
باريس- الزمان
باشر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأربعاء زيارة رسمية طويلة إلى فرنسا، يلتقي خلالها الرئيس إيمانويل ماكرون الذي يحاول إقناع الدول الناشئة والنامية بإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا ودعم «ميثاق مالي عالمي جديد».
ويستقبل الرئيس الفرنسي الجمعة الحاكم الفعلي للمملكة النفطية الثرية على غداء عمل في قصر الإليزيه، حسب ما أعلن المكتب الإعلامي للرئاسة.
وقال الديوان الملكي السعودي في بيان نُشر فجر الأربعاء، إن الأمير سيترأس وفد المملكة المُشارك في قمة «من أجل ميثاق مالي عالمي جديد» التي ينظّمها ماكرون في باريس في 22 و23 حزيران/يونيو.
وبالإضافة إلى العلاقات الثنائية، سيتناول ماكرون ومحمد بن سلمان، الذي يملك دارة فخمة تُسمّى قصر لويس الرابع عشر قرب فيرساي في المنطقة الباريسية، «خصوصًا الحرب في أوكرانيا وتداعياتها على سائر دول العالم»، وفق الرئاسة الفرنسية.
في تموز/يوليو الماضي، قام ولي العهد بزيارة إلى باريس التقى خلالها ماكرون، في سياق ارتفاع أسعار الطاقة على خلفية الحرب في أوكرانيا. وشدد الرجلان خلال لقائهما آنذاك على «ضرورة إيجاد تسوية للنزاع (في أوكرانيا) وتكثيف التعاون لتخفيف آثاره في أوروبا والشرق الأوسط والعالم».
ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير 2022 وما تسبب به من ارتفاع في أسعار الطاقة، يسعى الغرب لإقناع السعودية، المصدِّر الأول للنفط في العالم، بزيادة إنتاجها لتخفيف الضغط عن الأسواق.
وأثارت الزيارة انتقادات كثيرة في فرنسا من جانب منظمات حقوقية ومعارضين يساريين اتهموا ماكرون بالتضحية بحقوق الإنسان لصالح «البراغماتية» إزاء ارتفاع أسعار الطاقة.
كانت تلك أول زيارة له إلى أوروبا منذ اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول في تشرين الأول/أكتوبر 2018.
وكان تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية خلُص إلى أنّ ولي العهد «أجاز» عملية قتل خاشقجي، لكنّ الرياض تنفي ذلك، وتشير إلى ضلوع عناصر مارقين في الجريمة المروّعة.
ورغم الإصلاحات التي نفّذها في بلاده، يتعرّض ولي العهد لانتقادات بسبب حملة قمع للنشطاء والمعارضين حتى من قلب العائلة الحاكمة.
وأساءت جريمة قتل خاشقجي إلى صورته كإصلاحي على الساحة الدولية. ويؤكد ماكرون أنه يريد إقناع الدول غير المنحازة في الملف الأوكراني، بالضغط على موسكو لإنهاء غزوها لأوكرانيا. في أيار/مايو، وضع ماكرون طائرة فرنسية بخدمة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينكسي أقلّته إلى مدينة جدّة السعودية لحضور القمة العربية، ثمّ إلى اليابان للمشاركة في قمة مجموعة السبع التي حضرتها أيضًا البرازيل والهند اللتان تنتميان إلى مجموعة الدول الناشئة.
ورأى الرئيس الفرنسي أن زيارة زيلينسكي لجدّة سمحت «بالحصول على دعم واضح جدًا من السعودية وقوى كبرى أخرى في المنطقة».
وأوضح قصر الإليزيه أن ماكرون وبن سلمان سيتطرقان إلى «تحديات الاستقرار الإقليمي»، أبرزها على الأرجح الأزمة في لبنان حيث تحتفظ السعودية بنفوذ كبير في وقت عيّن الرئيس الفرنسي وزير الخارجية السابق جان-إيف لودريان «مبعوثًا خاصًا إلى لبنان» لمحاولة المساعدة في التوصل إلى مخرج من المأزق السياسي. ورأى دينيس بوشار المستشار لشؤون الشرق الأوسط في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri)، أن «ملفّ لبنان العزيز جدًا على رئيسنا» سيكون بالطبع على جدول الأعمال. فشل البرلمان اللبناني الأربعاء للمرة الثانية عشر في انتخاب رئيس للجمهورية وسط انقسام سياسي يزداد حدّة بين حزب الله وخصومه وينذر بإطالة الشغور الرئاسي، على وقع انهيار اقتصادي صنّفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ العام 1850. وأوضح بوشار لوكالة فرانس برس أن جلسة انتخاب الرئيس غير المجدية الأربعاء ستتيح «للرئيس ومحمد بن سلمان تقييم (الوضع) والبحث في كيفية المضي قدمًا في هذا الملفّ». وأشار الخبير إلى أن الرياض قد «تلعب دورًا للتخفيف من حدّة موقف حزب الله وذلك من خلال إيران، للتوصل إلى حلّ وسطي» بشأن الرئاسة في لبنان. وأضاف «المسألة هي معرفة ما إذا كانت مصالحة السعودية وإيران يمكن أن تساهم في تهدئة الساحة السياسية في لبنان».
في آذار/مارس الماضي، قرّرت السعودية وإيران استئناف علاقاتهما الدبلوماسية في اتفاق مفاجئ أُبرم برعاية الصين، ما أثار الآمال بحلحلة ملفات إقليمية عديدة.
ويتوقّع بوشار أن يتّم التطرّق أيضًا إلى النزاع في اليمن والملف الإيراني.
وقال «هل يساهم الإيرانيون في تهدئة الوضع في اليمن؟ في الملف النووي، هل يشعر السعوديون بالقلق إزاء التصعيد؟ هل لديهم انطباع بأن الإيرانيين سيتجاوزون سقف» تخصيب اليورانيوم، مشيرًا إلى أن كل هذه الملفات قد تطرحها الرئاسة الفرنسية ووزيرة الخارجية كاترين كولونا على طاولة النقاش مع ولي العهد.
وسيناقش الرئيس الفرنسي مع ضيفه أيضًا التحضيرات لقمة باريس الأسبوع المقبل التي تهدف إلى «جمع التمويل الخاص والعام وتركيزه حيث تشتد حاجة العالم والناس له لمحاربة الفقر وقيادة التحول المناخي الضروري وحماية التنوع البيولوجي»، حسب ما أوضح الجانب الفرنسي.
كما سيشارك الأمير الاثنين المقبل في حفل استقبال رسمي تنظمه المملكة بمناسبة ترشح الرياض رسميًا لاستضافة إكسبو 2030، وفق البيان السعودي.























