
وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ – محسن حسن الموسوي
الكتاب : مراصد ومشاهد
تأليف : سماحة العلامة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر ، حفظه الله.
الناشر : دار المحجة البيضاء / بيروت
عدد الصفحات : 167 صفحة
كتابات سماحة سيدنا العلاّمة الحجة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر ، حفظه الله ، في موسوعته الباذخة( موسوعة العراق الجديد ) ، هذه الكتابات هي دروس موجزة ومعمّقة في الثقافة العامة ؛ في الأخلاق ، والوطنية ، والأدب، التأريخ ، واللغة، والنوادر ، وإذا شئت أن تسمّيها مجمع للثقافة الإسلامية المعاصر التي يحتاجها القارئ خلال مسيرته الحياتية اليومية في أي مجال من مجالات الحياة التي يعمل فيها
دروس متنوعة
وفي هذا الجزء من الموسوعة ، وهو الجزء التاسع والثمانون، يُتحفنا سماحة العلاّمة الصدر ، بسبع وثلاثين درساً متنوعاً في شؤون وشجون الحياة ، بأسلوبه المتفرد الفذّ ، الذي التزم به منذ الجزء الأول وحتى هذا الجزء الذي بين يدينا .
والشيء الذي يُدهش القارئ ، أنه لا يجد تكراراً للموضوعات التي يطرقها سماحته ، وإذا كان هناك إعادة في معلومة ، فتأتي بأسلوب آخر مبتكر ، ودليل على أهمية المعلومة حين تُعاد .
يتحدث سماحته عن كتاباته هذه في مطلع هذا الجزء :
(( كاتب السطور يأمل أن يكون واحداً من الناهضين بأعباء التنوير والإصلاح للواقع الفاسد من خلال تسليط الأضواء على الثغرات للخلاص منها )) .
ونحن نتجول في صفحات هذا الجزء ، نختار لكم عرض بعض الموضوعات التي ضمّها هذا الجزء .
ولا شكّ ، كما قلنا سابقاً ، أن سماحة العلامة السيد الصدر حفظه الله ، كان شديد الحرص على أن لايخلو أي جزء من أجزاء الموسوعة من ذكر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار سلام الله عليهم .
وهنا يروي لنا حوارية جميلة دارت بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين فتى ، إنتهت بنتيجة مهمة ، وهي نتيجة في صميم التوحيد
(( سلّم أحدُ الفتيان على الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ).وكان لايبلغ الحلم ، وكان في غاية النشوة والابتهاج ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
أتُحبني يا فتى ؟
قال : إي واللهِ يا رسولَ الله.
فقال له : مثل عينيكَ ؟
قال : أكثر.
فقال له: مِثل أبيكَ ؟
قال : أكثر.
فقال : مثل أمّكَ ؟
قال : أكثر.
فقال : مثل نَفْسِكَ ؟
قال : أكثر واللهِ يا رسول الله.
فقال : مثل ربّك.؟
قال : الله الله الله يا رسول الله ، ليس هذا لكَ ، ولا لأحد ، فإنما أحبَبْتُكَ لحُبّ الله .
فالتفتَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مَن كان معه وقال : هكذا كونوا ، أحبوا اللهَ لاحسانِه إليكم وانعامه عليكم ، واحبوني لحبي لله ، ولحب الله لي )) .
وفي رواية أخرى يعلّمنا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الابتعاد عن الكذب بكل صوره ، صغيره وكبيره ، في اجّ والمزاح ، حتى رويَ عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله : ( إني لَأمزحُ ولا أقولُ إلاّ حقّاً ) ، ويروي سيدنا الصدر، حفظه الله ، هذه الرواية التربوية في التحذير من الكذب :
(( جاء في التأريخ : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمعَ إحدى الأمهات تنادي طِفْلَها وتقول : تعالَ أُعْطِكَ ، فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يدها فوجد فيها تمرةً ، فقال : لو لم تكن هذه التمرة لَكُتِبَتْ عليكِ كذبة )).
وفي مقال آخر ، يروي سيدنا الصدر ، حفظه الله ، توجيهاً مهماً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فيه من التكامل الروحي والأخلاقي ما فيه ، وفيه من الأدب والقناعة ما فيه ، وفيه من الاستقرار النفسي لمن تعاهده ما فيه :
(( روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : خصلتان مَن كانتا فيه كتبه اللهُ شاكراً صابراً : مَن نَظَرَ في دينه إلى مَن هو فوقه فاقتدى به ، ونظر في دنياه إلى مَن هو دونه فحمد الله على مافضّله به عليه )) .
وهذا الإنسان، الذي خلقه الله فسواه في أحسن تقويم ، وركّب فيه النوازع الدنيوية ، والشهوات المتنوعة ، وأعطاه وكرّمه ، وأنزل إليه الأنبياء والمرسلين والمصلحين لكبح جهله وغروره ، وفي هذا يقول سيدنا الصدر ، حفظه الله ، :
(( هناك مَن يركبه الغرور حين يرى قوة بدنه ، وقدرته على المغامرة فيصول ويتبختر ولسان حاله يقول : مَن مثْلي ؟
وأنا القادر على أنْ أطوي الحديد وأفعل ما أريد..!! ))
شخصية فذة
ولكن سيدنا العلاّمة الصدر ، يَجْبههُ بالحديث النبوي ، لكي يَقِفَه عند حدّه ، ويكبح غرورَه ، ويعرف قَدْره :(( جاء في الحديث المروي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لولا ثلاثة في إبن آدم ما طأْطأَ رأسَه شيءٌ : المرض والموت والفقر ، وكلهنَّ فيه وأنه معهنّ لَوَثّاب )) .
ولسيدنا الحجة الصدر ، حضور دائم في ذكرى ولادة أو وفاة أحد الأئمة المعصومين ، عليهم السلام ، وهذا ما نقرأه حينما مرّت ذكرى استشهاد الإمام محمد الباقر عليه السلام ، ففي مقالته بعنوان ( في ذكرى استشهاد الإمام الباقر عليه السلام ) يتحدث سيدنا الحجة الصدر، حفظه الله، عنه حديث المفجوع ، وحديث الموالي، وحديث العارف حقهم ومنزلتهم :
(( الإمام الباقر عليه السلام قمة رسالية شامخة ، وذاتٌ صاغها الله منزهةً عن كل الخطايا والاخطاء ، وقد انطونت شخصيتُه الفذّة على أبعاد فريدة من العلم والأخلاق والسجايا الكريمة والمواقف الخالدة فكان بحقّ المثال الناصع للزعامة الرشيدة والقيادة الحميدة والإمامة الناهضة بالذبّ عن الدين وإنقاذ الأمّة من كل ألوان الزيغ والانحراف )) .ويروي سيدنا الصدر ، حفظه الله، أحد أحاديث الإمام الباقر عليه السلام (( روي عنه أنه قال : ثلاثٌ لم يجعل الله عز وجل لأحدٍ فيهن رخصةً : أداء الأمانة إلى البَرّ والفاجر ، والوفاء بالعهد للبَرّ والفاجر ، وبِرُّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين )) .
ويُعقّب سيدنا الصدر ، حفظه الله ، فيتساءل:
(( هل أدّى السلطويون الأمانةَ لمواطنيهم واستفرغوا وسعهم لخدمتهم ، أم استغلوا مناصبهم للمكاسب والامتيازات الشخصية ؟ )) .
ويكتب سيدنا الحجة الصدر ، حفظه الله ، قصيدةً في رثاء الإمام الباقر عليه السلام ، نقتطف منها هذه الأبيات :
فُجِعَ الناسُ بالإمامِ الباقرْ
فَبَكَتْهُ القلوبُ قبلَ النواظرْ
ولقد غَصّتِ الشريعةُ بالرُزْءِ
وناحتْ عليهِ شُمُّ المآثرْ
وإليهِ تُنمى المكارمُ طُرّاً
فهو قُطْبُ الرحى ورَبُّ المفاخرْ
إنّهُ خامسُ الهداةِ الميامين
وأكرم، بكابرِ مِن كابرْ
وفي مقال آخر يتحدث سيدنا الحجة الصدر ، حفظه الله ، عن أهمية المشاركة في الإنتخابات ، ويقارن بين مشاركة الشعب التركي بالانتخابات، والذي وصل إلى 90 بالمئة ، وبين النسبة المتدنية للمشاركة في العراق :
(( إن المشاركة الشعبية الواعية مطلوبةٌ ، وبشكل أكيد ، بُغية إيصال العناصر الوطنية الصالحة إلى مواقع صنع القرار الصالح ، بعيداً عن حسابات الربح الشخصي أو الفئوي لمن تسنم المسؤولية في تلك المجالس وبعيداً عن الحسابات الطائفية والقومية والعشائرية )) .وفي كلمة أخرى، يتحدث سيدنا الحجة الصدر ، حفظه الله ، عن عشاق الأمجاد ، ولا شكّ أن المجد الحقيقي لم يكن في يومٍ من الأيام هو كثرة الأموال :
(( شتان بين مَن يكون ثراؤه بالمال وبين من يكون ثراؤه بالعلم والمكارم ومشاريع البِر والإحسان والمعروف والنفع الإنساني )) .ويضرب سيدنا الحجة الصدر ، حفظه الله ، مثلاً لذلك ، وهو السيد الشهيد محمد باقر الصدر ، قدس سره ، فيقول:(( أنه رفض أنْ يشتري له بعض محبيه داراً لسكنه ، واقترح على ذلك المحب أن يجعل العقار مدرسة لطلاب الحوزة العلمية ، ولم يملك من الأموال ما يمكن أنْ يُعدّ ثروة على الإطلاق. ولكنه تربع على قمم العلم والخُلق الكريم والجهاد وحَمْل هموم الرسالة والعمل الحثيث لإنقاذ الأمة من براثن الظلم والطغيان ، ووظف آخر قطرة من دمه الزكي في هذا المضمار ، وبهذا ملكَ القلوب بلا استئذان ، كما ملكَ العقول بوصفه العملاق الأكبر في علوم الدين، والمجدد المبدع في شتى العلوم الأخرى… )) .وقبل أن نضع القلم ، نقف على درس من هذه الدروس العابقة بالوعي ، والمليئة بالعِبَر ، فيكتب سيدنا الحجة الصدر ، حفظه الله ، عن المنطق السديد للعلماء :(( لم يصل العالِمُ إلى درجة عالية من العلم ما لم يكن ذكياً فَطِناً ، والذكاء منحةٌ ربانية مهمة تؤهل الأذكياء للنجاحات الفائقة )) .ويروي عن أحد الخبثاء حين سأل أحد العلماء ، ويُشمُّ من سؤاله الاستهزاء ، فجاءه الجواب مُسْكتاً واعياً صريحاً :(( سأل أحدُ الخبثاء عالِماً دينياً وتحدّاه قائلاً : ما هي إنجازاتكم؟ وما هي أعمالكم ؟ ، فأجابه العالِمُ بلا إبطاء :لو لم يكن لنا مِن عمل إلاّ تحليل أمّكَ لأبيكَ لكفانا ذلك!)) .
ونضع القلم الآن ، ليكون القارئ هو الذي يكتشف ما في هذا الجزء من موسوعة العراق الجديد ، من دُرر وغرر ، ونفائس معلومات قد لايجدها بسهولة.
حفظ الله سيدنا الحجة الصدر ، وبارك الله فيه وله وعليه.
من تلميذه المخلص : محسن حسن الموسوي























