واقع حال البطاقة الذكية
جلس على الحصيرة المفروشة في صحن الدار واتكأ على الحائط وهو يدخن سيكارته وهو بانتظار ان تقدم له ابنته الفطور.. بينما الاطفال جلسوا على الطرف الاخر من تلك الحصيرة التي لازمتهم منذ سنوات طويلة حتى تآكلت اطرافها..
وجاءت البنت بالصينية وفيها اقداح الشاي وعدد من ارغفة الخبز.. اضافة الى مقلاة فيها شيء من الطماطم.. وما ان وصلت الصينية الارض حتى تجمهر الاولاد حولها يتدافعون لياخذ كل منهم مكانه.. بينما البنت ناولت والدها قدح الشاي وناولته رغيفا من الخبز.. ووضعت له شيئاً من الطماطم في صحن شاي وناولته له.. اما الاخرون فامتدت ايديهم الى ارغفة الخبز والى المقلاة.. وما هي الا لقيمات قليلة حتى اصبحت فارغة تماما ولا تحتاج حتى الى الغسل فلقد تم غسلها ومسحها بارغفة الخبز.. ثم عاد الاولاد يضعون خبزهم في الشاي وياكلون.. وكان الاب ينظر لهم واحداً واحداً.. بينما البنت الكبيرة كانت ترعاهم جميعاً واكتفت هي بلقمة من الخبز والشاي، واشعل الاب سيكارته وطلب من ابنته ان تناوله شايا اخر.. ورفعت الصينية من الارض وغادر الاولاد صحن الدار ليلعبوا خارجا.. وسالت البنت اباها ان كان سيذهب لاستلام الراتب فاجابها بالايجاب.. وبدأ وكأنه شارد الذهن.. وحائراً بامره.. وعادت البنت لتسأله ثانية بما يشغله ويقلقه.. فاجابها: انه جائر.. فان ما يستلمه من راتب الرعاية لا يكفي لسد احتياجاتهم مع دفع بدل الايجار والاولاد بحاجة الى ما يستر عورتهم فان ملابسهم اصبحت بالية تماماً.. اضافة الى علاج الام المريضة.. فعادت البنت تذكر والدها بما يدينون به للبقال من انه ارسل مرتين يطالبهم بتسديد ما عليهم من ديون.. فهز الاب راسه بالايجاب.. ونهض وهو قد تخطى العقد السادس من العمر واثار التعب والزمن قد تاركا اثرها في ذلك الجسد النحيل.. فاثقل كاهله.. واوصى ابنته ان تعتني بوالدتها ريثما يعود.. استلم الاب راتب الرعاية البالغ (360) الف دينار ووضع المبلغ في جيبه وسار بخطى متثاقلة كالسلحفاة.. وكان يقف بين الحين والاخر للاستراحة.. ثم يعاود المسير.. حتى وصل المقهى التي تعود ان يجلس بها صباحا ليرى صحبه ويتحادث معهم.. ويطالع الصحف.. فان صاحب المكتبة المجاورة للمقهى صديقه ويعرف شغفه بالمطالعة فيرسل له بعض الصحف لمطالعتها واعادتها له دون مقابل.. وهذه المرة لم يجد احدا من اصحابه فجلس وتناول شايه وكعادته طالع الصحف.. ولم يترك شيئاً من صفحاتها فتركها جانبا بعد ان فرغ منها.. واخذ يفكر بكيفية توزيع الراتب.. وقلب بافكاره الامر بكل الاتجهات وادرك انه لا يمكن ان يسد احتياجاته. واخيراً قرر ان يدفع الايجاز ونصف من حساب البقال حتى يتمكن من شراء الدواء لزوجته وبعض احتياجات الاولاد البسيطة من الملابس.. وسيحاول الاقتصاد بالصرف حتى يتمكن من شراء شيء من الطعام للغداء.. ونهض وهو يقول: لا حول ولا قوة الا بالله..
عاد الى البيت وتلقاه الاولاد فرحين وتناولوا من يده ما حمل لهم.. ووجد زوجته جالسة في صحن الدار فجلس الى جوارها مستفسراً عن حالها.. وحمدت الله على كل حال ثم ناولها الدواء الذي اشتراه لها.. كما راح الاولاد يفتشون في الاكياس وينظرون ما اشتراه الوالد لهم اما البنت فسارعت لتناوله شربة ماء.. وتحمل بيدها ما اشتراه للغداء.. فقال الاب لابنته ان تعمل تشريبا حتى تاكل امها منه.. وسالته زوجته عن حاله فاجابها: الشكر لله ثم اردف يحادث زوجته بان الراتب لم يسد حاجتهم ولازال البقال يطلبهم اضافة الى احتياجاتهم للكثير من المواد الغذائية.. ثم عادت الام لتقول: لو كان هذا الراتب شهرياً لساعدنا كثيراً.. ولكن كل ثلاثة اشهر.. فالله يكون في العون.. واجابها الاب بدوره : لو كان الامر كذلك لما احتاجوا لاحد ولا تراكمت عليهم الديون.؟. ولما كان حالهم مثل هذا الحال.. ووقفت البنت وكانت قد سمعت حديثهما وقالت لهم وبابتسامة عريضة: رحمة الله واسعة قد يكون كذلك يوماً.. فاجابها الاب وهو يرمقها بنظرة فيها الكثير من الشك لما تقوله: الله يسمع منك..
محمد عباس اللامي
AZPPPL
























