هل ضرب الجيش العراقي المناطق الكردية ؟ – ثامر مراد

هل ضرب الجيش العراقي المناطق الكردية ؟ –  ثامر مراد

 

هنا يجب الحديث بصورة مهنية بعيدا عن الخوف من السلطات التي كانت تحكم البلد في ذلك الزمن..أي عام 1988..في ذلك الوقت أي وقت الزيارة الى تلك المناطق الجبلية عرفت سراً لم أبح به لأي مخلوق حتى هذه اللحظة..أي بعد تسعة وعشرين عاما. عند انتهاء الزيارة عدنا الى فندق من الدرجة ألأولى وشاءت الصادفة أن اجلس في صالة ألأستقبال مع أحد الطيارين الذين جاءوا معنا.

بعد حديث طويل شيق معه سألته سؤالاً محددا وعاهدته على أن يكون ألأمر سراً بيننا..وكان السؤال هو ” هل ضرب الجيش العراقي المناطق الكردية بالمواد الكيميائية أم لا ؟ “. صمت الطيار ونظر يميناً وشمالاً وكأنه كان يريد التأكد من عدم وجود أي إنسان يستمع الينا . إبتسم بارتباك وقال:

إسمع..هل دققت النظر الى الطائرة التي جئت بها مع الفريق الصحفي..أقصد هل لازالت صورتها في ذهنك ؟ أقسم لك بأنني شخصياً حملتُ بها كميات كبيرة من المواد الكيميائية وألقيتها على المناطق الشمالية لدرجة أن أرضية الطائرة أصبحت لزجة وكأنني كنت أحمل فيها ماء وليس مواد كيميائية.

هذه هي الحقيقة ولكن السلطات العراقية تحاول طمس الحقيقة كي لا تدان من قبل العالم .

كنا نستعمل المواد الكيماوية عندما نجد أن ألأمر صعب جداً ولايمكن السيطرة عليه بواسطة ألأسلحة ألتقليدية..إنها ألأوامر.

ومن لايطيع ألأوامر يتم إعدامه فوراً. هذه هي الحقيقة ولكن إياك أن تقول هذا لأي مخلوق…وإن فعلت ذلك فأنك سوف تصدر حكم ألإعدام بي فوراً..وربما ستعدم أنت ألأخر . “

 إرتبكتُ لتصريحه الخطير. أصبحتُ أعاني إزدواجية في عملي. من جانب أعرف حقيقة ماجرى..ومن الجانب ألأخر أحاول إثبات براءة الجيش العراقي من تلك التهمه عن طريق ترجمة ماكان يقوله الضباط المكلفون بمرافقتنا.

 عدتُ الى الواقع المرير حينما توقفت السيارة عند إحدى مناطق التفتيش التي اقامها ألأكراد على الطريق المؤدي الى السليمانية. رجال مدججون بالسلاح ذوو لحايا طويلة. تقدم أحدهم وراح يتفحص الوجوه. فجأةً قال مخاطباً أحد ألأكراد وكان جالساً في الزاوية البعيدة وقد وضع بندقيته بين ركبتيه:

 …” ترجل من السيارة فنحن في حاجة ماسة اليك. ستبقى معنا في هذه السيطرة حتى إشعار أخر “. هذا الحديث فهمته من الشخص المدني الذي ترجم لي الحوار بسرعة البرق. حاول الرجل المسلح ان يتفاهم مع الرجل الذي طلب منه النزول قائلا بأنه مرهق جدا ولم يشاهد عائلته منذ فترة طويلة ويريد الذهاب الى البيت، ولكن ألأخر أمره بشدة فترجل من السيارة على مضض.

إنطلقت السيارة من جديد وعادت تنهب الطريق بوحشية. أخذتُ سيكارة من علبة سكائري ورحتُ انفث الدخان في الفضاء الداخلي للسيارة إلا انه سرعان ماكان يختلط بالدخان المتصاعد من محرك السيارة ويهرب نحو الفضاء الخارجي بطريقة لولبية. فجـأةً قال الشاب الكردي الذي كان يجلس قربي:

 لو أنهم يريدونني معهم لذهبتُ فورا “. قلتُ له:

 الى أين تذهب معهم ؟” قال باندفاع :

الى حزب البيشمركة..أقاتل معهم “. حاولتُ أن أبدو طبيعياً في كلامي فبادرته قائلاً:

ماذا تعني كلمة البيشمركة ؟”. قال بسرعة:

كلمة بيش معناها ..امام..ومرك..معناها..الموت. أي فدائيين .” قلتُ بلا تحفظ :” ولكن لماذا تريد ان تكون فدائياً ؟ ضد الجنود ألأبرياء الذين يؤدون خدمة العلم.. هل شاهدت الجنود الممزقين عند حافة الشارع في كركوك ؟ ماذا فعل هؤلاء الجنود سوى أنهم جاءوا لخدمة العلم أو لنقل انهم مأمورون للقيام بهذا الواجب. اليس أنهم نفس الجنود الذين كانوا يدافعون عن الشمال في الحروب السابقة ؟ حقاً أن هذه الحرب الأهلية هي دمار شامل لكل البلد !.”  كانت قسمات وجه الكردي المدني تتغير مع كل كلمة يسمعها مني وتتغير الوان وجهه بين لحظة وأخرى…أدخل يده في جيب سترته وأخرج سيكارة وقدم لي واحدة بيده المرتعشة وحينما إرتشف منها رشفة طويلة قال بنوع من ألاضطراب :

 …” أسمع ياصديقي، هذا الكلام الذي قلته لي ألآن يُعتبر خطراً بالنسبة ِ لغيري وقد تفقد حياتك فيما إذا كررته أمام إنسان أخر من ألأكراد. ” صمتْ وسكتُ أنا ألأخر ..شعرت ان نقطة التواصل بيننا مفقودة. شارفت السيارة على ألأقتراب من حدود السليمانية وظهرت من بعيد بعض البنايات الشاهقة والطرق الجميلة. شعرتُ أن دقات قلبي تزداد بشدة لأسباب خاصة . عادت الذكريات القديمة تسحق أعصابي فهذه الشوارع مألوفة جدا بالنسبةِ لي. فكم مرة زرتُ هذه الشوارع مع الوفود الصحفية وسكنتُ معهم في فندق السليمانية الكبير. نحنُ ألآن نمر من أمام الفندق الكبير وقد ظهرت على واجهته ألأمامية آثار القذائف الحارقة التي شوهت منظره الجميل. ترجلنا من السيارة..والغريب أن أحداً لم يقل لنا الى أين نذهب وماذا نفعل ؟ قال أحد ألأكراد:

هذه مدينة السليمانية..إذهبوا الى أي مكان تريدونه وافعلوا ماتشاءون ولكن لاتغادروا المدينة الى أي محافظة أخرى سنجمع كافة الجيش هنا ونقرر بعدها ماذا نفعل بكم ؟ .