حاليا ، وفي هــــذه المرحلة ؟؟
– ان كان المقصود بالأقران من العراقيين ، ففي الحقيقية : لا ينكر ان هناك حركة نقدية عراقية ناهضة اسعى ان اكون واحد من نقادها .
هناك نقاد عراقيون مدعاة للاعتزاز ، فقد اوصلوا كتاباتهم وافكارهم وثقافتهم النقدية الى مختلف دول العالم العربي ، منهم : فاضل ثامر ، وطراد الكبيسي ، عبد الله ابراهيم ، وحسن ناظم ، و سعيد الغانمي ، واخرون ، هذه اسماء مرموقة ، وجادة ، اتمنى ان اجد نفسي بينها
وهناك اساتذة اجلاء في الجامعات ، والمحافل الاكاديمية يفترض ان نقدم لهم كل الاحترام .
فالنقدية العراقية تبشر بالخير من خلال النتاجات التي تطبع ، ومن خلال اصداء النقدية العراقية التي وصلت الى مختلف الاقطار العربية ، حتى ان بعض النقاد المغاربة المعروفين يعتمدون على المصادر النقدية العراقية ، وهذا مدعاة فخر واعتزاز لنا كعراقيين .
{ هل هناك اهداف للدكتور علي حسين يوسف لم تتحقق بعد ؟؟
– من المؤكد الانسان يطمح نحو المزيد ، فبعد ان حصلت على الشهادة العليا : الماجستير والدكتوراه ، واصدرت اكثر من كتاب ، اود ان ابين وجهة نظري الخاصة بالنقد المعاصر ، في كتاب مستقل ، انا الان بصدد انجاز فصول منه ، اطرح رؤاي النقدية ، التي تنطلق من مصدرين ، الاول : المدونة التراثية العربية العملاقة والتي ورثناها من نقاد كبار مثل وعبد سلام الجمحي والجاحظ و ابن قتيبة والقرطاجني ، وابن طباطبا ، والجرجاني ، وابن خلدون ، وغيرهم ، اما المصدر الاخر ، فهو الوافد الجديد ، ففي الوقت نفسه الذي نستثمر به مقولات التراث يفترض ان لا نبخس حق الجديد … نأمل ان يكون النقد العربي تمثلا حيا لتفاعل هذه المصدرين ، فلا بد للنقاد ان يلتفتون لهذه المصدرين ، بودي ان نسعى جاهدين لتأسيس منهج نقدي عراقي خالص يعتمد علي هذين الرافدين بشكل واع .
{ هل لديك اضافة اخرى ، او ما تحب ان تقول في ختام هذا اللـــقاء ؟؟
– اتمنى على الناقد العراقي ان يبتعد عن الشوفنية النقدية ، والنزوات الاجتهادية القاسية ، فلنكن عراقيي الروح والـــــــفكر ، ونبتعد عن القسوة ، والتجنــــي على بعضنا ، وان نتعامل مع النصوص التي تنتج من قبل زملاء لنا بوصفها نتاجات سوف يفــــــرز الزمن غثها من سمينها ، بمرور الايام ، ولا بد ان نكون موضـــــوعيين نبتعد عن المجاملات ، وان نكون في الوقت نفسه مدققين ، وان لا نتسرع بالاحكام ، ولا نبخس الناس اشياءهم … نطمح ان يتبنى الناقد العراقي هذه الامور ، ان كنا نطمح لتأسيس منهجية عراقية خالصة ، فلا نقد دون تبــــصر وتعقل .
























